أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - رامي الغف - فلسطين بحاجة إلى حوار يصنع الشراكة















المزيد.....

فلسطين بحاجة إلى حوار يصنع الشراكة


رامي الغف

الحوار المتمدن-العدد: 8840 - 2026 / 9 / 26 - 13:45
المحور: القضية الفلسطينية
    


كتب/رامي الغف*

في المراحل الوطنية الصعبة، لا تكون المشكلة في كثرة الخلافات فقط، بل في غياب المساحة التي يمكن أن تُدار فيها هذه الخلافات بعقل وطني ومسؤولية تاريخية. واليوم، وفي ظل ما يمر به شعبنا الفلسطيني من تحديات سياسية ووطنية وإنسانية متراكمة، تبدو الحاجة إلى الخروج من حالة الانسداد أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.

الخروج من «عنق الزجاجة» لا يبدأ بإدارة الأزمة من فوق، ولا بإعادة إنتاج الاصطفافات القديمة، ولا بتبادل الاتهامات، وإنما يبدأ بالاعتراف بأن فلسطين أكبر من الفصائل، وأن القضية أكبر من الأشخاص، وأن المرحلة تحتاج إلى شراكة وطنية حقيقية لا إلى شراكة شكلية.

الحوار الوطني ليس ترفًا سياسيًا

الحوار الوطني الشامل ليس مجرد اجتماع جديد تُلتقط فيه الصور وتصدر بعده البيانات، ثم تعود الأطراف إلى مواقعها السابقة.

الحوار الحقيقي هو عملية وطنية منظمة لإعادة بناء الثقة، وتقريب وجهات النظر، ومعالجة أسباب الانقسام، ووضع قواعد واضحة للشراكة الوطنية.

لكن نجاح الحوار يحتاج إلى أكثر من النوايا الحسنة؛ يحتاج إلى آليات واضحة، وجدول أعمال محدد، وضمانات للتنفيذ والمساءلة.

أولًا: تشكيل هيئة وطنية مستقلة للحوار

الخطوة الأولى يمكن أن تكون تشكيل هيئة وطنية للحوار تضم ممثلين عن مختلف القوى والفصائل، إلى جانب شخصيات مستقلة تحظى بالقبول، وممثلين عن النقابات والمرأة والشباب والمجتمع المدني والجرحى وأسر الشهداء والفعاليات الأكاديمية والثقافية والإعلامية.

وتكون مهمتها:

- إعداد جدول أعمال الحوار.
- تنظيم جلساته ومراحله.
- ضمان تمثيل مختلف المكونات.
- توثيق المداولات والنتائج.
- متابعة تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه.
- إصدار تقارير دورية للرأي العام.

والأهم أن تكون هذه الهيئة مُيسِّرة للحوار وليست طرفًا في الصراع.

ثانيًا: تحديد جدول أعمال واضح

لا ينبغي أن يبدأ الحوار بقضايا فضفاضة وشعارات عامة، بل بملفات محددة، من بينها:

1. الوحدة الوطنية وإنهاء الانقسام.
2. إعادة بناء وتطوير المؤسسات الوطنية.
3. إعادة ترتيب العلاقة بين مختلف القوى السياسية.
4. آليات المشاركة السياسية والانتخابات.
5. حماية القرار الوطني المستقل.
6. إعادة الإعمار ومعالجة آثار الحرب.
7. ملفات الأسرى والجرحى وأسر الشهداء.
8. الحريات العامة وحق التعبير والمشاركة السياسية.
9. دور الشباب والمرأة والشتات في الحياة الوطنية.
10. آليات تنفيذ الاتفاقات ومحاسبة الجهات المسؤولة عن تعطيلها.

وبذلك يتحول الحوار من نقاش مفتوح بلا نهاية إلى مسار له أهداف محددة ومخرجات قابلة للقياس.

ثالثًا: حوار على مراحل وليس مؤتمرًا واحدًا

من الضروري ألا يُختزل الحوار الوطني في مؤتمر واحد.

يمكن أن يمر بثلاث مراحل:

المرحلة الأولى: الاستماع والتشخيص

فتح جلسات مع القوى السياسية والمجتمع المدني والنخب والشباب والمرأة والجرحى وأسر الشهداء وأبناء الشتات، والاستماع إلى رؤيتهم ومخاوفهم وأولوياتهم.

المرحلة الثانية: التوافق

تحويل نقاط الالتقاء إلى وثيقة وطنية مشتركة، مع تحديد القضايا التي تحتاج إلى مزيد من النقاش دون فرض حلول مسبقة.

المرحلة الثالثة: التنفيذ

وضع جدول زمني واضح، وتحديد الجهة المسؤولة عن كل بند، وآلية متابعة ومراجعة دورية.

فالاتفاق الذي لا يملك آلية تنفيذ ومتابعة يبقى مجرد ورقة.

رابعًا: مؤتمر وطني موسع

بعد مرحلة الاستماع والتشاور، يمكن عقد مؤتمر وطني جامع يضم القوى السياسية والمجتمعية والشخصيات المستقلة وممثلين عن مختلف الشرائح الفلسطينية في الوطن والشتات.

ويكون هدف المؤتمر إقرار:

وثيقة وطنية جامعة تتضمن المبادئ الأساسية للشراكة، وأولويات المرحلة، وآليات الإصلاح والمشاركة السياسية، والجدول الزمني للتنفيذ.

خامسًا: إنشاء منصة شعبية للحوار

الحوار لا يجب أن يبقى محصورًا في القاعات السياسية.

يمكن إنشاء منصة وطنية مفتوحة تستقبل آراء المواطنين ومقترحاتهم، وتنظم جلسات استماع في المحافظات والمخيمات والجامعات والنقابات ومؤسسات المجتمع المدني، إضافة إلى جلسات رقمية تتيح مشاركة أبناء الشعب الفلسطيني في الخارج.

وبذلك يصبح المواطن شريكًا في صياغة الأولويات، لا مجرد متلقٍ لما يتم الاتفاق عليه.

سادسًا: ضمانات تمنع إعادة إنتاج الإقصاء

أي حوار جاد يحتاج إلى قواعد مسبقة، أهمها:

- رفض الإقصاء السياسي.
- احترام حق الاختلاف.
- عدم احتكار تمثيل الشعب.
- تكافؤ فرص المشاركة.
- عدم استخدام الحوار لتصفية الحسابات.
- الالتزام بالنتائج المتوافق عليها.
- الإعلان عن مراحل التنفيذ أمام الجمهور.
- توفير آلية واضحة للاعتراض والمراجعة.

فالهدف من الحوار ليس أن ينتصر طرف على آخر، وإنما أن تنتصر المصلحة الوطنية على حالة الانقسام.

سابعًا: انتخابات وتجديد الشرعيات

الحوار الوطني يجب أن يفتح الطريق أمام تجديد الشرعيات عبر آليات ديمقراطية، بحيث يتمكن الشعب من اختيار ممثليه بحرية، وفق قواعد متوافق عليها.

ولا يمكن أن تكون الانتخابات مجرد محطة أخيرة، بل ينبغي أن تكون جزءًا من عملية إعادة بناء الحياة السياسية وتجديد المؤسسات وإتاحة المجال أمام الأجيال الجديدة.

ثامنًا: آلية وطنية للمساءلة والمتابعة

من أهم أسباب تعثر الاتفاقات السابقة أن كثيرًا من التفاهمات بقيت دون متابعة جدية.

لذلك يمكن تشكيل لجنة متابعة وطنية مستقلة عن أطراف الحوار، تتولى نشر تقارير دورية حول:

- ما تم الاتفاق عليه.
- ما تم تنفيذه.
- ما لم يتم تنفيذه.
- أسباب التعطيل.
- الجهات المسؤولة عن كل مرحلة.

وهنا تصبح المساءلة أمام الشعب جزءًا من عملية الحوار، وليس إجراءً استثنائيًا.

تاسعًا: ميثاق شرف إعلامي وسياسي

الإعلام جزء أساسي من أي حوار وطني.

لذلك يمكن الاتفاق على ميثاق شرف يرفض خطاب التحريض والتخوين والتشهير، ويشجع النقاش السياسي المسؤول، ويحمي حق الاختلاف، ويمنح جميع الأطراف مساحة متوازنة للتعبير.

كما يمكن إشراك الصحفيين والإعلاميين في مراقبة مسار الحوار ونقل مخرجاته للرأي العام بمهنية وشفافية.

عاشرًا: من الحوار إلى عقد وطني جديد

المطلوب في النهاية ليس صورة جماعية حول طاولة واحدة، ولا بيانًا جديدًا يضاف إلى البيانات السابقة.

المطلوب هو تحويل الحوار إلى مسار دائم لبناء الشراكة الوطنية.

مسار يعيد بناء الثقة بين المواطن والمؤسسة، وبين القوى السياسية، وبين الداخل والشتات؛ ويضع قواعد واضحة للمشاركة وصناعة القرار والمساءلة والتداول الديمقراطي.

فلسطين بحاجة إلى خطوة شجاعة

الخروج من عنق الزجاجة يحتاج إلى قرار شجاع من الجميع: أن نتوقف عن إدارة الخلاف وكأنه قدر دائم، وأن نبدأ بإدارة الاختلاف باعتباره جزءًا طبيعيًا من الحياة السياسية.

فلا يمكن بناء المستقبل بعقلية الإقصاء، ولا حماية المشروع الوطني بتعطيل المشاركة، ولا استعادة الثقة بالشعارات وحدها.

نحن بحاجة إلى حوار يبدأ من الشعب، تشارك فيه القوى السياسية، وتدعمه المؤسسات، وتحميه قواعد واضحة، وتراقب تنفيذه عيون المجتمع، وتكون نهايته تجديدًا حقيقيًا للحياة الوطنية والسياسية.

فلسطين ليست ملكًا لفصيل، ولا لحزب، ولا لشخص، ولا لجيل واحد.

فلسطين ملك شعبها، ووحدتها مسؤولية الجميع.

فلنفتح أبواب الحوار بدل إغلاقها، ولنحوّل الاختلاف إلى مساحة للتفاهم، ولنضع المصلحة الوطنية فوق الحسابات الفئوية والشخصية.

فلسطين تجمعنا...
ووحدتنا قوتنا...
والشراكة طريقنا...
وصوت الشعب بوصلتنا...
ومن الحوار الحقيقي يبدأ الخروج من عنق الزجاجة.

*اعلامي وباحث سياسي



#رامي_الغف (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المصالحة الوطنية.. ضرورة تتجاوز الحسابات الفصائلية
- فلسطين والسعودية وفاءٌ لا يتبدل وموقفٌ لا ينكسر
- أوسلو.. ماذا كسب الفلسطينيون وماذا خسروا؟
- رسالة إلى قيادة فتح في غزة فتح أكبر من الجميع… والمرحلة لا ت ...
- أيها الناخب الفلسطيني.. أنت صاحب المسألة
- فتح التي نريدها
- حكومة إنقاذ وطني فلسطيني هي الحل لإنهاء الأزمات والإعمار وال ...
- من هو المرشح الفلسطيني الذي يستحق صوتك؟
- الشراكة الوطنية.. حين يصبح الوطن أكبر من الجميع
- من مصر إلى غزة.. أيادٍ تحمل الخير وأملٌ يرفض الانطفاء
- القادم ليس تعديلاً في المشهد… بل إعادة تشكيل كاملة للسياسة ف ...
- لا تتجاهلوا الأونروا غزة تحتاجها اليوم أكثر من أي وقت مضى
- جبهة النضال الشعبي الفلسطيني.. تاريخ من الإنجازات والبطولات ...
- غزة تُذبح والعالم يتفرّج
- ما المطلوب فلسطينيًا للرد على نتنياهو؟
- أبو مازن ومسيرة وطن... في زمن الاختبارات الكبرى يظهر معدن ال ...
- من يحكم غزة بعد الحرب؟
- فلسطين تختنق من يحاسب من؟
- أبو علي إياد الذي اختار الشهادة ولم يختر الانسحاب
- حزب اللا رأي لهم


المزيد.....




- الحرس الثوري: إيران -انتصرت- في الحرب.. وأمريكا لم تتمكن من ...
- إيران تعرض على الولايات المتحدة اتفاقاً لإعادة فتح مضيق هرمز ...
- الاتحاد الأوروبي يبحث عن منصات إطلاق فضائية خارج حدوده
- توغل عسكري إسرائيلي في درعا والقنيطرة وترهيب للأهالي
- تل أبيب تراقب بتوتر تسلح تركيا ومصر البحري.. وتدرس تعزيز بحر ...
- السيطرة على سودري.. هل يفتح الطريق إلى تحرير دارفور؟
- عدن-الدمام جوا.. كيف يختصر الخط الجديد رحلة اليمنيين إلى الم ...
- -قناة اتصال- بين واشنطن وبكين لمعالجة حوادث الذكاء الاصطناعي ...
- مأرب على الحافة.. ضغط حوثي على المدينة وتهديد بتدميرها
- مريض يختطف سيارة من أمام مستشفى ويقود الشرطة بمطاردة خطيرة ف ...


المزيد.....

- الآثار الإقتصادية للعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة والضفة الغ ... / سمير أبومدللة
- إتفاقية أوسلو، مسار التسوية ومخطط تفكيك مرتكزات المشروع الوط ... / فهد سليمان
- في الطريق إلى الكنيست 26 المشهد السياسي – الحزبي في ال 48 / محمد السهلي
- لوبي إسرائيل والسياسة الخارجية الأميركية / محمود الصباغ
- خطة ترامب: بين النص والتطبيق / معتصم حمادة
- المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا ... / غازي الصوراني
- إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب / محمود الصباغ
- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - رامي الغف - فلسطين بحاجة إلى حوار يصنع الشراكة