محمود الصباغ
كاتب ومترجم
(Mahmoud Al Sabbagh)
الحوار المتمدن-العدد: 8841 - 2026 / 9 / 27 - 04:49
المحور:
القضية الفلسطينية
استمعت إلى مجرم الحرب بنيامين ميليكوفسكي في الأمم المتحدة، وأول ما دار في ذهني أنه لم يكن يخاطب العالم وحده، وإنما كان يخاطب مستقبله السياسي أيضاً. ولكن لنضه هذه الخاشية قبل البدء: لم يكن في المشهد ما يسمح بالقول إن هذا خطابه الأخير، فالانتخابات لم تُجر بعد، ولا أحد يعرف ما الذي ستفعله صناديق الاقتراع، لكن شيئاً في الصورة كلها جعل فكرة الوداع تمر في الذهن. خرجت وفود من القاعة مع بدء خطابه، وظل يواصل الكلام أمام مقاعد أخذت تفرغ واحدة بعد أخرى، ثم هاجم الذين غادروا واتهمهم بالجبن الأخلاقي. لم يكن المشهد يحتاج إلى كثير من الشرح، نحن أمام مشهد نادر لآخر وكيل استعماري في العصر الحديث جاء إلى الأمم المتحدة ليتحدث، فإذا بجزء كبير من العالم يخرج من القاعة، وهو يواصل الكلام كما لو أن شيئاً لم يحدث. ربما كان يعرف أن الصورة التي ستخرج من القاعة أهم عنده من القاعة ذاتها.
لميليكوفسكي علاقة قديمة بالصورة، لا تتركها الكاميرا للصدفة. فقد تحدثت روث بار، التي عملت مستشارة له، عن الطريقة التي كانت تراقب بها ظهوره الإعلامي، وتحلل أداءه ورسائله ولغة جسده، ثم تقدم له ملاحظات حول صورته وحضوره وقدرته على التأثير. كان يتعامل مع ظهوره أمام الجمهور باعتباره شيئاً يمكن دراسته وتعديله والتدرب عليه، وليس مجرد امتداد عفوي لشخصيته. وهذا ما يفسر عنايته القديمة بالأداء حين يتدرب على الوقفة والإيماءة ونبرة الصوت، هو لا يصنع لحظة عابرة ، وإنما يدرب الجمهور على رؤية السلطة في جسده(1). وقد فعل ذلك طويلاً، حتى صار الجسد وحركاته وصوته جزءً من الرسالة السياسية. لا يتعلق الأمر بإقناع الناس أنه لم يخسر، وإنما بجعل عدم السقوط أمام الكاميرا قابلاً للقراءة بوصفه قدرة على الاستمرار. وربما لهذا ظل يتحدث بينما كانت القاعة تفرغ؛ لم يعد مهماً أن يبقى الجمهور في مكانه ما دام الرجل نفسه باقياً في الصورة.
غادروا، وبقي هو واقفاً، وفي هذه المفارقة الصغيرة تختصر واحدة من أكثر آليات بقائه السياسي وضوحاً، أي تحويل القدرة على الاستمرار إلى دليل على القدرة على الحكم. وهذه الحالة تبدو أكثر دلالة حين نتذكر أن هتلر نفسه كان يتدرب على وضعياته وإيماءاته أمام الكاميرا؛ فالصور التي التقطت له في استوديو هاينريش هوفمان نحو العام 1927 تظهره وهو يجرب أوضاعاً خطابية مختلفة، وقد وثقت المؤسسة الألمانية للتاريخ أن هتلر كان يتعمد إخراج خطاباته بالكلمات والصوت والإيماءات معاً(2).
لهذا لم أهتم كثيراً لسيل أكاذيبه فهي أكثر من أن تحصى وأرخص من أن تفند. ما استوقفني، في الحقيقة، حركة صغيرة في خطابه.
حين وصل إلى الحديث عن المسيحيين الذين تتناقص أعدادهم في الشرق الأوسط، إذ مال بجسده إلى الجانب واتكأ على الطاولة، فاستدعت الحركة في ذهني فوراً بعض صور هتلر الخطابية. ولا أقصد هنا تشابه عابر في ملامح الوجه أو الملابس، وإنما عن هيئة الجسد والمتكلم الذي يميل إلى جانبه ويستند إلى الطاولة فيما يضع أمام جمهوره صورة تبدو مكتملة: هناك عالم ينهار، وهناك خطر يحيط بالجميع، وهناك رجل يقف وسط الخراب ويمتلك تفسيره وحلّه(3).
كان هتلر يدرك تماماً أن الخطيب لا يتكلم بفمه وحده، ويبدو أن نتنياهو يعرف ذلك أيضاً، ولهذا لم تعد حركة الجسد تفصيلاً هامشياً في الصورة التي يصنعها لنفسه(4).
ربما يقول قائل إن الحركة لا تعني شيئاً، وهذا صحيح إذا أخذناها وحدها. لكنني لا أراها وحدها. ما شدني إليها هو أنها خرجت من رجل يعرف قيمة الصورة، ومن خطاب يعرف كيف يحول القوة إلى فضيلة والعنف إلى دفاع والضحية إلى جزء من الحجة التي تبرر استمرار العنف.
قد لا يتشابه المجرمون في كل شيء، ولكن الجرائم لا تحتاج إلى هيئة جسدية واحدة حتى تكشف عن قرابة في السلوك والعقلية والحركة. حين يضع صاحب القوة نفسه دائماً في موقع المدافع مهما فعل، وحين يصبح الآخر خطراً بحكم وجوده، وحين تتحول الجثث والخراب إلى مادة تستخدم لإثبات ضرورة استمرار القوة، تبدأ الصورة في قول شيء يتجاوز الكلمات. عندها لا تعود تلك الإمالة الصغيرة للجسد مجرد إيماءة.
كان نتنياهو يتحدث عن المسيحيين وكأنه يضع إسرائيل خارج التاريخ الذي يتحدث عنه. قال إن أعدادهم تتناقص في أنحاء الشرق الأوسط كافة، حيث يتعرضون للاضطهاد، باستثناء إسرائيل، حيث "ينمو المجتمع المسيحي ويزدهر وينجح"، ثم ذهب إلى بيت لحم ليجعل انتقال السيطرة إلى السلطة الفلسطينية تفسيراً لما أصاب مسيحييها. وفي بلد يعيش فيه الفلسطينيون، ومن بينهم المسيحيون الفلسطينيون، تحت الاحتلال وفي ظل منظومة من السيطرة العسكرية والاستيطان والاقتلاع، تبدو هذه الصورة انتقائية إلى درجة يصعب التعامل معها كحديث بريء عن التسامح الديني.
فأن تتحدث عن حماية المسيحيين بينما تستبعد المسيحيين الفلسطينيين من المشهد، ثم تقدم الدولة التي تمارس الاحتلال بوصفها الاستثناء المضيء في المنطقة، فذلك يعيد ترتيب المشهد بحيث تظهر القوة في هيئة الحامي، ويختفي من الصورة من يدفع ثمن هذه الحماية المزعومة.
ثم وصل إلى بريطانيا وفرنسا، فراح يعيرهما بماضيهما الاستعماري، متناسياً أن الاستعمار لا يصبح أقل استعماراً حين يصدر عن دول أوروبية، ولا يتحول إلى تاريخ بريء حين ينتقل من قارة إلى أخرى. قال إن الذين يتهمون إسرائيل بالاستعمار، ومن بينهم البريطانيون والفرنسيون، هم الذين "اخترعوا المصطلح" وأن مستعمراتهم ملأت العالم.
فاتته، وهو يوزع شهادات البراءة والإدانة من على منصة الأمم المتحدة، إشارة صغيرة إلى الأرض التي يقف عليها للتو: مقر الأمم المتحدة في نيويورك يقوم على أرض لها تاريخ سابق للاستعمار الأوروبي وترتبط بشعب اللينابي، أحد الشعوب الأصلية في المنطقة (فقبل تأسيس المنظمة الدولية وبيع الأرض لها في أربعينيات القرن الماضي، كان شعب اللينابي يسكن هذه المنطقة التي أطلقوا عليها اسم "Lenapehoking" (أرض اللينامي) لآلاف السنين قبل وصول الاستعمار الأوروبي واقتلاعهم من أراضيهم قسراً). لكن يبدو أن ذاكرة الاستعمار تعمل عند نتنياهو بانتقائية عجيبة؛ فهو يتذكر بريطانيا وفرنسا جيداً، أما الولايات المتحدة فتسقط من الذاكرة في اللحظة التي يجلس فيها أبو حنان في البيت الأبيض. ولست أدري إن كان ذلك احتراماً للحليف أم خوفاً من أن يسمع رجل البيت الأبيض الملول محاضرة لم يطلبها.
ومن الصعب بعد كل هذا أن يعود خطاب الإبادة إلى كونه مجرد سجال على الكلمات. وحين وصف اتهام إسرائيل بارتكاب الإبادة بأنه "أكبر كذبة في القرن"، عاب عنه أن المحكمة الجنائية الدولية قد أصدرت في تشرين الثاني 2024 مذكرة توقيف بحقه بعدما وجدت "أسباباً معقولة" للاعتقاد بمسؤوليته الجنائية عن جريمة الحرب المتمثلة في استخدام التجويع وسيلة للحرب، وعن جرائم ضد الإنسانية تشمل القتل والاضطهاد وأفعالاً لاإنسانية أخرى، وكذلك عن جريمة حرب تتمثل في توجيه هجمات عمداً ضد السكان المدنيين(5).
صحيح أن مذكرة التوقيف ليست حكماً نهائياً بالإدانة، لكنها أيضاً ليست مجرد خصومة سياسية يمكن التخلص منها بجملة أمام الكاميرات. إنها قرار قضائي مبني على معيار "الأسباب المعقولة" في مرحلة إصدار مذكرة التوقيف.
ثم جاءت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة في أيلول 2025، وخلصت إلى أن السلطات والقوات الإسرائيلية ارتكبت أربعة أفعال من الأفعال التي تدخل في تعريف الإبادة الجماعية، وقالت إن إسرائيل ارتكبت الإبادة الجماعية في غزة، كما تناول تقريرها مسؤولية مسؤولين إسرائيليين عن التحريض عليها.
يمكن لإسرائيل رفض مذكرة التوقيف ورفض التقرير، (وقد رفضتهما بالفعل)، لكن رفضها لا يمحو ما خلصا إليه ولا يحول المسألة إلى خلاف في اختيار المفردات. وإذا كانت المحكمة الجنائية الدولية قد ركزت في مذكرة التوقيف على جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وكانت محكمة العدل الدولية قد أصدرت تدابير مؤقتة في قضية الإبادة وأمرت إسرائيل باتخاذ إجراءات لمنع الأفعال الداخلة في نطاق الاتفاقية وضمان وصول المساعدات والخدمات الأساسية إلى سكان غزة، ثم شددت تلك التدابير مع تفاقم الأوضاع الإنسانية، فإن الصورة القانونية أخذت تتسع مع الوقت. ففي كانون الثاني 2024 أمرت المحكمة إسرائيل باتخاذ جميع التدابير التي في وسعها لمنع الأفعال الداخلة في نطاق المادة الثانية من اتفاقية الإبادة الجماعية، كما أمرتها في آذار من العام ذاته باتخاذ تدابير إضافية لضمان توفير المساعدات والخدمات الأساسية على نطاق واسع، ثم أصدرت في أيار تدابير إضافية أخرى مرتبطة بالوضع في رفح(6)
هذه ليست مؤسسة واحدة تكرر العبارة ذاتها، ولا قراراً واحداً يمكن دفنه تحت عبارة "المجتمع الدولي منحاز". إنها مسارات قانونية وتحقيقية مختلفة، تتقاطع عند حقيقة أن ما جرى في غزة لم يعد قابلاً لأن يُروى للعالم باعتباره عملية عسكرية عادية لا يُسمح لأحد بمساءلتها.
ومع ذلك يقف ميليكوفسكي أمام الجمعية العامة ويعيد الحكاية إلى بدايتها: إسرائيل تدافع عن نفسها، جيشها أخلاقي، خصومها يكذبون، والعالم لا يفهم ما يجري. هاجم بريطانيا وفرنسا وتركيا وغيرهم، بينما أفرد لترامب لغة مختلفة تماماً، وقدم الولايات المتحدة بوصفها الشريك الذي وقف إلى جانب إسرائيل في حربها. حتى الذين خرجوا من القاعة أعادهم إلى خطابه، وكأن غيابهم صار دليلاً إضافياً على الرواية التي يريد إثباتها . لم يعد بحاجة إلى إقناعهم؛ كان يحتاج إلى أن يسجل لنفسه مشهداً يستطيع استخدامه أمام الجمهور الإسرائيلي: رئيس حكومة يقف وحده في مواجهة العالم، يرفع صوته، يرد على خصومه، ويعلن أنه لن يتراجع.
ربما لهذا بدا المشهد كله أقرب إلى لحظة سياسية مكتملة منه إلى خطاب عادي في الأمم المتحدة. المقاعد تفرغ، وهو يواصل الكلام، والمحاكم تلاحقه، وغزة تحمل في أجساد أهلها ما لا تستطيع الكلمات إخفاءه، والانتخابات تقترب، والسؤال الذي بدأ مع السابع من تشرين لم يجد بعد مكانه في الرواية التي يريد نتنياهو تركها خلفه.
لا أحد يعرف إن كان ذلك آخر خطاب له هنا. لكن شيئاً في المشهد كان يحمل نبرة الوداع، لا في كلامه وحده، وإنما في ذلك الإصرار على مواصلة الأداء أمام قاعة أخذت تفرغ.
ظل واقفاً حتى النهاية، كأن عليه أن يقول كلمته الأخيرة مهما كان عدد الذين بقوا ليسمعوها. وربما كان ذلك مجرد خطاب آخر من خطابات نتنياهو الكثيرة، وربما كان، من دون أن يعرف هو نفسه، خطاب العرش الأخير.
اعتمدت المادة على المصادر التالية
1. Ruth Bar breaks silence on her 1993 affair with Netanyahu, his early political rise - interview
https://www.jpost.com/israel-news/politics-and-diplomacy/article-907577
2. Adolf Hitler Practicing Rhetorical Poses in Heinrich Hoffmann’s Studio (c. 1927)
https://germanhistorydocs.org/en/weimar-germany-1918-1933/adolf-hitler-practicing-rhetorical-poses-in-heinrich-hoffmann-s-studio-c-1927
3. 🇮🇱 Israel - Prime Minister Addresses United Nations General Debate, 81st Session
https://www.youtube.com/watch?v=0ZcB4snPFSc
4. Photos of Hitler Rehearsing His Speech in Front of The Mirror, 1925
https://rarehistoricalphotos.com/hitler-rehearsing-speech-front-mirror-1925/
5. https://www.icc-cpi.int/defendant/netanyahu
6. Application of the Convention on the Prevention and Punishment of the Crime of Genocide in the Gaza Strip (South Africa v. Israel) https://www.icj-cij.org/case/192
#محمود_الصباغ (هاشتاغ)
Mahmoud_Al_Sabbagh#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟