أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد العاطي جميل - قراءة سياسية في شذرة شعرية














المزيد.....

قراءة سياسية في شذرة شعرية


عبد العاطي جميل

الحوار المتمدن-العدد: 8840 - 2026 / 9 / 26 - 01:27
المحور: الادب والفن
    


كتب الشاعر عبد العاطي جميل هذه الشذرة الشعرية:
وكأن مخيال المجاز
مزق سورة الأحزاب
قطع صورة انتخاب
رماها مكرها
في غياهب النسيان !!"
فكيف نقرأ هذا الذي كتبه شاعر المسودات؟
الواقغ أن هذه شذرة شعرية تحتمل قراءة سياسية قوامها تفكيك علاقة المجاز بين النص الديني والفعل الانتخابي، وآلية النسيان السياسي. ويمكن صياغة الخطوط العريضة لقراءة القول السياسي المضمر في القول الشعري، ضمن الملاحظات الآتية:
1. مخيال المجاز وتحول الشعر إلى فعل سياسي: مطلع الشذرة: "وكأن"، يضع القارئ منذ فاتحة القول في منطقة الاحتمال والتخييل، غير أن "مخيال المجاز"، لا يبدو أداة جمالية فحسب؛ بل قوة قادرة على التمزيق والتقطيع والرمي؛ فالمجاز ليس زخرفا لغويا أو توابل بلاغية، بل آلية لإعادة تركيب الواقع السياسي الراهن وتأويله. واللافت أن الأفعال اللاحقة عنيفة: مزّق، قطع، رماها. وهذا يمنح المجاز وظيفة تفكيكية: إذ يحمل الوضع الانتخابي الراهن من سياقاته الأصلية، ثم يرميه في فضاء النسيان.
2. سورة الأحزاب والتوتر بين الديني والسياسي: عبارة "سورة الأحزاب هي بالضرورة، أي بكفية طبيعية، إحالة صريحة على الخطاب القرآني، وبالتحديد على سورة تحمل الاسم نفسه. لكن القراءة السياسية لا يلائمها أن تساوي آلياً بين الأحزاب القرآنية والأحزاب السياسية السبعة والعشرون التي تظهر في صورة المشهد الانتخابي. والأكثر لفتا للانتباه أن الشاعر عبد العاطي جميل يجاور بين: سورة الأحزاب وهي نص ديني، وصورة انتخاب وهي تمثيل للممارسة السياسية. وفي هذا السياق، يتولد نمط من التجاور الدلالي بين "الأحزاب" و"الانتخاب"، يسمح بقراءة تتساءل عن كيفية استدعاء المقدس داخل الحقل الدنيوي - السياسي، وكيف يمكن للخطاب السياسي استثمار الرموز الدينية أو يعيد إنتاجها مجازياً؟
3. لا شك أن التوازي بين "مزّق" و"قطع"شديد الأهمية؛ فـالسورة تُـمزَّق، بينما "صورة الانتخاب" تُقطَّع. هكذا يتم استدراج القارئ للانتقال من النص إلى الصورة، ومن المقدس إلى الدنيوي - السياسي، ومن المرجع إلى تمثيله.
وقد تكون "صورة انتخاب" مقصودة على نحو أكثر تركيباً من مجرد "انتخاب"؛ فالشاعر لم يتحدث عن "الانتخاب"، بل عن صورته، أي أن ما يجري التعامل معه ليس عملية انتخابية في ذاتها، وإنما صورتها، أو تمثيلها، أو الواجهة الرمزية التي تُقدَّم بها. وهذا يطرح سؤالاً سياسياً حارقا: هل يتعلق الأمر بالممارسة الانتخابية، أم بالصورة التي يصنعها الخطاب السياسي والإعلامي عن هذه الممارسة؟
4. "رماها مكرهاً": من التفكيك إلى الإقصاء: الفعل "رماها" ينقل القارئ من التفكيك إلى الإبعاد. أما "مكرهاً" فتمنح الفعل بعداً إرادياً أو قسرياً بحسب موقعها النحوي والدلالي؛
فإذا فُهمت بمعنى "على كُرهٍ منه"، فالفاعل يرمي الصورة مرغماً أو كارهاً. أما إذا أُريد بها معنى قريب من المكر والخديعة، فإنها تضيف بعداً سياسياً آخر يتعلق بالمناورة والتلاعب. وهنا تظهر أهمية السياق الكامل للنص، لأن الكلمة يمكن أن تحمل ظلالاً دلالية متعددة.
5. "في غياهب النسيان"- السياسة ذاكرة: تبدو الخاتمة أكثر كثافة على المستوى السياسي: إذ لا تشير عبارة "غياهب النسيان" إلى مكان مجازي، وإنما يوائم اعتبارها استعارة لـلذاكرة السياسية حين تُمحى منها الوعود والصور والشعارات اللفظية والوقائع.
وبذلك تتحرك الشذرة في مسار واضح: من المجاز إلى التمزيق
إلى التقطيع فالرمي والنسيان.
ويمكن اعتبار هذا المسار صورة مكثفة لدورة سياسية: إنتاج صورة أو خطاب، ثم تفكيكه، ثم التخلص منه، والتطويح به في منطقة النسيان.
6. تعتقد هذه القراءة أن مربط الفرس في هذه الشذرة الرشيقة يكمن في المفارقة بين "الأحزاب"و"الانتخاب"من جهة، و"النسيان" من جهة أخرى؛ فالانتخابات يفترض أن تكون آلية للاختيار والمحاسبة واستحضار الذاكرة السياسية؛ لكن الصورة الشعرية تنتهي بها إلى "غياهب النسيان".
وعليه، يمكن أن تكون الشذرة، في قراءة سياسية ممكنة، مساءلةً لظاهرة تآكل الذاكرة الانتخابية: وعود تُقال، صور تُنتج، شعارات تُستهلك، ثم تُرمى في سلة النسيان بعد انتهاء اللحظة الموسمية السياسية.
لكن هذه تبقى قراءة تأويلية وليست حكماً قطعياً على مقاصد الشاعر؛ فالنص شديد التكثيف، وخصوصاً في شأن العلاقة التي يقيمها بين "سورة الأحزاب" و"صورة انتخاب".
وكي نطوي دفة الكلام، يمكن صياغة الأطروحة السياسية للشذرة على هذا النحو: إنها صورة شعرية عن تفكك الخطاب السياسي حين يتقاطع مع المقدس، وعن تحول الانتخاب من ممارسة يفترض أن تنتج ذاكرة ومساءلة إلى مجرد "صورة" قابلة للتمزيق والرمي والنسيان.
واللافت جمالياً أن الشاعر لا يقول إن السياسة نسيت، بل يجعل "مخيال المجاز" نفسه هو الذي يقوم بعملية التمزيق والقطع والرمي. وهذا يجعل النص لا يصف الواقع السياسي مباشرة، بل يمارس نقده من داخل اللغة ذاتها. وإجمالا، تقدم هذه الشذرة مثالا نموذجيا عن ضيق العبارة واتساع الرؤية والرؤيا. وهبين بالملموس ما يمكن للحذق الشعري ان يقوله في عبارة موجزة، تغنيك عن مئات المجلدات في تفكيك لعبة الانتخابات التي انتهى موسمها، دون ان تنتهي نتائجها ومضاعفاتها.

عبد الجليل الأزدي
باحث أكاديمي
مختبر تحليل الخطاب وأنساق المعارف.



#عبد_العاطي_جميل (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من قلاع غيب وغياب
- من غضبة الفتى ..
- من أشلاء وطن في المزاد
- من حلم عاشق ..
- من نبض الحرج ..
- من لحظة تكفي ...
- لوطن لا يعتبر
- بضمائر متفرقة ...
- من مسودات التعالي
- من تحية مجاز صباح
- على خد الرحيل
- في قربها وفي بعدها سرقتني
- بلغات صمت
- من شقق المذاق
- من ترانيم الوسطاء
- خطوة .. خطوة
- من فوضى المجاز !! ..
- كأنه شبه لي ...
- مسودات من مياه ماي
- مسودات من مجاز منزاح


المزيد.....




- 186 سلالة و852 شخصية.. أطلس رقمي يعيد رسم التاريخ الإسلامي
- -عذراء المحطة-.. رواية جزائرية بلغة سينمائية
- بوتين عن تصريحات وزير الدفاع الإستوني: السيرك رحل والمهرجون ...
- فرنسا.. الذكاء الاصطناعي يطيح برواية من جائزة أدبية مرموقة
- بسبب الذكاء الاصطناعي والسرقة الأدبية.. استبعاد رواية تيليسو ...
- سوريا ...حفل الأخرس في اللاذقية يثير جدلا بسبب التنظيم والحج ...
- -حفظت القرآن بروايتين وأنا مسيحي-.. رحلة أستاذ جامعي كفيف هز ...
- ياكوتسك.. مدينة بدأت بحصن على نهر لينا وانتقلت هربا من الفيض ...
- من الوحي إلى الشاشة.. رحلة القرآن الكريم في معرض تفاعلي ببطر ...
- الحرب والموسيقى والحُبّ: أسبوع الشرق الأوسط في الصحافة السوي ...


المزيد.....

- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد العاطي جميل - قراءة سياسية في شذرة شعرية