عبد الرحمن بوطيب
أديب، ناقد، قاص، شاعر (مدير مجلة امتدادات الرؤى الثقافية)
(Boutaib Abderrahman)
الحوار المتمدن-العدد: 8834 - 2026 / 9 / 20 - 09:34
المحور:
الادب والفن
على سبيل الافتتاح:
ليس الزمن في الشعر مجرد وعاء محايد تتعاقب داخله الأحداث والصور والذكريات، ولا هو مجرد سلسلة من الوحدات القابلة للقياس تبدأ بالثانية وتنتهي بالسنوات، وإنما هو من أكثر التجارب الإنسانية التصاقا بجوهر الوجود وتعقيدا في تمثيله الأدبي، فالإنسان لا يعيش الزمن باعتباره حركة خارجية مستقلة عنه، بل يعيه من خلال ما يحدثه فيه من تحولات، وما يتركه في ذاكرته من آثار، وما يوقظه في داخله من أسئلة تتصل بالبداية والنهاية، وبالحضور والغياب، وبالطفولة والشيخوخة، وبالانتظار والرحيل، وبالحياة والموت، ومن ثم فإن الزمن حين يدخل القصيدة لا يعود هو الزمن الذي تقيسه الساعة، وإنما يتحول إلى زمن إنساني تتداخل فيه التجربة والذاكرة والانفعال والرؤية، ويتحول فيه الماضي إلى حضور، والحاضر إلى ذكرى قادمة، والمستقبل إلى احتمال يظل معلقا بين الرجاء والمجهول.
ولعل الشعر أكثر الأجناس الأدبية قدرة على تحرير الزمن من خطيته الظاهرة، فالقصيدة تستطيع أن تستعيد لحظة بعيدة فتجعلها أكثر حضورا من اللحظة الراهنة، وأن تختزل سنوات طويلة في صورة أو كلمة، وأن تجعل المستقبل حاضرا من خلال التوقع والخوف والرجاء، وأن تستحضر الطفولة داخل الشيخوخة، كما تستطيع أن تحول المكان إلى مستودع للزمن، والذاكرة إلى وسيلة لاستعادته، والكتابة إلى فعل لمقاومة اندثاره، لذلك لا يكون الزمن الشعري مطابقا للزمن المعيش، بل يصبح بناء فنيا تتدخل في تشكيله الذاكرة واللغة والإيقاع والصورة والتخييل.
ومن هذه الزاوية تبدو تجربة الشاعر المغربي عبد الرحمن بوطيب جديرة بمقاربة نقدية تجعل الزمن مدخلا مركزيا إلى عالمه الشعري، فالزمن في هذه التجربة لا يظهر باعتباره موضوعا عابرا أو عنصرا ثانويا من عناصر البناء، بل يتغلغل في عدد من مفاصلها الكبرى، ويتقاطع مع الرحلة والوطن والطفولة والذاكرة والغياب والموت والكتابة، ولذلك فإن الاقتراب من الزمن في شعره لا يعني دراسة بعض الألفاظ والمؤشرات الزمنية من قبيل "الأمس" و"اليوم" و"الغد" و"الآن" فحسب، وإنما يعني البحث عن الكيفية التي تتحول بها هذه المؤشرات الزمنية إلى رؤية للإنسان والعالم والمصير.
ويحتل النص الشعري النثري "رؤى عبور" موقعا متميزا في هذا السياق، لأنه يقدم نموذجا مكثفا لهذا الوعي الزمني، فمنذ العنوان يتقدم مفهوم "العبور" بوصفه مفتاحا تأويليا للنص كله، فالعبور ليس مجرد انتقال من مكان إلى مكان، وإنما حركة وجودية بين الأزمنة والحالات، وانتقال من مرحلة عمرية إلى أخرى، ومن حضور إلى غياب، ومن ذاكرة إلى ذاكرة، ومن حياة عاشها الشاعر إلى مستقبل لا يملك ضمانة الوصول إليه، أما "الرؤى" فتمنح هذا العبور بعدا تأمليا، لأن الشاعر لا يكتفي بالمرور في الزمن، بل يتوقف ليتأمله، ويعيد النظر في مساره، ويستحضر ما مضى منه، ويتساءل عما يمكن أن يبقى بعد انقضاء الرحلة.
وتتجلى هذه الدلالة منذ اللحظة التي يربط فيها الشاعر عمره الشخصي بالتاريخ، فيقول: "اليوم، وهو السابع والعشرون، من شهر نوفمبر، من سنة 2024، تنتهي الرحلة الثالثة والسبعون إلى محطة وصول..." ثم يستشرف اليوم التالي قائلا: "غدا، وهو الثامن والعشرون، من شهر نوفمبر، من سنة 2024، تبدأ الرحلة الرابعة والسبعون... إن كتب لها أن تنطلق"، إن هذا التحديد الدقيق للتاريخ يبدو في البداية أقرب إلى التسجيل الواقعي، غير أن الشاعر سرعان ما ينقله إلى مستوى رمزي عميق حين يستبدل مفهوم "العمر" بمفهوم "الرحلة"، فالسنوات لم تعد أرقاما متراكمة، بل أصبحت مسافات قطعها الإنسان في طريق لا يعرف نهايته بصورة يقينية.
وتكمن أهمية عبارة "إن كتب لها أن تنطلق" في أنها تزعزع الاطمئنان الذي قد يوحي به الانتقال الطبيعي من سنة إلى أخرى، فالمستقبل ليس امتدادا مضمونا للماضي، والغد ليس حقا مكتسبا، وإنما احتمال مشروط بإمكان الاستمرار.
ومن هنا يتسلل الموت إلى النص، دون حاجة إلى التصريح به، إذ يصبح حاضرا في المسافة الفاصلة بين نهاية رحلة وبداية رحلة أخرى، وفي السؤال الضمني عن قدرة الإنسان على مواصلة العبور.
غير أن الزمن عند بوطيب لا يقاس فقط بما مضى من سنوات، بل بما خلفته تلك السنوات من أثر، وهذا ما يتجسد بوضوح في قوله: " كم أنت طويلة في عدد سنين، شهور، أيام، ساعات، دقائق، ثوان... ورعشات!
كم أنت قصيرة قصيرة قصيرة في عدد آثار باقيات!"
هنا يبلغ الوعي الزمني إحدى ذراه، فالزمن طويل حين يخضع للحساب، لكنه قصير حين يخضع لمعيار الأثر، وبذلك ينتقل الشاعر من سؤال "كم عشت؟" إلى سؤال أكثر عمقا: "ماذا تركت؟"، وهذه النقلة من الكمية إلى القيمة هي التي تمنح الكتابة مكانتها المركزية، فالقصيدة تصبح محاولة لتحويل الزمن العابر إلى أثر قابل للبقاء.
ولا تنحصر هذه الرؤية في "رؤى عبور" وحدها، وإنما تمتد بدرجات مختلفة إلى نصوص أخرى، من بينها "همود"، و"رجع صدى"، و"طفولة عهد"، و"رسم على أبواب الخامسة والسبعين من قصائد"، ففي "همود" يظهر الزمن في صورة أخرى، حيث يتحرك الزمن الخارجي بينما يبدو الواقع الداخلي عالقا في الانتظار، وفي "رجع صدى" يختل انتظام الزمن الطبيعي من خلال اختلال دورة الفصول، فيتحول الزمن الكوني إلى مرآة لقلق الذات، وفي "طفولة عهد" يصبح الماضي فضاء للحنين والفقد، بينما يستعيد "رسم على أبواب الخامسة والسبعين من قصائد" الطفل القديم بوصفه زمنا داخليا لم تستطع السنوات القضاء عليه.
وهكذا تكشف هذه النصوص مجتمعة أن الزمن في شعر عبد الرحمن بوطيب ليس خطا مستقيما يفضي من البداية إلى النهاية، بل شبكة معقدة من الاسترجاعات والاستشرافات والوقفات والدورات والعودات، إنه زمن تتحرك فيه الذات إلى الأمام ،بينما تحمل وراءها طفولتها وذاكرتها وأمكنتها وأحلامها، وتتحرك فيه القصيدة بين ما كان وما هو كائن وما قد يكون.
ومن هنا تأتي هذه الدراسة لا لتثبت مجرد حضور الزمن في شعر عبد الرحمن بوطيب، وإنما لتكشف النظام الزمني العميق الذي تنتظم داخله تجربته الشعرية، ولتبحث في التحول الذي يطرأ على الزمن حين يدخل فضاء القصيدة: من تاريخ إلى رحلة، ومن رحلة إلى ذاكرة، ومن ذاكرة إلى سؤال وجودي، ومن السؤال إلى كتابة، ومن الكتابة إلى أثر.
إن القضية المركزية التي تقود هذه القراءة تتمثل في أن الشاعر لا يحاول إيقاف الزمن، لأنه يدرك استحالة ذلك، وإنما يحاول أن يمنحه معنى، فالزمن يهزم الجسد، لكنه لا يستطيع بالضرورة أن يهزم الذاكرة والسنوات تستهلك العمر، لكن الكتابة تستطيع أن تستعيد بعض ما استهلكته، والموت يضع حدا للحياة البيولوجية، غير أن القصيدة تستطيع أن تفتح زمنا آخر هو زمن الأثر.
ومن هنا يصبح "العبور" في تجربة عبد الرحمن بوطيب مفهوما يتجاوز معناه المباشر ليصبح رؤية كاملة للوجود، حيث الإنسان يعبر، والأيام تعبر، والذكريات تعبر، والأمكنة تتغير، لكن القصيدة تحاول أن تحفظ من هذا العبور ما يمكن أن يتحول إلى معنى.
إشكالية الدراسة:
تنطلق هذه الدراسة من فرضية نقدية مؤداها أن الزمن في شعر عبد الرحمن بوطيب لا يحضر بوصفه إطارا خارجيا تنتظم داخله التجربة الشعرية، ولا باعتباره مؤشرا كرونولوجيا يحدد توالي الأيام والسنوات ومراحل العمر، وإنما يتجاوز هذه الوظيفة المرجعية ليغدو بنية جمالية وفكرية ووجودية عميقة تسهم في تشكيل رؤية الشاعر إلى ذاته وإلى العالم والذاكرة والمكان والمصير، فالزمن في تجربته الشعرية لا يتحرك في خط مستقيم من ماض انقضى إلى حاضر عابر ومستقبل مجهول، بل يتداخل ويتقاطع داخل الوعي الشعري، بحيث يستعيد الماضي حضوره في الحاضر، ويتشكل المستقبل من خلال الذاكرة، ويتحول العمر من مجرد رقم إلى تجربة، والرحلة من حركة في الزمن إلى استعارة للوجود، والمكان من فضاء جغرافي إلى مستودع للذاكرة، والطفولة من مرحلة منقضية إلى زمن داخلي يظل حاضرا في الذات، بينما يتحول الرحيل والموت من نهايتين محتملتين إلى سؤالين يختبران قدرة الإنسان على ترك أثر يتجاوز حدود وجوده البيولوجي، ومن هنا يغدو نص "رؤى عبور" نموذجا مركزيا للكشف عن هذه الرؤية، لأنه ينطلق من تاريخ محدد ورقم عمري واضح، ثم يعيد تفكيك دلالة العمر والزمن والعبور، ويفتح التجربة الشخصية على أسئلة أكثر اتساعا تتصل بالحضور والغياب، والذاكرة والنسيان، والحياة والموت، والكتابة والأثر.
وعليه، تتمحور الإشكالية الرئيسة للدراسة حول السؤال الآتي:
(كيف يتحول الزمن في شعر عبد الرحمن بوطيب، ولا سيما في قصيدة "رؤى عبور"، من زمن كرونولوجي يقيس العمر ويؤطر التجربة، إلى زمن شعري مغاير تتداخل فيه الذاكرة والمكان والطفولة والرحيل والموت والكتابة، بما يجعل العبور الزمني مدخلا إلى سؤال الوجود والأثر؟).
ويتفرع عن هذا السؤال المركزي عدد من الأسئلة النقدية التي تسعى الدراسة إلى استجلائها، ولعل من أهمها:
(كيف يحول الشاعر العمر من رقم محسوب إلى تجربة وجودية؟ وكيف يعيد بناء العلاقة بين الماضي والحاضر والمستقبل داخل القصيدة؟ وما طبيعة الزمن النفسي الذي تتشكل في إطاره التجربة الشعرية؟ وكيف تؤدي الذاكرة وظيفة استعادة الزمن الغائب وإعادة إنتاجه من موقع الحاضر؟ وما الكيفية التي يتحول بها المكان إلى حامل للزمن والذاكرة والانتماء؟ وكيف تصبح الطفولة زمنا داخليا يقاوم التقادم البيولوجي؟ وما دلالة الرحلة والعبور والرحيل في بناء تصور الشاعر للوجود؟ وكيف يحضر الموت باعتباره أفقا زمنيا يعيد تشكيل معنى الحياة والأثر؟ ثم ما الدور الذي تنهض به الكتابة الشعرية في مواجهة النسيان، وهل تستطيع القصيدة أن تنتج زمنا جديدا يتجاوز الزمن البيولوجي للشاعر ويمنح التجربة إمكانية الاستمرار؟).
أهمية الدراسة:
تتجلى أهمية هذه الدراسة من كونها تقارب تجربة عبد الرحمن بوطيب الشعرية، من زاوية نقدية تتخذ من الزمن مدخلا للكشف عن أحد أنظمتها العميقة، ذلك أن الزمن في هذه التجربة لا يظهر بوصفه عنصرا خارجيا تجري داخله الأحداث والصور، ولا باعتباره مجرد مؤشرات كرونولوجية تحيل إلى الماضي أو الحاضر أو إلى المستقبل، وإنما يتخذ صورة بنية دلالية وجمالية وفكرية تتخلل مختلف مستويات التجربة الشعرية، وتشارك في تشكيل رؤيتها إلى الذات والعالم والوجود، ومن ثم فإن دراسة الزمن تتيح الانتقال من قراءة جزئية ترصد حضوره في بعض النصوص إلى قراءة أكثر شمولا تحاول الكشف عن الكيفية التي ينتظم بها هذا الحضور داخل المشروع الشعري برمته.
وتزداد أهمية هذه المقاربة بالنظر إلى أن الزمن عند عبد الرحمن بوطيب لا يعيش منعزلا عن بقية المكونات الدلالية والجمالية، بل يبدو كأنه الخيط الخفي الذي يصل بين موضوعات وتجارب قد تبدو متباعدة في ظاهرها، فالطفولة ليست مجرد مرحلة عمرية، وإنما هي زمن داخلي تستعيد الذات من خلاله صورتها الأولى، والوطن ليس فضاء جغرافيا فقط، بل ذاكرة زمنية تختزن الأمكنة والأشخاص والأحلام والتحولات، والرحلة ليست حركة في المكان فحسب، وإنما هي حركة في العمر والوجود، والحنين ليس التفاتا عاطفيا إلى الماضي فقط، وإنما محاولة لاستعادة زمن فقد حضوره الواقعي، والانتظار ليس موقفا نفسيا عابرا، بل علاقة قلقة بالمستقبل، والموت ليس خاتمة بيولوجية للحياة فحسب، وإنما أفق زمني يعيد تحديد معنى الحضور والأثر، بينما تتحول الكتابة إلى فعل يستعيد ما انقضى ويمنح التجربة إمكانية جديدة للاستمرار في الذاكرة.
كما تستمد الدراسة أهميتها من محاولتها تجاوز التعامل مع الزمن بوصفه مفهوما نقديا جاهزا يسقط على النصوص، إلى الإنصات إلى الكيفية التي يصنع بها الشاعر زمنه الخاص داخل اللغة والصورة والإيقاع والتكرار والتقطيع والفراغ... فالمسألة لا تتعلق بمجرد البحث عن ألفاظ زمنية من قبيل "أمس" و"اليوم" و"غدا" و"الآن"، وإنما تتجاوز ذلك إلى الكشف عن كيفية تحوّل الزمن نفسه إلى مادة شعرية، وكيف تنتقل التجربة من الزمن المحسوب إلى الزمن المعيش، ومن الزمن المعيش إلى الزمن المتخيل، ومن الزمن المتخيل إلى زمن القصيدة... وبذلك يصبح السؤال النقدي أكثر عمقا:
(ليس أين يوجد الزمن في شعر عبد الرحمن بوطيب فحسب، وإنما كيف تنتج القصيدة إحساسا بالزمن، وكيف تجعل القارئ يعيش الامتداد والانقطاع والانتظار والاستعادة والعبور أثناء فعل القراءة).
وتنبع أهمية اختيار قصيدة "رؤى عبور" - بصفة خاصة - من كون النص يقدم نموذجا مكثفا لهذا الوعي الزمني، إذ يبدأ من تاريخ محدد ورقم عمري واضح، ثم يتجاوز الحساب إلى الرحلة، ومن الرحلة إلى التأمل، ومن التأمل إلى الذاكرة والمصير والأثر، وبذلك يغدو العمر الشخصي في النص مدخلا إلى سؤال إنساني أوسع يتجاوز حدود السيرة الذاتية ليطال معنى الوجود الإنساني في علاقته بالزمن، كما أن وضع هذا النص في حوار مع نصوص أخرى مثل "همود" و "رجع صدى" و"طفولة عهد" و "رسم على أبواب الخامسة والسبعين من قصائد" يسمح بالكشف عن تعدد صور الزمن في تجربة الشاعر، وعن انتقاله بين الحركة والجمود، والاستعادة والفقد، والدوران والانتظار، والطفولة والشيخوخة، والرحيل والعودة.
وتتجلى أهمية الدراسة أيضا في كونها تسعى إلى الكشف عن العلاقة الجدلية بين الزمن والكتابة في تجربة بوطيب، فالزمن من جهة قوة استنزاف ومحو، والكتابة من جهة أخرى فعل استعادة وحفظ وإعادة تشكيل
وإذا كان الزمن البيولوجي يقود الإنسان بصورة حتمية نحو الفناء، فإن الزمن الشعري يتيح للتجربة أن تتجاوز لحظتها التاريخية، وأن تنتقل من حدود العمر الفردي إلى فضاء الذاكرة والقراءة والتلقي، ومن هنا يصبح "الأثر" مفهوما مركزيا في فهم هذه التجربة، لأن قيمة الزمن لا تقاس فقط بامتداده العددي، وإنما بما يستطيع الإنسان أن يتركه وراءه، وما تستطيع القصيدة أن تنقذه من النسيان.
وعليه، فإن أهمية هذه الدراسة لا تكمن في إضافة قراءة أخرى للزمن في الشعر فحسب، وإنما في محاولة الكشف عن فلسفة زمنية كامنة في تجربة عبد الرحمن بوطيب، حيث يتداخل الزمن مع الذاكرة والمكان والوطن والطفولة والرحيل والموت والكتابة، وحيث يتحول العبور من حركة في الزمن إلى طريقة في الوجود، وتتحول القصيدة من مجرد تسجيل للزمن إلى وسيلة لإعادة بنائه ومنحه معنى جديدا.
ومن هذا المنظور يمكن أن يصبح الزمن مدخلا مركزيا لفهم الخصوصية الجمالية والفكرية لهذه التجربة، والكشف عن قدرتها على تحويل التجربة الشخصية إلى سؤال إنساني يتجاوز الشاعر إلى القارئ، ويتجاوز اللحظة إلى الذاكرة، ويتجاوز العمر إلى الأثر.
أهداف الدراسة:
تسعى هذه الدراسة إلى الكشف عن البنية الزمنية العميقة التي تنتظم تجربة عبد الرحمن بوطيب الشعرية، واتخاذ "رؤى عبور" نموذجا مركزيا لاختبار هذه البنية وتحليل آليات تشكلها داخل النص، بما يسمح بالانتقال من النظر إلى الزمن باعتباره معطى كرونولوجيا يقيس العمر وتعاقب السنوات، إلى النظر إليه بوصفه تجربة شعرية مركبة تتداخل فيها الأبعاد النفسية والوجودية والجمالية والدلالية.
وتهدف الدراسة، في هذا السياق، إلى بيان الكيفية التي يعيد بها الشاعر تحويل الزمن من مجرد امتداد عددي إلى تجربة إنسانية حية، ومن الزمن المحسوب إلى الزمن المعيش، ومن الزمن المعيش إلى زمن القصيدة، حيث يصبح العمر مجالا للتأمل في الذات والتحول والرحيل والمصير.
كما تهدف الدراسة إلى تحليل استعارة "الرحلة" بوصفها أحد المفاتيح المركزية، التي يعيد الشاعر من خلالها بناء مفهوم العمر والوجود، فالرحلة في "رؤى عبور" لا تحيل إلى حركة مكانية فحسب، وإنما تكشف عن تصور للإنسان باعتباره كائنا عابرا في الزمن، ينتقل من مرحلة إلى أخرى، ويحمل معه ما تراكم من تجارب وذكريات وأسئلة.
ومن خلال هذه الاستعارة تسعى الدراسة إلى الكشف عن العلاقة بين مفهوم العبور ومفاهيم البداية والنهاية، والوصول والرحيل، والاستمرار والانقطاع، بما يتيح إبراز البعد الفلسفي الذي يكتسبه الزمن داخل التجربة الشعرية.
وتتجه الدراسة كذلك إلى تحليل العلاقات المركبة التي يقيمها الشاعر بين الماضي والحاضر والمستقبل، والكشف عن طبيعة الزمن المتداخل الذي لا يخضع للخطية التقليدية، حيث يعود الماضي عبر الذاكرة، ويتشكل المستقبل من خلال الاستشراف والقلق والاحتمال، بينما يظهر الحاضر باعتباره لحظة هشة وسريعة التحول.
وتهدف الدراسة من خلال ذلك إلى بيان أن الأزمنة في شعر بوطيب لا تعمل باعتبارها وحدات منفصلة، وإنما تتفاعل داخل وعي شعري يستعيد الماضي من موقع الحاضر، ويستشرف المستقبل انطلاقا من الذاكرة والتجربة، ويحوّل اللحظة العابرة إلى مادة للتأمل والكتابة.
ومن أهداف الدراسة أيضا الكشف عن الوظيفة التي تؤديها الذاكرة في إعادة بناء الزمن واستعادة ما انقضى منه، مع تحليل العلاقة العضوية بين الزمن والمكان والوطن والطفولة، فالأمكنة التي يستعيدها الشاعر لا تظهر باعتبارها فضاءات جغرافية محايدة، وإنما باعتبارها حوامل للذاكرة وآثارا لأزمنة سابقة، ولذلك تسعى الدراسة إلى بيان كيف تتحول القرية والوطن والزيتونة والأنهار وغيرها من العلامات المكانية إلى مستودعات للزمن، وكيف يصبح الحنين إلى المكان في جوهره استعادة لزمن إنساني كانت الذات جزءا منه.
كما تهدف الدراسة إلى الوقوف على صورة الطفولة باعتبارها زمنا داخليا يستمر في الذات ولا يخضع بصورة كاملة لقانون العمر البيولوجي، ومن خلال استحضار نصوص مثل "رسم على أبواب الخامسة والسبعين من قصائد"، تسعى الدراسة إلى الكشف عن استمرار الطفل داخل الشاعر، وعن قدرة الذاكرة الشعرية على إعادة وصل البدايات بالنهايات، والطفولة بالشيخوخة، والماضي بالحاضر، بما يكشف عن تصور للذات بوصفها تراكما لأزمنة متعددة لا تختزل في لحظتها الراهنة.
وتسعى الدراسة كذلك إلى استجلاء حضور الرحيل والغياب والموت في تشكيل الوعي الزمني لدى الشاعر، والكشف عن الطريقة التي يتحول بها الموت من مجرد نهاية بيولوجية إلى أفق يعيد تحديد معنى العمر والحضور والأثر، وفي هذا السياق تهدف الدراسة إلى تحليل العلاقة بين وعي الشاعر بانقضاء الزمن ورغبته في إنتاج أثر يتجاوز هذا الانقضاء، بما يفتح المجال لفهم الكتابة باعتبارها فعلا وجوديا يسعى إلى مقاومة النسيان، لا بإلغاء الزمن أو إيقافه، وإنما بتحويل التجربة التي استهلكها الزمن إلى لغة قابلة للبقاء.
ومن جهة أخرى، تهدف الدراسة إلى تحليل الكتابة الشعرية نفسها بوصفها ممارسة لإعادة إنتاج الزمن، فالقصيدة لا تسجل ما مضى فحسب، وإنما تعيد تنظيمه وتأويله ومنحه حضورا جديدا.
ولذلك تسعى الدراسة إلى الكشف عن الكيفية التي يتحول بها العمر إلى قصيدة، والذكرى إلى صورة، والرحيل إلى استعارة، والغياب إلى لغة، والتجربة المنقضية إلى أثر.
ومن هذا المنظور يصبح "الأثر" أحد المفاهيم المركزية التي تحاول الدراسة من خلالها فهم القيمة النهائية للزمن في تجربة عبد الرحمن بوطيب، إذ لا يعود السؤال متعلقا بطول العمر، وإنما بما يستطيع الإنسان أن يتركه بعد عبوره.
كما تهدف الدراسة إلى الكشف عن الوسائل الفنية التي تسهم في بناء الزمن داخل النص، ولا سيما التكرار، والتقطيع، والفراغ، وتوزيع الكلمات، والوقفات، والتشكيل البصري، والإيقاع الداخلي.
والمقصود هنا ليس وصف هذه العناصر في حد ذاتها، وإنما بيان وظيفتها في جعل الزمن محسوسا أثناء القراءة، إذ يمكن للتكرار أن يحاكي العودة والدوران، وللفراغ أن يجسد الانتظار أو الصمت أو الغياب، وللتقطيع أن يبطئ حركة القراءة أو يسرّعها، بحيث تصبح بنية القصيدة نفسها حاملة لتجربة زمنية لا تقل أهمية عن المؤشرات الزمنية المباشرة.
وتسعى الدراسة، في مستوى آخر، إلى وضع نص "رؤى عبور" ضمن سياق أوسع من تجربة عبد الرحمن بوطيب، من خلال استحضار نصوص مثل "همود" و"رجع صدى" و"طفولة عهد" و"رسم على أبواب الخامسة والسبعين من قصائد"، ليس باعتبارها نصوصا موازية فحسب، وإنما باعتبارها امتدادات تكشف تنوع أشكال الزمن داخل التجربة الشعرية، فالزمن قد يظهر فيها رحلة وعبورا، وقد يظهر انتظارا وهمودا، أو زمنا موسميا مختلا، أو زمنا مفقودا تستعيده الذاكرة، أو زمنا داخليا تعود فيه الذات إلى طفولتها.
ومن خلال هذا التعدد تهدف الدراسة إلى الانتقال من تحليل نص منفرد إلى استجلاء ملامح رؤية زمنية أكثر اتساعا في شعر الشاعر.
وتطمح الدراسة أخيرا إلى صياغة تصور نقدي متكامل لمفهوم الزمن في تجربة عبد الرحمن بوطيب، يربط بين الزمن البيولوجي والزمن النفسي والزمن الذاكراتي والزمن الشعري والزمن الوجودي، ويكشف عن انتقاله المستمر من القياس إلى المعنى، ومن العبور إلى الذاكرة، ومن الذاكرة إلى الكتابة، ومن الكتابة إلى الأثر.
وبذلك لا تقتصر الدراسة على إثبات حضور الزمن في شعر عبد الرحمن بوطيب، وإنما تسعى إلى تحديد الكيفية التي أصبح بها الزمن نفسه منتجا للرؤية الشعرية، وإلى إبراز الخصوصية الجمالية والفكرية التي تجعل تجربة الشاعر جديرة بقراءة نقدية تنظر إلى الزمن لا بوصفه موضوعا من موضوعات الشعر، وإنما بوصفه أحد المفاتيح الكبرى لفهم الإنسان والقصيدة والوجود في هذه التجربة.
#عبد_الرحمن_بوطيب (هاشتاغ)
Boutaib_Abderrahman#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟