خورشيد الحسين
كاتب وباحث سياسي
(Khorshied Nahi Alhussien)
الحوار المتمدن-العدد: 8840 - 2026 / 9 / 26 - 10:02
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
مقدمة: الخطاب وثيقة كاشفة
ليست كل الخطب السياسية مجرد كلمات عابرة. أحياناً يقول السياسي أكثر مما يريد، وأحياناً تكشف الجملة التي يمر عليها سريعاً ما تعجز عشرات البيانات عن إخفائه.
وفي خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 24 أيلول/سبتمبر 2026، قال رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو إن الصراع ليس صراعاً على «الأراضي»، بل على وجود دولة يهودية، بأي حدود.
هذه العبارة ليست تفصيلاً لغوياً.
فإذا كان الصراع، وفق تعريف رأس الحكومة الإسرائيلية نفسه، لا يدور حول الأرض والحدود، بل حول وجود الدولة اليهودية «بأي حدود»، فإن علينا أن نعيد النظر في واحدة من أكثر الفرضيات التي قامت عليها مقاربات التسوية العربية الرسمية للصراع: فرضية أن المشكلة الأساسية يمكن حلها عبر تسوية جغرافية وترسيم حدود وإنهاء الاحتلال.
هنا تحديداً يصبح الخطاب الإسرائيلي وثيقة تستحق القراءة، باعتباره تعبيراً رسمياً عن رؤية الدولة كما هي معلومة تاريخيا وتعيد تقديمهاعارية قيادتها السياسية في هذه المرحلة.
والسؤال الذي يفرض نفسه منذ البداية:
إذا لم تكن المشكلة في الأرض، فلماذا لا تنتهي المشكلة عندما نتفق على الأرض؟
1. مغالطة 1967 وتزوير «نقطة الصفر» التاريخية
من أكثر الحجج تكراراً في الخطاب الإسرائيلي أن الصراع الحالي لا يمكن اختزاله في احتلال الأراضي التي سيطرت عليها إسرائيل عام 1967؛ لأن إسرائيل كانت موجودة قبل ذلك، وكانت تتعرض للحروب والتهديدات.
وهذا صحيح من حيث تسلسل الأحداث، لكنه لا يجيب عن السؤال الأساسي.
لأن عام 1967 لم يكن بداية قصة الأرض.
قبل 1967 كانت هناك دولة إسرائيل التي تشكلت بمؤامرة غربية وتواطؤ بعض العرب عام 1948 على اراضي فلسطين التاريخية، في سياق حرب ومجازر ونزوح فلسطيني واسع النطاق وتغيّر جذري في الخريطة السكانية والسياسية. ثم جاءت حرب حزيران/يونيو 1967 لتفتح مرحلة أخرى من السيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة والجولان وسيناء.
أي أن 1967 كان مرحلة لاحقة من الصراع على الأرض، وليس نقطة الصفر التي بدأ منها كل شيء.
ولهذا فإن استخدام ما قبل 1967 لإثبات أن «الأرض ليست القضية» يقفز فوق السؤال الأسبق:
كيف تشكلت تلك الرقعة التي قامت عليها إسرائيل قبل عام 1967؟
هنا تظهر أيضاً أدبيات تاريخية واجتماعية واسعة تصف المشروع الصهيوني، بدرجات وصيغ مختلفة، ضمن إطار الاستعمار الاستيطاني. وقد اختلف الباحثون في التفاصيل والتوصيفات، لكن وجود هذا النقاش نفسه يكشف أن اختزال المسألة في «حدود 1967» لا يستنفد تاريخ الصراع.
فإذا كانت الأرض ليست جوهر المشكلة، فإن السؤال لا يتعلق فقط بالأراضي التي احتلت عام 1967، بل أيضاً بكيفية نشوء الدولة على أرض فلسطين وما رافق ذلك من اقتلاع ونزوح وتغيير في البنية الجغرافية والديموغرافية.
وهنا يسقط الادعاء القائل إن القضية بدأت يوم الخامس من حزيران/يونيو 1967.
2. إذا لم تكن الأرض هي القضية، فلماذا الجولان؟
الأكثر دلالة أن نتنياهو نفسه، في الخطاب ذاته، لم يتعامل مع الجولان باعتباره مجرد ورقة حدودية قابلة للنقاش.
فحين خاطب الرئيس السوري أحمد الشرع، تحدث عن وجود اليهود في الجولان منذ أيام موسى، واستند إلى الرواية التاريخية والدينية في تثبيت العلاقة الإسرائيلية بالجولان.
وهنا تظهر مفارقة تستحق التوقف.
من جهة يقول:
الصراع ليس على الأراضي.
ومن جهة أخرى، حين يريد تثبيت حق إسرائيل في أرض معينة، يستدعي تاريخاً دينياً يمتد آلاف السنين ليؤسس به حجة سياسية معاصرة على الأرض.
قد لا تكون هذه مفارقة منطقية بالمعنى الضيق، لكنها تكشف شيئاً مهماً عن طبيعة الخطاب: فالأرض تصبح غير جوهرية عندما يُطلب من الفلسطيني أو العربي أن يقبل بحدود معينة، لكنها تصبح شديدة الأهمية عندما يتعلق الأمر بإثبات «الحق التاريخي» الإسرائيلي فيها.
وهنا لا ينبغي أن نتوقف عند الجولان وحده.
فالرجل نفسه وقف في مناسبات سابقة على منبر الأمم المتحدة، واستخدم الخرائط والمرجعيات التاريخية والجغرافية في عرض رؤيته لإسرائيل وموقعها ومصالحها. كما توجد في السجل الأممي إشارات موثقة إلى تصريحات سابقة لنتنياهو تحدث فيها عن قضايا الحدود والموارد، وذكر احتياجات مائية تمتد إلى مناطق بعيدة تصل إلى الفرات والنيل.
نحن لا نقول إن نتنياهو أعلن في خطابه الأخير خريطة جديدة للمنطقة، ولا ننسب إليه في هذه المناسبة عبارة لم يقلها فيها. نحن نفعل شيئاً أبسط: نضع خطاب الرجل نفسه بجوار خطابه السابق، ونقرأ الخيط الذي يصل بينهما.
فإذا كان التاريخ الديني يستطيع أن يصبح سنداً لحق سياسي معاصر في الجولان، وإذا كانت الخرائط والجغرافيا حاضرة في خطاب سابق لتحديد تصور إسرائيل لمجالها ومصالحها، يصبح السؤال مشروعاً:
أين تنتهي حدود هذا «الوطن التاريخي» في التصور الذي تستند إليه هذه اللغة؟
. إنه سؤال موجه إلى كل يخاطب العرب في أن يطمئنوا إلى مستقبل المنطقة بينما يظل خطاب قيادتها مفتوحاً على مرجعيات تاريخية ودينية وجغرافية تتجاوز مجرد خطوط الهدنة والتسويات الحديثة.
لقد تغيرت التكتيكات كثيراً.
لكن السؤال الحقيقي:
هل تغيرت معها كل التصورات التي قامت عليها الفكرة؟
3. «وأنتم أيضاً»: حين تصبح جرائم الاستعمار حجة للهروب من السؤال
في خطابه، لجأ نتنياهو إلى بريطانيا وفرنسا، مذكّراً بأنهما مارستا الاستعمار في أنحاء واسعة من العالم.
والتاريخ هنا لا يحتاج إلى دفاع: الاستعمار البريطاني والفرنسي حقيقة تاريخية موثقة.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه:
وماذا يثبت ذلك؟
أن استعماراً آخر ارتكب جرائم لا يعني أن المشروع الذي يناقش هو الآخر لا يستحق المساءلة.
هذه واحدة من أقدم المغالطات في السجال السياسي: بدلاً من الإجابة عن السؤال المطروح، يجري تحويل الأنظار إلى جرائم الآخرين.
نحن لا نحتاج إلى تبرئة بريطانيا أو فرنسا لكي نناقش طبيعة المشروع الصهيوني.
ولا نحتاج إلى القول إن طرفاً واحداً في التاريخ كان شريراً والطرف الآخر بريئاً.
المطلوب أبسط من ذلك:
هل كان قيام إسرائيل وتوسعها مرتبطين بالاستيلاء على الأرض وتهجير السكان وإنشاء واقع استيطاني جديد؟
هذا هو السؤال.
أما القول: «وأنتم فعلتم ذلك أيضاً»، فلا يقدم جواباً عليه.
4. لغة البقاء والإبادة: «بأي حدود» كتعريف للوجود
الأخطر في خطاب نتنياهو ليس فقط ما قاله عن الأرض، بل اللغة التي أحاط بها تعريفه للصراع.
إنها لغة بقاء وتهديد وجودي: الحديث عن إيران، والمنشآت النووية، والحرب، والموت، والضرورة، وعبارة «ليس لدينا خيار آخر».
هذه اللغة مفهومة بوصفها جزءاً من خطاب القيادة الإسرائيلية في ظل الحرب، لكنها تصبح ذات دلالة سياسية عندما تجتمع مع العبارة الأساسية:
وجود دولة يهودية بأي حدود.
فالمسألة هنا ليست فقط أين تمر الحدود، بل ما الذي يجعل وجود الدولة مقبولاً أو غير قابل للنقاش في التصور الإسرائيلي الرسمي.
وعندما يصبح وجود الدولة هو جوهر الصراع، تصبح كل تسوية حدودية معرضة لأن تتحول من حل للصراع إلى مجرد إدارة مؤقتة له.
وهذا بالضبط ما ينبغي أن ينتبه إليه العرب.
فقد أمكن، طوال عقود، بناء خطاب عربي واسع حول فكرة أن الحل يكمن في الانسحاب من الأراضي المحتلة وإقامة الدولة الفلسطينية والتوصل إلى تسوية نهائية.
لكن ماذا لو كان الطرف الآخر لا يرى أن القضية الأساسية هي الحدود أصلاً؟
ماذا لو كان يعتبر أن القضية هي ضمان وجود الدولة اليهودية، بصرف النظر عن الحدود؟
عندها لا تعود المشكلة في صعوبة التفاوض فقط.
بل في الفكرة التي يقوم عليها التفاوض نفسه.
5. ماذا يفعل المطبعون بهذه الحقيقة؟
في عام 2002، طرحت القمة العربية في بيروت مبادرة السلام العربية، التي قامت على صيغة سياسية شاملة تتضمن انسحاب إسرائيل من الأراضي العربية المحتلة عام 1967، وإقامة دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية، ومعالجة قضية اللاجئين وفق صيغة المبادرة، مقابل إقامة علاقات طبيعية وسلام شامل مع إسرائيل.
كانت تلك محاولة عربية لبناء معادلة سياسية واضحة: معالجة قضايا الاحتلال والحقوق الفلسطينية ضمن تسوية إقليمية أوسع.
لكن خطاب نتنياهو الأخير يضرب الفرضية التي قامت عليها التسوية الترابية من أساسها.
لا نتحدث هنا عن إسقاط حرف من نص المبادرة، ولا عن إلغاء وثيقة عمرها أكثر من عقدين بعبارة واحدة.
نتحدث عن شيء أعمق:
حين يقول رأس الحكومة الإسرائيلية إن الصراع ليس على الأراضي، بل على وجود الدولة اليهودية بأي حدود، فإنه ينسف من داخل خطابه الافتراض الذي يجعل معالجة الأرض والحدود مدخلاً كافياً لإنهاء الصراع.
وهنا يصبح السؤال موجهاً إلى كل من بنى استراتيجيته على الاعتقاد بأن إسرائيل ستصل، في النهاية، إلى تسوية إقليمية بمجرد توفير الضمانات والاعتراف والعلاقات الطبيعية:
ماذا بقي من هذه المعادلة إذا كان الطرف المقابل نفسه يعيد تعريف أصل الصراع؟
وهل تستطيع الاتفاقات العربية الجديدة أن تضمن نهاية الصراع، إذا لم يكن تعريف الطرف الإسرائيلي للصراع قائماً أساساً على مسألة يمكن للحدود أن تحسمها؟
إنها دعوة إلى أن يعرف العرب مع من يتفاوضون، وعلى ماذا يتفاوضون، وما الذي يعتبره الطرف الآخر نهاية للصراع.
فالسلام الذي لا يفهم تعريف الطرف الآخر للصراع قد يتحول إلى هدنة سياسية طويلة، لا إلى نهاية للصراع.
6. لا تقولوا إننا لم نسمع
لقد قالها نتنياهو بنفسه، أمام العالم.
قال إن الصراع ليس على الأراضي.
قال إن المسألة تتعلق بوجود دولة يهودية «بأي حدود».
ثم عاد إلى الجولان، واستدعى التاريخ الديني لإثبات الوجود والحق.
وقبل ذلك، استخدم الخرائط والمرجعيات الجغرافية والتاريخية في خطاباته أمام العالم.
فكيف يُطلب من العرب أن يتعاملوا مع كل ذلك باعتباره مجرد تفاصيل خطابية؟
نحن لا نطلب من العرب أن يصدقوا كل ما تقوله إسرائيل عن نفسها.
ولا نطلب منهم أن يعلنوا الحرب.
ولا نقول إن كل ما تريده إسرائيل معروف سلفاً.
نقول شيئاً واحداً:
اسمعوا ما يقوله الطرف الآخر عن نفسه، ثم ابنوا سياساتكم على ما يقول، لا على ما تتمنون أن يقوله.
لقد تغيرت المنطقة.
وتغيرت موازين القوى.
وتغيرت أدوات الحرب.
وتغيرت لغة السياسة.
لكن هذا كله لا يعني تلقائياً أن الأحلام القديمة ماتت.
قد تتغير الوسائل بينما تبقى الغاية.
وقد تتبدل الخرائط السياسية بينما تبقى الفكرة التي أنتجتها.
وقد يصبح التطبيع بديلاً عن التفاوض، والتفاوض بديلاً عن التسوية، والتسوية بديلاً عن الحل؛ بينما يبقى السؤال الأول بلا جواب:
ما هي الحدود التي تقبل بها إسرائيل فعلاً؟
الخاتمة: الضلال الحقيقي
المشكلة ليست أن العرب لم يسمعوا.
المشكلة أنهم سمعوا طويلاً، ثم أقنعوا أنفسهم بأن الكلام شيء والسياسة شيء آخر.
لكن السياسة، في النهاية، تكشف نفسها في الكلمات التي يختارها أصحاب القرار عندما يقفون أمام العالم.
وحين يقول رئيس الحكومة الإسرائيلية إن الصراع ليس على الأراضي، بل على وجود دولة يهودية بأي حدود، ثم يستخدم التاريخ الديني والجغرافي لتثبيت حقوق إسرائيل في أرض بعينها، فإن العرب أمام رسالة لا يجوز تجاهلها.
ليس المطلوب أن نقرأ النوايا في الغيب.
المطلوب أن نقرأ الخطاب.
وليس المطلوب أن نفترض أن كل إسرائيلي يحمل خريطة واحدة في رأسه.
المطلوب أن نقرأ الدولة عندما تتحدث بصوت قيادتها الرسمية.
هنا تحديداً يصبح السؤال أكبر من حدود 1967، وأكبر من مبادرة السلام، وأكبر من اتفاقية تطبيع أو أخرى:
هل تغيرت العقيدة التي ترى في فلسطين جزءاً من «وطن تاريخي» مفتوح على مرجعيات تتجاوز حدود التسويات العربية، أم تغيرت فقط طريقة الوصول إلى الهدف؟
هذا السؤال لا تجيب عنه بيانات التطبيع، ولا مؤتمرات السلام، ولا صور المصافحة.
تجيب عنه الخرائط، والخطابات، والسياسات، وما تقوله القيادة الإسرائيلية عن الأرض والوجود والحدود.
لقد قرأ نتنياهو السطور كاملة، وبصوت واضح، أمام العالم.
فهل سمع العرب؟
#خورشيد_الحسين (هاشتاغ)
Khorshied_Nahi_Alhussien#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟