أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - قاسم علي خضر - حين تلتقي القصيدة بالريشة: العراق وفلسطين في مرآة الإبداع















المزيد.....

حين تلتقي القصيدة بالريشة: العراق وفلسطين في مرآة الإبداع


قاسم علي خضر
صحفي وكاتب

(Qassim Ali Khedher)


الحوار المتمدن-العدد: 8837 - 2026 / 9 / 23 - 20:14
المحور: الادب والفن
    


ليست كل لوحة تُقرأ بوصفها لوحة، فبعض اللوحات تتحول إلى نص بصري مفتوح تتداخل فيه الذاكرة بالتاريخ، والإنسان بالمكان، والكلمة باللون. ومن هذا المنظور يمكن قراءة العمل الذي يجمع الشاعر العراقي رياض شلال المحمدي والفنان الفلسطيني جمال بدوان بوصفه أكثر من لقاء عابر بين شخصيتين إبداعيتين؛ إنه لقاء بين تجربتين ثقافيتين، وبين وطنين عربيين، وبين أداتين قادرتين على حفظ الذاكرة وصياغة الوجدان: الشعر والفن التشكيلي.
فاللوحة لا تكتفي بتقديم الشاعر والفنان في فضاء واحد، وإنما تؤسس بينهما علاقة حوارية، تجعل من القدس مركزاً رمزياً، ومن الجسر علامة على التواصل، ومن الحمامة وغصن الزيتون أفقاً للسلام، فيما تأتي الورود وألوان الطبيعة لتمنح المشهد بعداً إنسانياً يتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة.
الشاعر والفنان: حوار بين الكلمة واللون
يقف رياض شلال المحمدي في أحد جانبي العمل حاملاً الكتاب، بينما يظهر جمال بدوان في الجانب الآخر مرتبطاً بأدوات الرسم. وهذا التقابل ليس اعتباطيًا؛ إنه يمثل ثنائية جمالية واضحة:
الشاعر يكتب بالكلمات، والفنان يكتب بالألوان.
فالكتاب في يد الشاعر يتحول إلى رمز للذاكرة والحكاية واللغة، بينما تتحول الريشة واللون في يد الفنان إلى وسيلة لاستعادة المكان وتثبيت الصورة في الوعي.
وهنا لا يبدو الشاعر والفنان متنافسين على مساحة التعبير، بل متكاملين؛ إذ إن ما تعجز الكلمة عن قوله قد يستكمله اللون، وما قد يتركه اللون مفتوحًا على التأويل تستطيع القصيدة أن تمنحه صوتاً وإيقاعاً ودلالة.
إنها علاقة تضافر بين خطابين إبداعيين، يلتقيان عند الإنسان وقضيته وذاكرته.

رياض شلال المحمدي: العراق حين ينظر إلى فلسطين بعين الشعر
يحمل حضور الشاعر العراقي في هذه الصورة دلالة تتجاوز شخصه بوصفه مبدعاً؛ فهو يمثل صوت العراق وهو يتجه وجدانيًا نحو فلسطين.
فالعراق، بما يحمله من إرث شعري وثقافي عريق، يجد في فلسطين موضوعاً يتجاوز حدود التضامن السياسي إلى فضاء الوجدان والذاكرة العربية. ومن هنا يصبح الشاعر حاملاً لذاكرة لا تخص مكانه وحده، وإنما تنفتح على فضاء عربي وإنساني أوسع.
والكتاب المفتوح بين يديه يمكن أن يُقرأ باعتباره كتاب الذاكرة؛ فالقصيدة لا تحفظ الكلمات فحسب، وإنما تحفظ الأمكنة والأسماء والحنين، وتمنح ما هو معرض للنسيان فرصة أخرى للبقاء.
ومن هذه الزاوية، فإن الشاعر لا يقف أمام فلسطين بوصفه مراقباً من بعيد، بل بوصفه شاعراً عربياً يرى في القدس والأقصى وفلسطين جزءاً من الذاكرة التي تستحق أن تُستعاد بالكلمة.
جمال بدوان: فلسطين حين تتحول الذاكرة إلى لوحة
في المقابل، يحضر جمال بدوان بوصفه الفنان الذي يجعل من الصورة وسيلة لحفظ المكان.
إن ارتباط الفنان الفلسطيني بفلسطين يمنح حضوره في العمل عمقاً خاصاً؛ فالفنان لا يرسم المكان من الخارج فقط، وإنما يستدعيه من داخل الذاكرة. واللون هنا لا يؤدي وظيفة جمالية محضة، بل يصبح لغة ثانية للحنين والانتماء.
فالقدس، وقبة الصخرة، والنخيل، والماء، والطيور، والورود، ليست مجرد عناصر زخرفية؛ إنها مفردات تشكل قاموسًا بصريًا لفلسطين كما تستقر في الوجدان.
وبذلك يصبح الفنان، في هذه القراءة، حارسًا للذاكرة البصرية، كما يصبح الشاعر حارسًا للذاكرة اللغوية.
القدس: المساحة الثالثة بين الشاعر والفنان
لعل أهم عنصر في البناء الدلالي للوحة هو وجود القدس في المنطقة الفاصلة بين الشخصيتين.
إنها ليست خلفية محايدة، بل مركز رمزي تتقاطع عنده التجربتان.
الشاعر العراقي يصل إلى القدس عبر اللغة والقصيدة، والفنان الفلسطيني يصل إليها عبر اللون والصورة. وبينهما تظهر المدينة وكأنها مساحة مشتركة للحلم والذاكرة.
وهنا تكتسب قبة الصخرة وظيفة تتجاوز حضورها المعماري؛ فهي تختصر مكاناً محمّلاً بالتاريخ والروح والحنين، وتمنح العمل مركزه الثقافي والوجداني.
ومن الناحية التكوينية، فإن وضعها بين الشاعر والفنان يجعلها أشبه بنقطة التقاء، وكأن اللوحة تقول إن ما يجمع المبدعين أكبر من اختلاف الجغرافيا.
الجسر: استعارة العلاقة
يكتسب الجسر الموجود في وسط المشهد أهمية خاصة في القراءة النقدية للعمل.
فالجسر، في لغة الرمز، هو فعل وصل بين ضفتين. وفي هذه الصورة يمكن أن يمثل:
جسراً بين العراق وفلسطين،
وجسراً بين الشعر والتشكيل،
وجسراً بين الذاكرة والحاضر،
وجسراً بين الإنسان وأخيه الإنسان.
وهكذا يتحول العنصر المعماري إلى استعارة للعلاقة نفسها بين رياض شلال المحمدي وجمال بدوان.
إنهما لا يقفان على ضفتين منفصلتين، وإنما يلتقيان فوق جسر الثقافة والإبداع.
الحمامة وغصن الزيتون: من الذاكرة إلى الأمل
تحلق الحمامة البيضاء في أعلى المشهد حاملة غصن الزيتون، لتمنح اللوحة طبقة دلالية جديدة.
بعد أن يستحضر العمل الذاكرة والمكان والقدس، يأتي رمز الحمامة ليقدم الأمل بوصفه خاتمة معنوية للوحة.
فالرسالة هنا لا تتوقف عند استعادة الألم أو تثبيت الذاكرة؛ وإنما تتطلع إلى السلام.
وهذا ما يجعل اللوحة إنسانية في جوهرها: فهي لا تستخدم الفن لتكريس الحزن، وإنما لتحويل الحزن إلى جمال، والذاكرة إلى إبداع، والألم إلى أمل.
الزهور وأدوات الفن: انتصار الجمال
تحتل الزهور مساحة واسعة من مقدمة اللوحة، بينما تظهر أدوات الرسم إلى جانب الفنان. وهذا الترتيب يمنح العمل طاقة بصرية متفائلة.
فالزهور يمكن أن تُقرأ بوصفها استعارة للحياة والتجدد، في حين تشير أدوات الرسم إلى فعل الإبداع ذاته.
ومن هنا تتكامل الدلالة:
الكتاب يحفظ الذاكرة،
والريشة تصوغها،
والقدس تمنحها المكان،
والحمامة تمنحها الأمل،
والزهور تمنحها الحياة.
إنها بنية رمزية متماسكة تجعل اللوحة أقرب إلى قصيدة بصرية منها إلى بورتريه تقليدي.
العراق وفلسطين: وحدة الوجدان قبل وحدة المكان
تكمن القيمة الأعمق للعمل في أنه لا يقدم العراق وفلسطين بوصفهما جغرافيتين منفصلتين، وإنما بوصفهما جزءاً من وجدان ثقافي عربي واحد.
فالشاعر العراقي والفنان الفلسطيني لا يجتمعان هنا لمجرد التوثيق، بل لأن الفن قادر على اختراق الحدود التي ترسمها الجغرافيا.
العراقي يحمل فلسطين في قصيدته، والفلسطيني يحمل فلسطين في لوحته، وبين القصيدة واللوحة تتشكل مساحة ثالثة هي مساحة الثقافة العربية المشتركة.
وهذا تحديداً ما يجعل العلاقة بين الرجلين ذات قيمة رمزية؛ فهي علاقة لا تقوم على التشابه في الأدوات، بل على الاختلاف المتكامل.
فلو أن الشاعر أصبح فنانًا، أو الفنان أصبح شاعراً، لفقد الحوار جزءاً من جماله. جمال اللقاء يكمن في أن لكل منهما لغته الخاصة، ومع ذلك يستطيعان الوصول إلى المعنى نفسه.
إن لوحة الشاعر العراقي رياض شلال المحمدي والفنان الفلسطيني جمال بدوان يمكن أن تُقرأ بوصفها عملًا يحتفي بالصداقة الإبداعية، ويؤسس لحوار ثقافي بين العراق وفلسطين، ويؤكد أن الأدب والفن ليسا مجرد مجالين للجمال، بل وسيلتان لحفظ الذاكرة وبناء الجسور.
إنها لوحة تقول، بطريقة بصرية شاعرية، إن العراق يستطيع أن يصل إلى فلسطين بالكلمة، وفلسطين تستطيع أن تصل إلى العراق باللون؛ وأن القدس يمكن أن تكون نقطة التقاء لا نقطة افتراق، وأن الفن حين يتحرر من حدود الجغرافيا يصبح لغة إنسانية قادرة على جمع القلوب.
وفي النهاية، تبدو العلاقة بين الشاعر والفنان وكأنها معادلة جمالية بسيطة وعميقة:
رياض شلال المحمدي يمنح اللوحة صوتها،
وجمال بدوان يمنح الصوت صورته،
وبينهما تقف القدس شاهدةً على أن القصيدة واللوحة تستطيعان أن تلتقيا حيث تلتقي الذاكرة بالجمال.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العاصمة الأوكرانية تحتضن احتفالاً بعيد -نوروز-
- أوجاع -المتألمُ المتأمل-
- منى سعيد.. الحنين الى ايام الفرح !
- في الذكرى العاشرة لرحيل وليد جمعة .. الفتى المتمرد والعبثي ا ...
- وقفة سريعة مع اعلام الحزب الشيوعي العراقي في حركة الانصار (1 ...
- في رحاب المخرجة السينمائية العراقية ايمان خضير!
- الفنانة سمر بدن.. العودة الى احلام الطفولة !
- حسان عاكف حمودي.. طبيب من طراز خاص !
- الرحيل نحو المنفى !
- القارئ الموسوعي في شارع المتنبي
- جائزتان لفيلم عراقي في مهرجان كان السينمائي الدولي
- بريد الغربة في -بيت الجواهري-
- بطاقة بريدية من صديقتي -بان-
- حركة انصار الحزب الشيوعي العراقي تدعم عودة صحافة المنظمات ال ...
- قصائد بصوت الشاعر العراقي الكبير رشدي العامل


المزيد.....




- حين يصبح الحكواتي هو القصة.. الفنان أبو عيشة جار للأقصى ويُم ...
- جسدها تحوّل إلى -أرجواني داكن- وخليط قاتل من 5 مواد: تفاصيل ...
- الأهوار العراقية على شاشة -تورنتو- بثلاثة أفلام وثائقية
- كيف يمكن إيصال القصص والموسيقى العربية إلى الجمهور العالمي؟ ...
- ممثل فرنسي ينهي حياته بـ-القتل الرحيم-
- ممثل أمريكي ينجو بأعجوبة من حادث سير مروع ويصارع للعودة إلى ...
- لماذا يعود جمهور الألفية إلى -توايلايت- بعد 18 عاما من عرضه ...
- الثقافة في عصر التكنولوجيا..كيف نحافظ على العمق والهوية؟
- بين الأزمات والحروب.. كيف تحافظ المهرجانات الموسيقية على حضو ...
- تولا تحيي ذكرى معركة كوليكوفو ببرنامج تاريخي واسع


المزيد.....

- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - قاسم علي خضر - حين تلتقي القصيدة بالريشة: العراق وفلسطين في مرآة الإبداع