عبد الرحمن بوطيب
أديب، ناقد، قاص، شاعر (مدير مجلة امتدادات الرؤى الثقافية)
(Boutaib Abderrahman)
الحوار المتمدن-العدد: 8842 - 2026 / 9 / 28 - 16:48
المحور:
الادب والفن
(تعدد الرؤى النقدية الموضوعية رافعة أساس لتطوير التجارب الإبداعية)
في صلب الموضوع: رد الشاعر على الناقد...
على ضوء أفق مقصدية كونية متعينة نصيا:
من "شيوخ المغرب"، إلى الإنسان الكوني في شيخوخة الحلم... بعيدا عن إسقاطات شخصنة محلية لحمولة رهان النص الفلسفية الشمولية
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1/ النص الشعري موضوع النقاش
حكايات الشيوخ الفجرية / عبد الرحمن بوطيب
أحلام
نحن الشيوخ
ننام كل ليلة متأخرين
نحلم
نتآمر هلى أحلام لم تتحقق
نشيد مدنا أفلاطونية
نلعب مع أطفال لعبة غميضة
نبتسم في وجه أشقياء منهم يمازحون أفلاطون
نستيقظ على شغب أطفال... وفلسفة
ونحتسي الفجرَ قهوةً عربية حارقة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
2/ قراءة الناقد د. جمال عاشور / فلسطين
تعليقه على نص "حكايات الشيوخ الصباحية" لعبد الرحمن بوطيب
كلامك قصير، لكنه ليس عن «الشيوخ» بمعنى العمر فقط؛ إنه عن جيلٍ تقدّم به العمر بينما بقيت داخله مدن لم تُبنَ، وأحلام لم تجد زمنها. وفي السياق المغربي، يمكن قراءته أيضًا بوصفه تأملًا في جيلٍ حمل أفكارًا كبرى عن العدالة والحرية والمجتمع، ثم وجد نفسه في آخر الليل يحاسب الواقع على ما لم ينجزه .أحب النص لأنه لا يعامل الشيخ باعتباره بقايا إنسان.
إنه يعيده إلى منطقة الرغبة واللعب والفكر والتمرد.
لكن أجمل ما فيه ليس «أفلاطون»، بل الأطفال.
لأن الطفل يقول للشيخ، من دون أن يقول شيئًا:
لا تجعل الحياة مشروعًا فلسفيًا طوال الوقت… العب قليلًا.
وهنا تكمن الحكمة الإنسانية العميقة:
نحن لا نحتاج في الشيخوخة إلى أحلام أكبر فقط، بل إلى قدرة أكبر على الضحك على الأحلام التي لم تتحقق.
الشيخوخة ليست انتهاء الحلم؛ أحيانًا هي المرحلة التي يصبح فيها الحلم أكثر وعيًا بخساراته.
والمغرب هنا؟
إذا قرأنا النص مغربيًا، يمكن أن نراه بصورة أوسع: جيل من المثقفين والمناضلين والحالمين الذين عاشوا تحولات المغرب الحديثة، من أحلام التغيير والعدالة والتحديث إلى واقع أكثر تعقيدًا.
لكن ينبغي ألا نحول القصيدة إلى بيان سياسي؛ قوتها تحديدًا في أنها لا تقول لنا من المسؤول، بل تتركنا أمام السؤال الأصعب: ماذا يفعل الإنسان عندما يطول عمره أكثر مما طال عمر أحلامه؟
وهنا أختلف قليلًا مع الشاعر: النص جميل، لكنه رومانسي أكثر مما ينبغي. فهو يمنح الشيوخ بطولة الحالمين، لكنه لا يسأل بما يكفي: هل كانت الأحلام واقعية؟ هل أخطأنا في قراءة المجتمع؟ هل صنعنا مدنًا أفلاطونية لأننا عجزنا عن إصلاح الشوارع الحقيقية؟
وهذا السؤال مهم جدًا في المغرب، كما في غيره:
ليست المشكلة دائمًا أن الواقع خان أحلامنا؛ أحيانًا تكون المشكلة أننا أحببنا أحلامنا أكثر مما فهمنا الواقع.
أن الإنسان قد يقضي نصف عمره وهو ينتقد العالم لأنه لم يصبح كما تخيل، ثم يكتشف في آخر العمر أن بعض ما سماه «مبادئ» كان أيضًا خليطًا من الغرور والحنين والوهم. في آخر العمر لا يموت الحلم؛ الذي يموت هو وهمُ أننا نستطيع أن نبني المدينة الفاضلة، فنكتشف أن أجمل ما بقي لنا هو أن نضحك مع الأطفال فوق أنقاضها.
بمعنى الأشد لذعًا:
بعض الشيوخ لا يندمون لأنهم لم يغيّروا العالم، بل لأن العالم لم يتغيّر بالطريقة التي تخيّلوها؛ وبين الأمرين مسافة اسمها: النضج.
هذه، في رأيي، هي المنطقة التي تجعل نص بوطيب أكثر من قصيدة عن الشيخوخة: إنه نص عن المصالحة المتأخرة بين الإنسان وما حلم به، وبين ما حلم به وما استطاع أن يصنعه.
د. جمال عاشور / فلسطين
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
3/ رد الشاعر عبد الرحمن بوطيب على تعليق الناقد د. جمال عاشور
في أفق القراءة: من "شيوخ المغرب" إلى الإنسان الكوني في شيخوخة أحلامه.
تحية تقدير ومحبة واحترام، استاذنا الناقد الفلسطيني الدكتور جمال عاشور،
اطلعنا، باهتمام بالغ، على مقالكم النقدي الذي تفضلتم به - مشكورين - في تعليق على نصنا الشعري "حكايات الشيوخ الصباحية"... لكم عليه جزيل الشكر والامتنان.
إيمانا منا بأن تبادل الرؤى النقدية الموضوعية الممنهجة رافعة أساس لتطوير التجارب الإبداعية، نسجل - ابتداء - تثميننا لمجمل رأيكم النقدي المحترم...
وبالعطف عليه، نسجل ما لرأيكم المحترم من قوة حجية، وما عليه من خروج نقاشكم إلى مقصدية غير مستهدفة، وغير منصوص عليها بِدالّ معجمي في جسد النص... خروج ينزلق - في رأينا الخاص - إلى شخصنة محلية خاصة بوطننا الحبيب... من باب تبادل الرؤى بعيدا عن أي شخصنة، أو تحيز للرأي الشخصي بإقصاء الرأي الآخر.
أستاذنا الفاضل،
تقدمتم بقراءة لافتة لنصنا الشعري "حكايات الشيوخ الفجرية"، إذ يلتقط في بنيته العميقة انتقالا من دلالة الشيخوخة بوصفها عمرا بيولوجيا إلى الشيخوخة بوصفها زمنا للحلم المؤجل، ولإعادة مساءلة ما لم يتحقق، وهذه من المناطق الخصبة في القراءة، لأنها تخرج النص من المعنى المباشر لكلمة "الشيوخ" إلى فضاء إنساني وفلسفي أوسع.
غير أن قراءتكم، في انتقالها إلى "السياق المغربي" لوطننا الحبيب، تبدو وكأنها تعيد توطين النص داخل جغرافية سياسية واجتماعية بعينها، فتستدعي جيل المثقفين والمناضلين والحالمين، وتحولات المغرب الحديثة، وأحلام العدالة والحرية والتحديث، ثم تجعل من سؤال النص سؤالا عن علاقة ذلك الجيل بما أنجزه وما أخفق في إنجازه.
وهنا تحديدا يمكن تسجيل ملاحظة منهجية مهمة، نلخصها في قولنا:
(هل يمنح النص نفسه ما يكفي من العلامات الإحالية التي تسمح بتخصيص رسالته في بلد الشاعر؟).
في تقديرنا، النص لا يذهب إلى هذه المنطقة بصورة مباشرة، ولا يضع قارئه أمام خطاب سياسي عن المغرب، ولا يبني شخصياته بوصفها ممثلين لجيل مغربي محدد، بل يختار صيغة الجمع بدالّ متعين ملفوظ "نحن الشيوخ"، الممتنع عن أي تخصيص قرائي إسقاطي.
وهي، بهذا، عبارة عن صيغة عامة، تتجاوز التعيين المحلي، لتصنع ذاتا جماعية إنسانية، يمكن أن يتلبسها الشيخ المغربي، والفلسطيني، والعراقي، والعربي، والأسترالي... والإنساني الكوني عموما، كلما وجد نفسه أمام أحلام تأخرت عن زمن اجتراحها.
ومن هنا فإن قوة رهان النص تكمن، في جانب منها، في أنه لا يقول أين خسر الحالمون أحلامهم، ولا من المسؤول عن ذلك، ولا أي واقع سياسي أو اجتماعي خانهم... وإنما يضع المتلقي المفترض أمام الحالة الوجودية العامة الكونية نفسها (ماذا يبقى من الحلم حين يتقدم العمر بالإنسان؟).
1. مقصدية النص ليست سياسية، وإن كان السياسي قابلا للاستحضار، على مقصود رأيكم المحترم
من المشروع بالطبع أن يستدعي الناقد السياقات الثقافية والتاريخية لأي نص يقاربه، وأن يقرأه من زاوية تجربة محلية وطنية، أو كونية جماعية، لكن ينبغي التمييز بين ما يقوله النص، وما يمكن أن يستثمره نصيا من إحالات خارجية، فحين نقول:
"نحن الشيوخ
ننام كل ليلة متأخرين
نحلم
نتآمر على أحلام لم تتحقق"
فإن مركز الثقل ليس في "المغرب"، بوصفه موضوعا، وإنما في الحلم بوصفه تجربة إنسانية وجودية شمولية تتعرض للمراجعة كلما اصطدمت بالزمن.
وتلازما معه، حتى استغلالنا التعبيري الجمالي لفعل "نتآمر" لا يحيل بالضرورة إلى مؤامرة سياسية، وإنما يحمل مفارقة شعرية (الشيوخ يتآمرون على أحلام لم تتحقق)، أي أنهم لا يزالون يمارسون فعل الحلم رغم أن الزمن نفسه صار شاهدا على تعثره.
إنها، إذن، مؤامرة الحلم على واقعه، لا مؤامرة الواقع على الحلم فيه.
وهذا الفارق مهم، لأنه ينقل النص من سؤال المسؤولية السياسية إلى سؤال الأسئلة الوجودية الإنسانية.
2. دلالة "مدن أفلاطونية"، ليست بالضرورة اعترافا بإخفاق مشروع سياسي
لاحظنا، أستاذنا الفاضل، أنكم قرأتم عبارة "نشيد مدنا أفلاطونية" بوصفها مدخلا "مشروعا" لمساءلة الأحلام الكبرى (هل كانت واقعية؟ هل أخطأ أصحابها في قراءة المجتمع؟ هل بنوا مدنا مثالية لأنهم عجزوا عن إصلاح المدن الواقعية؟).
وهي أسئلة نقدية ذكية يمكن أن تنتج قراءة أخرى للنص، لكنها تظل أسئلة يضيفها القارئ المفترض - أنتم - إلى النص، لا أجوبة يصرّح بها النص.
فالاستدعاء الأفلاطوني، هنا، وفق مقصديتنا غير المباشرة تقريريا، لعدم سقوط المتن في خطابية استعلائية مجانية، يؤدي وظيفة شعرية وفلسفية أوسع (المدينة الأفلاطونية تصبح صورة للحلم المكتمل، للنظام المتخيل، وللعالم الذي يريد الإنسان أن يشيّده في مقابل العالم الذي وجده قائما).
ولذلك فإن توظيفنا "أفلاطون" في النص ليس باعتباره، بالضرورة، رمزا سياسيا، بل يمكن أن ييُقرأَه المتلقي اللبيب باعتباره علامة على الحلم الفلسفي الوجودي نفسه.
والأهم أننا لا نجعل "الشيوخ" في موقع الاعتراف بالفشل، إذ يمنحهم تعبيرنا الشعري، رغم تقدم العمر بهم، القدرةَ على مواصلة البناء التخييلي: "نشيد مدنا أفلاطونية"، أي أن فعل البناء لم ينته... ولن ينتهي ما دام في العروق قطرة دم تنبض.
3. الطفل هو مفتاح النص، لا مجرد نقيض للشيخ
أصبتم، أستاذنا المحترم، حين توقفتم عند الأطفال، لكن يمكن الذهاب بهذه الإشارة أبعد، فالطفل في النص لا يؤدي وظيفة تزيينية، وإنما يشكل مقابلا وجوديا للشيخ... الشيخ يحمل الذاكرة والحلم والفلسفة، والطفل يحمل اللعب والشغب والعفوية والحاضر، ولهذا يأتي التعبير "نلعب مع أطفال لعبة غميضة" ليعيد الشيخ إلى الزمن الذي لا تكون فيه الحياة مشروعا مكتملا، ولا تحتاج فيه الرغبة إلى تبرير فلسفي.
ثم تأتي المفارقة الخاصة: "نبتسم في وجه أشقياء منهم يمازحون أفلاطون"... هنا لا يعود أفلاطون مجرد فيلسوف مستدعى من التاريخ، إذ يصبح قوة فاعلة في سيمياء لعبة الأطفال، وبذلك تنقلب العلاقة بين الفلسفة واللعب، فالطفل لا يهدم فلسفة الشيخ، بل يحررها من ثقلها.
وهذا ما يجعل خاتمة نصنا تستهدف ثاوي دلالة :
"نستيقظ على شغب أطفال... وفلسفة
ونحتسي الفجرَ قهوةً عربية حارقة"
فالفجر نفسه يأتي مركبا من شغب وفلسفة، من براءة وتفكير، من حاضر وذاكرة، ومن مرارة ومتعة.
4. الفجر ليس مجرد زمن... إنه عتبة دلالية
أستاذنا الكريم،
لا شك أنكم لاحظتم أن العنوان نفسه "حكايات الشيوخ الفجرية" يفتح النص على عتبة تأويل قرائي مختلفة، فالفجر هو بداية يوم جديد، لكنه يأتي بعد ليل طويل، والشيوخ هنا يعيشون المفارقة (أجسادهم في آخر العمر، لكن زمنهم النفسي يستقبل الفجر بوصفه إمكان بداية واستمرار).
ولهذا لا تنتهي القصيدة بالموت أو الحسرة أو الاعتراف بالهزيمة، وإنما بحفلة احتساء فنجان قهوة: "ونحتسي الفجرَ قهوةً عربية حارقة".
إنها صورة مركبة من المرارة والدفء، من الألم واللذة، من التجربة واليقظة... ومن ثم، فالشيخوخة في النص ليست "نهاية الحلم"، وإنما مرحلة يعاد فيها تعريف هذا الحلم.
5. أين تكمن أهمية اعتراضكم، أستاذنا المحترم؟
المنطقة التي تقترحونها حين تسألون (هل كانت الأحلام واقعية؟ وهل أحببنا أحلامنا أكثر مما فهمنا الواقع؟...) منطقة فكرية خصبة، تصلح، في تقديرنا، لأن تكون حوارا مع النص أكثر من كونها تحديدا لمقصديته.
وهذا ليس نقصا في قراءتكم، بل هو طبيعة القراءة التأويلية نفسها.
فالنص الأدبي لا ينتهي عند مقصدية منشئه، ولكن في الوقت ذاته لا يجوز أن نحول كل إمكان تأويلي إلى مقصدية أصلية.
ومن هنا يمكن القول: إن قراءتكم تفتح مسارا سياسيا - اجتماعيا ممكن استحضار في تأويل خاص، بينما النص نفسُه يتيح، وربما يدفع أكثر نحو، مسار أدبي ثقافي وفلسفي يتناول الإنسان الكوني في علاقته بالزمن والحلم والذاكرة والممكن.
6. من "المغرب" إلى فضاء إنساني أوسع
لذلك، فإن شخصنة الرسالة في بلدنا الحبيب خاصةً قد تضيّق من اتساع دائرة تعميمها الإنساني، إذا تحولت من سياق استقبال، إلى مفتاح وحيد للتفسير.
المغرب، بلدنا الحبيب، حاضر في النص بوصفه الخلفية الثقافية الممكنة للغة والصورة والقهوة والذاكرة... لكنه ليس موضوعا معلنا للنص، بل إن عبارة "قهوةً عربية حارقة" الصريحة المباشرة في تعميمها "عربيا" تفتح هي الأخرى مجالا ثقافيا أوسع، لا مجالا مغربيا حصريا.
وإذا كان النص قد كتب في المغرب، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أن كل "نحن" فيه تعني "نحن المغاربة"، كما أن كل حديث عن الشيخوخة لا يصبح تلقائيا حديثا عن جيل سياسي بعينه.
إن الخصوصية المغربية يمكن أن تكون سياقا للكتابة، دون أن تكون حدودا للدلالة.
7. نحو قراءة أقرب إلى الرسالة الفلسفية الثاوية
لعل السؤال المركزي الذي يقترحه نصنا ليس هو لماذا لم يتغير الواقع؟ ولا من المسؤول عن عدم تحقق الأحلام؟... بل هو سؤال أكثر تجريدا: ماذا يحدث للحلم حين يكبر الإنسان؟
هنا تتبدى المفارقة الأساس (الحلم الذي لم يتحقق لا يموت بالضرورة، وإنما يتحول... في الشباب قد يكون الحلم مشروعا للتغيير... وفي الشيخوخة قد يصبح ذاكرةً وتأملا ولعبا وسخريةً ومصالحةً مع الزمن).
من هنا يمكن إعادة قراءة شعرية وظيفية "المدينة الأفلاطونية"، لا بوصفها مشروعا سياسيا أخفق، وإنما بوصفها استعارة بنائية كبرى مؤسطِرة للحياة، التي ظل الإنسان - كل إنسان - يتخيلها ولم يستطع أن يعيشها كاملة.
أما الأطفال، فهم لا يمثلون المستقبل فحسب... إنهم يمثلون تلك الطاقة التي تجعل الإنسان قادرا على استعادة البدايات، حتى عندما يكون مشرِفا على عتبة النهايات.
إجمالا، إن قراءتكم - أستاذنا المحترم - تضيف إلى النص إمكانا تأويليا غنيا حين تنقل "الشيوخ" من دلالة العمر إلى دلالة جيل الحلم ومراجعة التجربة، وتنتبه إلى التوتر بين المدينة الأفلاطونية والواقع، وبين الشيخ والطفل، وبين الحلم وما تحقق منه.
غير أن تخصيص هذه الدلالة في الوضع المغربي السياسي والاجتماعي يحتاج إلى قرائن نصية أكثر مما يوفره النص نفسه لأي مناولة موضوعية.
فـحكايات الشيوخ الفجرية لا تقدم نفسها بوصفها بيانا سياسيا عن جيل مغربي، ولا محاكمة لمرحلة سياسية، ولا اعترافا جماعيا بالإخفاق... إنها، في بنيتها الشعرية التعبيرية الجمالية، أقرب إلى حكمة وجودية صغيرة تتخفى داخل لعبة شعرية.
إنها تضع الشيخ أمام الطفل، وأفلاطون أمام الشغب، والحلم أمام الزمن... ثم تترك القارئ - الموضوعي - في الفجر مع فنجان قهوة... "حارقة".
هنا تحديدا تتجلى قيمة النص:
(إنه لا يسألنا لماذا لم نبنِ المدينة الفاضلة، بقدر ما يسألنا هل نستطيع، بعد كل ما مضى، أن نظل قادرين على اللعب والحلم؟).
ولعل جواب النص ليس في القول، بل في الفعل الشعري نفسه:
(أن يواصل الشيوخ الحلم، وأن يواصل الأطفال اللعب، وأن يلتقيا معا عند الفجر).
وبذلك لا تكون الرسالة الأساس للنص هي نقد واقع بعينه، وإنما أساسا إعادة تأهيل الحلم بعد أن أرهقه العمر... وهي رسالة أدبية ثقافية وفلسفية تتجاوز الجغرافيا السياسية، من دون أن تمنع القارئ من استحضارها إذا امتلك لذلك قرائن وتأويلا معللا... موضوعيا، مقنعا.
#عبد_الرحمن_بوطيب (هاشتاغ)
Boutaib_Abderrahman#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟