أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - رامي الغف - الشراكة الوطنية.. حين يصبح الوطن أكبر من الجميع















المزيد.....

الشراكة الوطنية.. حين يصبح الوطن أكبر من الجميع


رامي الغف

الحوار المتمدن-العدد: 8805 - 2026 / 8 / 22 - 02:48
المحور: القضية الفلسطينية
    


في وطنٍ أنهكته الحروب، وأثقلته الانقسامات، وتعب أهله من الانتظار، تصبح الشراكة الوطنية أكثر من مجرد مصطلح سياسي يُقال في الخطب والبيانات. تصبح حاجةً للروح، وضرورةً للوطن، ونافذة أمل لشعبٍ لم يعد يحتمل أن يدفع وحده ثمن خلافات السياسيين وحساباتهم.

الشراكة الحقيقية لا تعني أن يجلس الجميع حول طاولة واحدة لمجرد التقاط الصور أو إصدار البيانات، وإنما تعني أن يجلسوا بقلوبٍ مفتوحة ومسؤولية وطنية كاملة؛ بلا شروط إقصائية، وبلا عقلية المنتصر والمهزوم، وبلا رغبة في فرض الأمر الواقع أو احتكار القرار.

تعني أن ننظر إلى بعضنا أولًا باعتبارنا فلسطينيين، قبل أن ننظر إلى أسماء تنظيماتنا وانتماءاتنا ومواقعنا.

فالوطن الذي يعيش كل هذه الأزمات لا يحتاج إلى مزيد من المناكفات والمزايدات وتبادل الاتهامات. يحتاج إلى شجاعة سياسية وإنسانية؛ شجاعة أن نعترف بأخطائنا، وأن نراجع سياساتنا، وأن نقول لبعضنا بصدق: لقد أخطأنا، وقد آن الأوان أن نضع فلسطين فوق كل الحسابات.

لقد آن الأوان أن ندرك جميعًا أن استمرار الانقسام ليس انتصارًا لأحد، وأن إقصاء الآخر لم يصنع وطنًا، وأن الاستفراد بالقرار لم يحمِ المشروع الوطني، وأن تحويل الخلاف السياسي إلى صراع على النفوذ والتمثيل لم يجلب للشعب إلا مزيدًا من التعب والانتظار والوجع.

فخلف كل خلاف سياسي هناك مواطن ينتظر.

وخلف كل مناكفة هناك أمّ تبحث عن الأمان.

وخلف كل تأجيل هناك شاب يحلم بمستقبل لا يعرف إن كان سيأتي.

وخلف كل حساب سياسي هناك وطن ينزف.

وهنا تحديدًا يجب أن نتوقف.

إن منظمة التحرير الفلسطينية هي المظلة الوطنية والسياسية الأوسع التي ينبغي أن تلتقي تحتها جميع القوى والفصائل والأحزاب والتيارات السياسية والوطنية والإسلامية، باعتبارها الإطار الوطني الجامع والممثل للشعب الفلسطيني.

لكن المنظمة، كما نريدها، يجب ألا تكون مجرد عنوان تاريخي نستحضره عند الحاجة، وإنما بيتًا وطنيًا حيًا، تتجدد فيه الحياة السياسية، وتتسع أبوابه للجميع، وتُفعّل مؤسساته، ويُعاد الاعتبار لدوره، ويشارك فيه الجميع على قاعدة المسؤولية والاحترام والديمقراطية.

نريد منظمة تحرير تشعر فيها كل مكونات الشعب الفلسطيني أنها جزء من البيت، لا ضيفة عليه.

ومن هنا، فإن إعادة بناء هذا البيت الوطني ليست مسؤولية طرف واحد، وإنما مسؤولية الجميع.

لكن الانضمام إلى الإطار الوطني الجامع لا ينبغي أن يكون بحثًا عن مقعد أو موقع أو نفوذ. إنه مسؤولية قبل أن يكون مكسبًا، وتكليف قبل أن يكون تشريفًا.

ومن يطالب بالشراكة عليه أن يقبل بنتائجها.

ومن يطالب بالديمقراطية عليه أن يحترمها عندما لا تأتي النتائج لمصلحته.

ومن يطالب بالحوار عليه أن يسمع الرأي الذي لا يعجبه.

ومن يرفع شعار الوطن عليه أن يثبت في لحظة الاختبار أن فلسطين بالنسبة إليه أهم من التنظيم والحزب والموقع.

فلا فتح تملك فلسطين وحدها، ولا حماس تملك فلسطين وحدها، ولا أي فصيل أو حزب أو تيار يستطيع أن يختصر شعبًا كاملًا في ذاته.

فلسطين أكبر من الجميع.

والقضية الفلسطينية ليست ملكًا لفصيل أو تنظيم، وإنما هي قضية شعب بأكمله؛ شعب له حق أن يختلف، وأن يتحاور، وأن ينتقد، وأن يختار، وأن يشارك في صناعة مستقبله.

والاختلاف السياسي ليس عيبًا.

والتعددية ليست ضعفًا.

ووجود تيارات مختلفة ليس خطرًا على الوطن.

الخطر الحقيقي يبدأ عندما يتحول الاختلاف إلى كراهية، والتعددية إلى إقصاء، والسياسة إلى تخوين، والحوار إلى معركة، والوطن إلى ساحة لتصفية الحسابات.

نحن لا نريد أن نلغي الاختلاف، بل نريد أن نتعلم كيف نختلف دون أن نخسر بعضنا.

نريد أن نختلف ونحن تحت سقف فلسطين.

أن نعارض ونحن نحمي الوطن.

أن ننتقد ونحن نحفظ كرامة الآخر.

أن نختلف على الوسائل، لكن لا نختلف على حق شعبنا في الحرية والاستقلال والدولة.

نريد أن ندير اختلافنا بعقل الدولة، لا بعقل الفصيل.

فمنظمة التحرير يجب أن تكون بيتًا سياسيًا يتسع للجميع، لا ساحة صراع بين الجميع.

بيتًا يستوعب الاختلاف ولا يخاف منه.

يجمع القوى بدل أن يفرقها.

يعيد الاعتبار للمؤسسات بدل الأشخاص.

ويجعل القرار الوطني مسؤولية جماعية، لا امتيازًا تنظيميًا.

أما أن نتحدث عن الشراكة، بينما يحتفظ كل طرف بحساباته الخاصة، وينتظر لحظة الانقضاض على الآخر، ويبحث عن حصته من السلطة والنفوذ، فهذا ليس شراكة.

هذه إعادة إنتاج للأزمة بأسماء جديدة.

وفلسطين اليوم لا تحتمل المزيد من التجارب.

المواطن الذي عاش الحرب والحصار والنزوح والفقر والانتظار لا يريد أن يسمع المزيد من الشعارات.

يريد حياة.

يريد كرامة.

يريد بيتًا آمنًا.

يريد ماءً ودواءً وخدمات.

يريد تعليمًا لأبنائه.

يريد عملًا ومستقبلًا.

ويريد أن يشعر أن هناك من يفكر فيه قبل أن يفكر في الكرسي.

لقد دفع الشعب الفلسطيني ثمن الانقسام بما يكفي.

ودفع ثمن الخلافات السياسية بما يكفي.

ودفع ثمن أخطاء الجميع، بينما بقي كثير من السياسيين بعيدين عن حجم الألم الذي يعيشه المواطن.

ولهذا آن الأوان أن يدفع السياسيون ثمن أخطائهم من رصيدهم السياسي، لا أن يستمر المواطن في دفع الفاتورة وحده.

الشراكة الحقيقية ليست أن يتقاسم السياسيون الوطن.

الشراكة أن يتقاسموا مسؤولية حمايته وإنقاذه وبنائه.

أن يتقاسموا الألم قبل المواقع.

والمسؤولية قبل الامتيازات.

والواجب قبل المكاسب.

وهنا يجب أن تكون الرسالة واضحة للجميع:

فلسطين أكبر من الفصائل.
أكبر من الأحزاب.
أكبر من القوائم والتحالفات والمقاعد.
وأكبر من الأشخاص جميعًا.

ومن لا يستطيع أن يضع فلسطين أولًا، فعليه أن يفسح المجال لمن يستطيع.

لأن الوطن ليس مشروعًا انتخابيًا.

والقضية ليست مقعدًا.

ومنظمة التحرير ليست غنيمة.

والشراكة ليست محاصصة.

والسياسة ليست فن صناعة الأزمات، ولا فن تأجيل الحلول، ولا وسيلة لإبقاء المواطن منشغلًا عن حقوقه الأساسية.

لقد تعب الناس من السياسي الذي ينجح في صناعة الأزمة ويفشل في صناعة الحل.

تعبوا من الوعود التي لا تصل إلى خيامهم وبيوتهم.

تعبوا من الخطابات التي لا تغيّر شيئًا في واقعهم.

وتعبوا من أن يكون الوطن حاضرًا في الخطب، وغائبًا عند اتخاذ القرارات.

ولذلك، فإن الشراكة الوطنية اليوم ليست رفاهية سياسية، بل نداء من قلب شعب يريد أن يرى وطنه مجتمعًا من جديد.

نداء أمّ تريد أن تطمئن.

وشاب يريد أن يحلم.

وطفل يريد أن يعيش طفولته.

وإنسان فلسطيني يريد فقط أن يشعر أن وطنه ليس ساحة دائمة للخلاف.

نحن بحاجة إلى أن نعيد لفلسطين معناها في قلوبنا قبل أن نبحث عن معناها في البيانات السياسية.

بحاجة إلى أن نتذكر أن الدم الذي سال لم يكن يحمل بطاقة فصيل، وأن الشهداء لم يسألوا بعضهم عن الانتماءات، وأن الأسرى لم يدخلوا السجون دفاعًا عن مقاعد، وأن الجرحى لم يقدموا أجسادهم من أجل محاصصة.

كلهم دفعوا الثمن من أجل فلسطين.

فلماذا نعجز نحن عن تقديم تنازل من أجل فلسطين؟

آخر الكلام:

إما أن نمتلك شجاعة اللقاء، أو نبقى أسرى للخلاف.

إما أن نختار فلسطين، أو تختارنا حساباتنا الصغيرة.

إما أن نبني شراكة وطنية حقيقية تنقذ ما يمكن إنقاذه، أو نبقى ندور في الحلقة ذاتها، بينما يزداد الألم، ويتسع الانقسام، ويدفع الشعب وحده ثمن أخطاء الجميع.

الوطن لا يريد منّا أن نكون متشابهين؛ يريد فقط أن نكون أوفياء له.

وعندما يصبح الوطن أكبر من الفصيل، وأكبر من الحزب، وأكبر من الشخص، عندها فقط تبدأ الشراكة الحقيقية.

وعندها فقط يمكن أن نقول إننا بدأنا نكتب فصلًا جديدًا من تاريخ فلسطين.

*إعلامي وباحث سياسي ودولي



#رامي_الغف (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من مصر إلى غزة.. أيادٍ تحمل الخير وأملٌ يرفض الانطفاء
- القادم ليس تعديلاً في المشهد… بل إعادة تشكيل كاملة للسياسة ف ...
- لا تتجاهلوا الأونروا غزة تحتاجها اليوم أكثر من أي وقت مضى
- جبهة النضال الشعبي الفلسطيني.. تاريخ من الإنجازات والبطولات ...
- غزة تُذبح والعالم يتفرّج
- ما المطلوب فلسطينيًا للرد على نتنياهو؟
- أبو مازن ومسيرة وطن... في زمن الاختبارات الكبرى يظهر معدن ال ...
- من يحكم غزة بعد الحرب؟
- فلسطين تختنق من يحاسب من؟
- أبو علي إياد الذي اختار الشهادة ولم يختر الانسحاب
- حزب اللا رأي لهم
- الرئيس والشباب والتغيير القادم
- عندما يبكي الوطن
- الى السيد نائب رئيس دولة فلسطين حسين الشيخ مع التحيه
- كفاءات على الرصيف
- ما الذي تبقى لفلسطين؟
- أصبع على الجرح !!!
- أزمات ومشاكل مزمنة
- الشباب والتغيير القادم !!!
- تحديات مفصلية في المسيرة الفلسطينية !!!


المزيد.....




- الولايات المتحدة تعيد إلى مصر 48 قطعة أثرية عمرها آلاف السني ...
- بوتين: روسيا لن تتسامح مع تبني كييف للنازية الجديدة كأساس لأ ...
- كاتس يهاجم المعارضة الإسرائيلية على خلفية ضرب قاعدة -أبو الظ ...
- الدفاع الروسية: تدمير 1120 مسيرة معادية خلال يوم وإصابة رادا ...
- سفير تركيا في دمشق: رفع اسم سوريا من قائمة الإرهاب ينهض الاس ...
- تقرير: قائد الجيش الباكستاني يحمل رسائل أمريكية لطهران
- الولايات المتحدة.. حريق غابات ضخم في ولاية نيفادا
- إيران تعلن طرد دبلوماسيين فرنسيين وتتهمهما بالتدخل في شؤونها ...
- مقاطعة زابوروجيه.. مدفع هاوتزر الروسي -D-30- يدمر مواقع أوكر ...
- مقاتلة -سو-35- الروسية تنفذ مهمات قتالية في محيط منطقة العمل ...


المزيد.....

- إتفاقية أوسلو، مسار التسوية ومخطط تفكيك مرتكزات المشروع الوط ... / فهد سليمان
- في الطريق إلى الكنيست 26 المشهد السياسي – الحزبي في ال 48 / محمد السهلي
- لوبي إسرائيل والسياسة الخارجية الأميركية / محمود الصباغ
- خطة ترامب: بين النص والتطبيق / معتصم حمادة
- المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا ... / غازي الصوراني
- إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب / محمود الصباغ
- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني
- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي ... / غازي الصوراني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - رامي الغف - الشراكة الوطنية.. حين يصبح الوطن أكبر من الجميع