|
|
تغيير الخرائط لا يصنع الدول: سوريا والكورد بين حق تقرير المصير وميزان القوى
مروان فلو
الحوار المتمدن-العدد: 8837 - 2026 / 9 / 23 - 08:13
المحور:
القضية الكردية
تتجدد بين حين وآخر، في أدبيات التحليل الاستراتيجي الخاصة بالشرق الأوسط، دعوات إلى إعادة رسم خرائط المنطقة على أسس قومية أو طائفية أو جغرافية، وكأنّ إشكاليات الدولة الحديثة فيها يمكن حلّها بمجرد تفكيك الكيانات القائمة إلى وحدات سياسية جديدة. وهذا التصور، على جاذبيته الظاهرية، يختزل مسألة بالغة التعقيد في فعل هندسي بسيط: رسم خط على خريطة.
في هذا السياق، برز مؤخراً مقترح مَنسوب إلى الباحث الألماني غونتر فيهلينغر (Günter Fehlinger) يدعو إلى إعادة تنظيم سوريا ضمن خمس جمهوريات منفصلة: اللاذقية، وحلب، ودمشق، وجنوب سوريا، وروج آفا، على أن تقوم هذه الكيانات على أسس ديمقراطية، وتساوٍ في المواطنة، وحماية للأقليات، ورفض قاطع للتطهير العرقي والتهجير القسري.
غير أن قيمة هذا الطرح التحليلية لا تكمن في احتمالات تطبيقه الفعلي، بل في السؤال الأعمق الذي يفرضه على أي باحث جادّ: هل تتحول الخريطة المقترحة، بحكم اقتراحها فحسب، إلى دول قابلة للحياة؟ هذا هو محور الإشكالية الحقيقية.
أولاً: الخريطة ليست الدولة رسم حدود جديدة هو، من الناحية الفنية، أيسر مراحل أي مشروع لإنشاء الدولة. أما تحويل هذه الحدود إلى كيان سياسي مستقر ومعترف به، فمسألة تنتمي إلى منطق مختلف تماماً. فالدولة، بالمعنى الذي استقر عليه فقه العلاقات الدولية منذ اتفاقية مونتيفيديو لعام 1933، تحتاج إلى إقليم محدد، وسكان دائمين، وحكومة فعالة، وقدرة على الدخول في علاقات مع الدول الأخرى. وهذا يعني، عملياً، مؤسسات قادرة على العمل، وقوة أمنية وعسكرية رادعة، وموارد اقتصادية ونظاماً مالياً قائماً بذاته، وإدارة فعلية للحدود والسكان، فضلاً عن القدرة على صون سيادتها في وجه أي تدخل خارجي.
من هنا، فإن السؤال الصحيح ليس: هل يمكن رسم خمس جمهوريات على خريطة سوريا؟ بل: هل تملك هذه الجمهوريات المفترَضة مقومات البقاء كدول؟
وهذا يستدعي التمييز الدقيق بين الإمكان الجغرافي والإمكان السياسي. فقد يكون تحديد منطقة ذات غالبية سكانية معينة، أو تتمتع بخصوصية تاريخية أو ثقافية، أمراً يسيراً نسبياً؛ لكن هذا لا يعني بالضرورة أنها قادرة على التحول التلقائي إلى دولة مستقلة قابلة للاستمرار. فالدولة ليست مساحة جغرافية محضة، بل منظومة متكاملة من المؤسسات والموارد والأمن والشرعية الداخلية والاعتراف الخارجي.
ولذلك، فإن أي مشروع جادّ لإعادة رسم الحدود لا يبدأ من الخريطة، بل يبدأ من السؤال عما إذا كانت الظروف السياسية والاقتصادية والأمنية القائمة تسمح أصلاً بقيام الكيان الجديد، ثم باستمراره لاحقاً.
ثانياً: مبدأ "آخر الدواء الكيّ" في الطب التقليدي، لا يُلجأ إلى الكيّ بوصفه العلاج الأول، وإنما حين تفشل سائر وسائل العلاج أو تصبح غير كافية. وهذه الاستعارة، على بساطتها، تصلح مدخلاً دقيقاً لفهم منطق تغيير حدود الدول.
فالتقسيم ليس، من الناحية النظرية أو التطبيقية، حلاً أولياً لمشكلة الدولة متعددة القوميات أو الطوائف. ثمة سلسلة من البدائل السياسية تسبقه منطقياً: المواطنة المتساوية، واللامركزية الإدارية، والحكم المحلي، وتقاسم السلطة (power-sharing)، وضمان الحقوق الثقافية واللغوية دستورياً، والفدرالية، وغير ذلك من الصيغ التي أثبتت التجربة المقارنة قدرتها، في سياقات معينة، على استيعاب التعدد داخل الدولة الواحدة.
فإذا نجحت إحدى هذه الصيغ في إنتاج دولة مستقرة وعادلة وقابلة للحياة، يصبح تغيير الحدود خياراً أقل إلحاحاً، بل ربما غير ذي موضوع. أما إذا استمرت الدولة في الفشل عن استيعاب مكوناتها، وتحوّلت الخلافات إلى صراع وجودي، وأخفقت جميع ترتيبات تقاسم السلطة المتاحة، فقد يفرض سؤال شكل الدولة وحدودها نفسه بإلحاح متصاعد.
بعبارة أدق: ينبغي أن يكون تغيير الحدود نتيجة لفشل متكرر ومثبت للبدائل السياسية، لا بديلاً مبكراً عن البحث الجادّ عنها.
ثالثاً: سوريا 2026 - تقسيم أم إعادة بناء للدولة؟ تتسم الحالة السورية الراهنة بتعقيد يتجاوز الحديث المبسّط عن "تقسيم البلاد". فبعد سنوات من الحرب والتشظي والسيطرة المتعددة على الأراضي، شهد عام 2026 مساراً معاكساً في بعض المناطق، تمثّل في إعادة دمج قوى ومناطق كانت تتمتع بدرجات متفاوتة من الحكم الذاتي ضمن مؤسسات الدولة السورية المركزية.
ففي 25 أغسطس/آب 2026، أعلنت قوات سوريا الديمقراطية إنهاء مهمتها العسكرية المستقلة، في إطار اتفاق للاندماج ضمن مؤسسات الدولة، مع تولّي شخصيات كانت مرتبطة بها مواقع داخل هياكل الدولة الجديدة.
غير أنه من الخطأ المنهجي والسياسي على حدٍّ سواء أن يُختزل هذا التطور في مقولة إن "الكورد اختاروا الاندماج"، أو أن القضية الكوردية قد بلغت خاتمتها. فقوات سوريا الديمقراطية تمثّل قوة عسكرية وسياسية رئيسية في شمال شرقي سوريا، لكنها لا تختزل المجتمع الكوردي في سوريا بأكمله، الذي هو، بدوره، ليس كتلة سياسية متجانسة.
وهذا التمييز جوهري: في الكورد في سوريا يضمّون تيارات سياسية واجتماعية متعددة، لا تتفق بالضرورة حول شكل الدولة، أو طبيعة العلاقة مع دمشق، أو حدود الإدارة المحلية، أو مستقبل الحقوق القومية والثقافية.
والأهم من ذلك أن المطالب الكوردية السورية، في معظم صيغها السياسية التاريخية، لم تكن تعني بالضرورة السعي إلى دولة كوردية مستقلة، بل تمحورت غالباً حول الاعتراف بالهوية واللغة، والمواطنة المتساوية، والحقوق الثقافية والسياسية، والحكم المحلي واللامركزية، فيما مثّلت الفدرالية سقفاً سياسياً أقصى لدى بعض التيارات دون سواها.
رابعاً: تقرير المصير لا يعني بالضرورة الاستقلال كثيراً ما يُختزل مفهوم تقرير المصير في معادلة ثنائية فجّة: "إما الاستقلال، وإما لا وجود لتقرير مصير". وهذا اختزال يجانب الدقة القانونية والسياسية.
فتقرير المصير، وفق ما استقر عليه القانون الدولي، يتعلق أساساً بحرية الشعب في اختيار وضعه السياسي ومتابعة نموه الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، وليس بالضرورة بإقامة دولة مستقلة. وتنصّ المادة الأولى من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (1966) على حق الشعوب في تقرير مصيرها وتحديد وضعها السياسي بحرية، ومتابعة نموها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي. كما أن إعلان الأمم المتحدة رقم 2625 لعام 1970 بشأن مبادئ القانون الدولي يُدرج، ضمن صور ممارسة تقرير المصير، إنشاء دولة مستقلة، أو الارتباط الحر، أو الاندماج، أو الوصول إلى أي وضع سياسي آخر يختاره الشعب بحرية.
وهذا يعني أن المسألة ليست ثنائية بين "الاندماج" و"الاستقلال"، بل تمتد بينهما مساحة سياسية واسعة: المواطنة المتساوية، والحكم المحلي، واللامركزية، والفدرالية، والحكم الذاتي، وصيغ أخرى متعددة. أما الاستقلال فهو إحدى صور تقرير المصير، لا تعريفه الحصري أو الوحيد.
ومن هنا، فإن الدفاع عن حق الكورد في تقرير مصيرهم لا يستلزم منطقياً الدعوة إلى دولة كوردية مستقلة، كما أن القبول بصيغة الدولة الموحدة لا يعني بالضرورة التنازل عن الحقوق الكوردية. والمعيار الحقيقي الذي ينبغي أن يُقاس عليه هو: هل تملك الجماعة قدرة فعلية على المشاركة في تحديد وضعها السياسي والثقافي والاقتصادي؟ وهل تُحترم إرادتها وحقوقها ضمن الترتيب السياسي القائم؟
خامساً: من يمثّل الكورد؟ هذه المسألة تستحق وقفة مستقلة، إذ إن الخلط بين المجتمع والقوة السياسية الممثِّلة له يؤدي غالباً إلى استنتاجات مضلِّلة.
فـ"قسد" ليست كل الكورد. والإدارة الذاتية ليست كل الكورد. والأحزاب الكوردية المتعددة ليست متفقة فيما بينها. وموقف شخصية أو حزب أو قوة عسكرية بعينها لا يمكن تعميمه تلقائياً باعتباره "الموقف الكوردي" الجامع.
لذلك ينبغي التعامل مع القضية الكوردية بوصفها قضية مجتمع متعدد الاتجاهات، لا مشروعاً سياسياً واحداً ذا قيادة موحدة وموقف واحد. وهذا التمييز مهم أيضاً في قراءة التطورات الراهنة؛ فاندماج قوة عسكرية بعينها في مؤسسات الدولة قد يمثّل اتفاقاً سياسياً وأمنياً بين أطراف محددة، لكنه لا يجيب وحده عن كامل الأسئلة المتعلقة بالحقوق الثقافية والدستورية والسياسية للمجتمع الكوردي عموماً. والدليل على ذلك أن ملفات التعليم باللغة الكوردية، والضمانات الدستورية، والتمثيل السياسي، ما زالت مطروحة للنقاش حتى بعد إتمام مسار الاندماج العسكري.
سادساً: هل تستطيع سوريا أن تصبح خمس دول؟ من الناحية النظرية المجرّدة، لا يوجد ما يمنع تصوّر خريطة سورية جديدة. لكن الانتقال من التصور الذهني إلى الدولة الفعلية يستوجب الإجابة عن أسئلة أكثر تعقيداً بكثير من رسم الحدود:
من يملك الموارد النفطية، وكيف تُوزَّع عوائدها؟ كيف تُدار الموارد المائية المشتركة، خاصة في ظل التوتر القائم أصلاً حول حصص الفرات؟ من يسيطر على المعابر الحدودية، وبأي شرعية؟ ما مصير الجيش السوري الموحّد وعقيدته العسكرية؟ كيف تُوزَّع الأصول والديون السيادية بين الكيانات الجديدة؟ ماذا يكون مصير السكان المقيمين خارج مناطق غالبيتهم القومية أو الطائفية؟ كيف ستُدار علاقات هذه الكيانات مع تركيا والعراق ولبنان والأردن وإسرائيل؟ هل تقبل القوى الإقليمية أصلاً بالحدود الجديدة؟ ومن سيعترف بها، ويموّل بناء مؤسساتها، ويضمن أمنها؟ هذه الأسئلة ليست تفاصيل تقنية لاحقة، بل هي جوهر عملية بناء الدولة ذاتها. ومن ثمّ، فإن أي مقترح يكتفي بتحديد أسماء الجمهوريات وعواصمها وحدودها، دون الإجابة عن هذه الأسئلة البنيوية، يبقى في نهاية المطاف تصوراً جغرافياً وسياسياً أولياً، لا مشروعاً متكاملاً لبناء دول.
سابعاً: من يملك القدرة الفعلية على تغيير الحدود؟ هنا تدخل معادلة القوة الإقليمية والدولية بوصفها العامل الحاسم. فقيام دولة جديدة لا يتوقف فقط على إرادة سكانها الداخلية، بل يحتاج عادة إلى تقاطع ثلاثة عناصر: الإرادة السياسية الداخلية، والقدرة الفعلية على إدارة الأرض والمؤسسات، ودرجة كافية من القبول أو التفاهم الإقليمي والدولي - أو، في أضعف الأحوال، غياب قدرة كافية لدى القوى الرافضة على منع قيام الكيان الجديد.
وهذا أدقّ من القول المبسّط إن قيام أي دولة يستلزم "إجماعاً دولياً". فالتاريخ يُظهر أن بعض الدول الجديدة نشأت في ظل غياب إجماع دولي كامل، لكن قيامها ارتبط دائماً بتحولات استثنائية: انهيار دولة سابقة، أو حرب، أو تدخل خارجي، أو ترتيبات دولية معقدة، أو سيطرة فعلية طويلة الأمد على الأرض، أو اعتراف عدد كافٍ من القوى المؤثرة.
فلا توجد إذن وصفة واحدة لنشوء الدول، لكن توجد قاعدة استراتيجية عامة يمكن تعميمها: كلما ازداد اصطدام المشروع بمصالح القوى الإقليمية والدولية، ازدادت حاجته إلى قوة داخلية استثنائية وترتيبات خارجية أكثر تعقيداً. وهذه بالتحديد هي النقطة التي تجعل إعادة رسم خريطة سوريا فعلياً مسألة مختلفة جذرياً عن رسمها على الورق.
ثامناً: العامل الأمريكي - شراكة أم ضمانة دائمة؟ من الأخطاء التحليلية الشائعة أيضاً النظر إلى العلاقة الأمريكية بالكورد باعتبارها ضمانة تلقائية لبقاء أي كيان كوردي مستقبلي. فالولايات المتحدة أقامت بالفعل شراكات عسكرية وأمنية مهمة مع قوى كوردية في العراق وسوريا، وكانت شراكتها مع قوات سوريا الديمقراطية عنصراً محورياً في الحرب ضد تنظيم "الدولة الإسلامية".
لكن الشراكات الاستراتيجية، مهما بلغت أهميتها الآنية، لا تعني التزاماً أمريكياً دائماً بإنشاء دولة كوردية مستقلة، أو بالدفاع عن كل ترتيب سياسي كوردي قائم إلى ما لا نهاية. فالسياسة الأمريكية تتغير تبعاً لعدة متغيرات متشابكة: الأولويات الأمنية المتحولة، والعلاقة مع بغداد ودمشق وأنقرة وطهران، ومسار الحرب على الإرهاب، وحسابات أمن إسرائيل، والتنافس الدولي مع قوى كبرى منافسة، وكلفة الانتشار العسكري الخارجي على المدى الطويل.
ولذلك، فإن وصف الولايات المتحدة بأنها "حارسة دائمة لبقاء الكورد" يحتاج إلى قدر كبير من التحفظ المنهجي. والأدق هو القول إن واشنطن كانت، ولا تزال في مراحل مختلفة، شريكاً أمنياً مهماً لقوى كوردية بعينها، دون أن تساوي هذه الشراكة بالضرورة ضماناً سياسياً دائماً لمشروع دولة.
تاسعاً: إقليم كردستان العراق - حالة مختلفة جوهرياً يختلف وضع إقليم كوردستان باشور(العراق) اختلافاً بنيوياً عن الحالة السورية. فالإقليم ليس مشروعاً مستقبلياً مرسوماً على خريطة افتراضية، بل كيان دستوري قائم فعلياً داخل الدولة العراقية، له مؤسساته وحكومته وبرلمانه وقواته الأمنية واقتصاده وعلاقاته الخارجية القائمة والمعترف بها.
ولذلك فإن النقاش حول مستقبل العلاقة بين أربيل وبغداد مسألة مختلفة جذرياً عن سؤال إنشاء دولة جديدة من الصفر. أما الوجود الأمريكي في هذا السياق، فلا ينبغي اختزاله بدوره في ثنائية "انسحاب أو حماية". فحتى مع خطط إنهاء المهمة العسكرية الأمريكية المباشرة في العراق، يمكن أن تستمر أشكال متعددة من التعاون الأمني والتدريب وتبادل المعلومات الاستخباراتية والدعم السياسي، بينما يظل مستوى الوجود العسكري المباشر مسألة قابلة للتحول تبعاً للظروف الإقليمية المتغيرة.
وقد أعاد النقاش الأمريكي الأخير حول مستقبل الدعم الأمني لإقليم كوردستان إبراز هذه الإشكالية بوضوح، خصوصاً في ظل الحديث المتصاعد عن مخاطر الصواريخ والطائرات المسيّرة، والحاجة الملحّة إلى قدرات دفاع جوي متطورة. لكن ذلك لا يعني تلقائياً عودة الولايات المتحدة إلى انتشار عسكري واسع في الإقليم، كما لا يعني أن أي انسحاب عسكري جزئي سينهي العلاقة الاستراتيجية القائمة. والأصوب فهم هذه العلاقة باعتبارها طيفاً من الشراكة، يتراوح بين الدعم السياسي والتدريب والاستخبارات والتسليح، وصولاً إلى وجود عسكري مباشر إذا ما تغيرت الظروف الإقليمية جذرياً.
عاشراً: الاختبار الحقيقي ليس التقسيم، بل ما يأتي بعده ربما يكون هذا هو السؤال الأكثر أهمية في النقاش برمّته. فإذا افترضنا جدلاً قيام خمس دول سورية، فإن نجاح هذا المشروع لن يُقاس لحظة إعلانه، بل في السنوات اللاحقة التي تختبر قدرته الفعلية على الاستمرار: هل تستطيع كل دولة تأمين حدودها؟ هل تمتلك موارد اقتصادية كافية؟ هل تستطيع حماية أقلياتها الداخلية؟ هل يمكنها إدارة مناطقها المختلطة سكانياً دون احتقان؟ هل تستطيع إقامة علاقات مستقرة مع جيرانها الإقليميين؟ وهل تستطيع منع تحوّل حدودها الجديدة إلى خطوط صراع مستمرة؟
فإذا ظلت الإجابة عن هذه الأسئلة غامضة أو غائبة، فإن التقسيم قد لا يكون حلاً لمشكلة الدولة، بل انتقالاً من مشكلة واحدة إلى مجموعة أوسع من المشكلات الجديدة والمتراكبة. ولذلك فإن السؤال الاستراتيجي الحقيقي ليس فقط: هل يمكن تقسيم سوريا؟ بل: هل ستكون الدول الناتجة عن هذا التقسيم أكثر قابلية للحياة من الدولة التي سبقتها؟ وهنا بالتحديد تتجاوز المسألة حدود السياسة والشعارات، لتغدو مسألة بناء مؤسسات واستقرار إقليمي بمعناه العميق.
حادي عشر: ماذا تقول التجارب التاريخية المقارنة؟ يقدّم التاريخ الحديث أمثلة متعددة على نشوء دول جديدة، لكن الظروف التي أفضت إليها لم تكن متطابقة في أي حالة من الحالات. فنشوء جنوب السودان ارتبط بحرب أهلية طويلة، واتفاق سياسي شامل، واستفتاء شعبي، وترتيبات إقليمية ودولية معقدة. ونشوء إريتريا ارتبط بحرب استقلال طويلة، وانهيار ترتيب سياسي سابق، ثم استفتاء لاحق. أما كوسوفو، فارتبط مسارها بحرب، وتدخل دولي مباشر، وإدارة دولية انتقالية، ثم مسار إعلان استقلال تلاه اعتراف دولي متفاوت، مع بقاء الخلاف حول وضعها القانوني قائماً لدى عدد من الدول حتى اليوم.
والمغزى المستخلص من هذه الحالات ليس أنها تقدّم نموذجاً واحداً قابلاً للنسخ الحرفي في الحالة السورية، بل العكس تماماً: إنها تُظهر أن قيام الدول الجديدة يحدث عادة عند تقاطع عوامل استثنائية داخلية وإقليمية ودولية في آنٍ واحد. ولذلك فإن نقل نموذج من سياق إلى آخر دون نقل الظروف البنيوية التي أنتجته، يؤدي غالباً إلى قراءة سطحية ومضلِّلة لواقع مختلف جوهرياً.
ثاني عشر: سوريا أمام خيارات أوسع من ثنائية التقسيم في نهاية المطاف، لا تنحصر الخيارات السورية بين الوحدة المركزية الصارمة من جهة، والتقسيم إلى دول مستقلة من جهة أخرى، بل تمتد بينهما مساحة سياسية واسعة وغنية بالإمكانات: فيمكن أن تكون الدولة موحدة لكنها لا مركزية إدارياً؛ ويمكن أن تكون موحدة لكنها فدرالية دستورياً؛ ويمكن أن تُمنح مناطق بعينها صلاحيات واسعة في الإدارة والتعليم والثقافة والاقتصاد المحلي؛ ويمكن أن تتضمن الدولة دستورياً ضمانات خاصة لبعض مكوناتها دون تحويلها إلى كيانات مستقلة.
وفي المقابل، إذا فشلت جميع هذه الصيغ، واستمرت الصراعات الوجودية دون حلّ، وأصبحت الدولة عاجزة بنيوياً عن إنتاج عقد سياسي مقبول لكل مكوناتها، فقد يعود سؤال التقسيم إلى الواجهة بصورة أكثر جدية وإلحاحاً. لكن حتى عندئذ، لن يكون التقسيم مجرد قرار يرسمه سياسي أو باحث على الخريطة، بل سيكون نتيجة حتمية لتوازنات قوى جديدة تفرض نفسها على الداخل السوري، وعلى المنطقة، وعلى القوى الدولية الفاعلة فيها.
خاتمة الدول لا تُولد لأن أحداً اقترحها، ولا تختفي لأن أحداً رسم لها حدوداً جديدة. الخريطة يمكن أن تكون بداية النقاش، لكنها ليست الدولة. والدولة، بمعناها الكامل، تحتاج إلى شعب، وأرض، ومؤسسات فاعلة، وموارد، وأمن، وقدرة على إدارة الحدود، وعلاقات خارجية مستقرة، وترتيبات شرعية وسياسية تسمح لها بالبقاء والاستمرار.
أما حق تقرير المصير، فلا ينبغي اختزاله في الاستقلال وحده، إذ قد يتخذ صورة المواطنة المتساوية، أو الحكم المحلي، أو اللامركزية، أو الفدرالية، أو الحكم الذاتي، وقد يصل في ظروف استثنائية معينة إلى الاستقلال الكامل. وهذه النقطة بالغة الأهمية في الحالة الكوردية تحديداً، إذ إن المطالبة بالحقوق الكوردية لا تعني بالضرورة وجود إجماع كوردي داخلي على مشروع دولة مستقلة، كما أن الاندماج السياسي أو العسكري في دولة قائمة لا يعني تلقائياً انتهاء المطالب المتعلقة بالهوية واللغة والحقوق الدستورية.
وفي الحالة السورية، فإن الحديث عن خمس دول قد يكون مفيداً بوصفه تمريناً فكرياً جاداً على سؤال مستقبل الدولة، لكنه لا يتحول إلى مشروع سياسي قابل للحياة بمجرد رسم حدوده على الورق. فالسؤال الحقيقي ليس: من يستطيع أن يرسم الخريطة؟ بل: من يستطيع أن يجعلها قابلة للحياة؟
ومن هنا، ربما يكون مبدأ "آخر الدواء الكيّ" أكثر من مجرد استعارة بلاغية؛ فتغيير الحدود ينبغي ألا يكون الوصفة الأولى لعلاج فشل الدولة، بل احتمالاً أخيراً لا يُلجأ إليه إلا حين تفشل الدولة في إنتاج صيغة قابلة للحياة، وتفشل معها بدائل المواطنة واللامركزية وتقاسم السلطة والفدرالية وسائر ترتيبات التعايش الممكنة. وعندئذٍ فقط يصبح من المشروع طرح السؤال الأصعب: هل يؤدي تغيير الخريطة إلى حلّ الأزمة فعلاً، أم أنه ينقل الأزمة ذاتها إلى خرائط جديدة؟
#مروان_فلو (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
من حراسة الحدود إلى صناعة الأمن الإقليمي كوردستان بين حماية
...
-
الطاقة الكوردية: الموارد وشبكات النقل - أين تكمن القيمة الحق
...
-
موسى عنتر... حين حاول الرصاص إسكات القلم
-
الجغرافيا الكوردية: من الموقع الجغرافي إلى الأصل الاستراتيجي
...
-
ماذا يملك الكورد؟ ولماذا لا يتحول ما يملكونه إلى قوة؟ في فجو
...
-
بين قنديل ودمشق الدلالات الاستراتيجية لتصريح جميل بايق بشأن
...
-
الكورد والقوة التي لا تُرى من -الحاجة إليهم- إلى -الحاجة إلى
...
-
القضية الكوردية: من حق تقرير المصير إلى صناعة القدرة على تقر
...
-
من تفكيك القوة إلى تفكيك الموقف قراءة استراتيجية في مسار ما
...
-
من التهجير إلى تثبيت الواقع هل توقّف التغيير الديموغرافي في
...
-
نحن لا نخاف من الحرب؛ نحن نعرف ثمنها
-
من اغتيال سيپان إلى استهداف الاستقرار: مقاربة تحليلية لفرضية
...
-
من توحيد البيشمركة إلى بناء منظومة الأمن القومي الكوردي توحي
...
-
اغتيال سيپان شيخموس كورمي: هل تستهدف الجريمة شخصاً أم مشروعا
...
-
بين الاستقلال وإعادة تعريف العلاقة مع المركز ماذا تقول التجا
...
-
من يمثل الكورد؟ ومن يملك حق صياغة سوريا الجديدة؟ اتفاقات الق
...
-
الكورد السوريون في زمن الصراع التركي-الإسرائيلي من قضية قابل
...
-
بناء التوافق الكوردي: من تعدد المشاريع إلى استراتيجية المصال
...
-
الكورد في مفترق القرن: من ثورة السلاح إلى ثورة السياسة
-
من الربيع الإيراني إلى الربيع التركي: هل يُعاد تشكيل الشرق ا
...
المزيد.....
-
الخارجية الروسية: لا يوجد مرشح مفضل لمنصب الأمين العام الجدي
...
-
الأربعاء.. ماذا ينتظرك في الأمم المتحدة ؟ سوريا وإيران وغزة
...
-
في خطابه الوداعي بالأمم المتحدة.. غوتيريش يطالب بإنهاء الحرو
...
-
من وراء المسيرة الخضراء/الجزء 16
-
ماذا قال ترامب لقادة الخليج عن إيران خلال لقاء على هامش اجتم
...
-
خطاب ترمب في الأمم المتحدة: تهديدات متجددة لطهران ورسائل انت
...
-
الناطق الرسمي للقوات المسلحة: الحوثيون يتحملون مسؤولية سلامة
...
-
وزير حقوق الإنسان: توثيق تجنيد ومقتل أكثر من 4,700 طفل منذ 2
...
-
عراقجي يلتقي نظيره القطري على هامش اجتماعات الأمم المتحدة في
...
-
الزنداني يزور وزارة التربية والتعليم ويوجه باستيعاب الطلاب ا
...
المزيد.....
-
الى جمهورية كردستان الاشتراكية المتحدة!، الوثيقة 3 - كردستان
...
/ كوران عبد الله
-
“رحلة الكورد: من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر”.
/ أزاد فتحي خليل
-
رحلة الكورد : من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر
/ أزاد خليل
-
سعید بارودو. حیاتي الحزبیة
/ ابو داستان
-
العنصرية في النظرية والممارسة أو حملات مذابح الأنفال في كردس
...
/ كاظم حبيب
-
*الحياة الحزبية السرية في كوردستان – سوريا * *1898- 2008 *
/ حواس محمود
-
افيستا _ الكتاب المقدس للزرداشتيين_
/ د. خليل عبدالرحمن
-
عفرين نجمة في سماء كردستان - الجزء الأول
/ بير رستم
-
كردستان مستعمرة أم مستعبدة دولية؟
/ بير رستم
-
الكرد وخارطة الصراعات الإقليمية
/ بير رستم
المزيد.....
|