محمد نجيب السعد
الحوار المتمدن-العدد: 8836 - 2026 / 9 / 22 - 18:04
المحور:
الادب والفن
جنوب أفريقيا والاستعمار: الرواية التي تخفي تاريخها لكي تكشفه
من المستحيل قراءة رواية في انتظار البرابرة قراءة تاريخية جادة من دون تذكر أن الرواية صدرت سنة 1980، وأن جيه. إم. كوتزي كان يكتب في جنوب أفريقيا في ظل نظام الفصل العنصري. لكن من الخطأ، في الوقت نفسه، أن نحول هذه الحقيقة إلى مفتاح يفتح جميع أبواب الرواية دفعة واحدة. فالعلاقة بين عالم كوتزي المتخيل وجنوب أفريقيا ليست علاقة نسخة بأصل، وليست الإمبراطورية اسماً مستعاراً بسيطاً للدولة الجنوب أفريقية، مثلما أن البرابرة ليسوا مقابلاً مباشراً لجماعة تاريخية واحدة. ولو أراد كوتزي هذا النوع من المطابقة لما احتاج إلى محو أسماء البلاد والحقبة والإمبراطورية من نصه.
تكمن المسألة، إذن، في منطقة أكثر تعقيداً: كيف يستطيع الكاتب أن يكتب من داخل تاريخ محدد من دون أن يجعل الرواية أسيرة ذلك التاريخ؟
كان هذا السؤال بالغ الحساسية بالنسبة إلى كاتب أبيض في جنوب أفريقيا خلال حقبة الفصل العنصري . فالكتابة عن القمع من موقع لا ينتمي صاحبه إلى الجماعات التي تحملت العبء الأكبر لذلك القمع تطرح فوراً مشكلة الصوت والتمثيل: من يملك الحق في رواية ألم من؟ وهل يستطيع الكاتب أن يتكلم باسم الضحية من دون أن يعيد، داخل الأدب، نوعاً من الاستحواذ الذي يمارسه النظام السياسي خارج الأدب؟
ويبدو أن كوتزي اختار في في انتظار البرابرة حلاً فنياً بالغ الجرأة: بدلاً من محاولة إعطاء البرابرة صوتاً كاملاً يدعي من خلاله معرفة تجربتهم، جعل مركز الرواية رجلاً من داخل المؤسسة الاستعمارية نفسها. وهكذا أصبح موضوعه، بدرجة كبيرة، أزمة ضمير المستفيد من النظام لا الادعاء بأنه يستطيع التحدث من داخل وعي المضطهد.
وهذا الاختيار يفسر كثيراً مما رأيناه في شخصية الحاكم. فهو ليس البرابرة، ولا يستطيع أن يصبح واحداً منهم لمجرد أنه تعاطف معهم أو تعرض هو نفسه للإهانة. إنه رجل من الإمبراطورية يكتشف حدود عالمه الأخلاقي والمعرفي. وبذلك لا تقول الرواية: هذه هي حقيقة المضطهد كما أعرفها، بل تسأل: ماذا يحدث لعضو في الجماعة المهيمنة عندما يبدأ في إدراك أن النظام الذي يمنحه موقعه يقوم على عنف لم يكن يريد رؤيته؟
هذه المسافة الأخلاقية مهمة للغاية في سياق جنوب أفريقيا. فقد كان نظام الفصل العنصري قائماً على شبكة قانونية وإدارية معقدة من التصنيفات والحدود والقيود المكانية والسياسية، ولم يكن العنف منفصلاً عن هذه الشبكة، بل كان جزءاً من قدرتها على الاستمرار. ومن هنا يصبح عالم كوتزي التخييلي، من دون أن يكون صورة فوتوغرافية لهذا النظام، مشبعاً بمفردات كان لها ثقل شديد في واقعه التاريخي: من ينتمي؟ من يوجد داخل الحدود؟ من يوجد خارجها؟ من تملك السلطة حق تصنيفه؟ ومن يستطيع التحرك في المكان؟
لكن كوتزي يرفض إعطاء هذه المفردات أسماء جنوب أفريقية مباشرة. وهذا الرفض يسمح له بتحريك السؤال من خصوصية نظام سياسي بعينه إلى منطق أوسع: ما الذي تفعله السلطة حين تقسم البشر إلى جماعة تنتمي بصورة طبيعية إلى النظام وجماعة ينبغي مراقبتها أو إخضاعها أو إبقاؤها وراء الحدود؟
هنا يصبح الاستعمار أكثر من احتلال للأرض. إنه نظام لتوزيع الإنسانية في المكان.
المركز هنا، والهامش هناك. المدينة هنا، والصحراء هناك. القانون هنا، والبربري هناك. وما يبدو تقسيمات جغرافية يتحول إلى تقسيمات أخلاقية: المكان الذي يسكنه نحن يصبح مساحة النظام، والمكان الذي يسكنه «هم» يصبح مساحة الخطر.
ومن هذه الزاوية يمكن الاستفادة من إدوارد سعيد بصورة أكثر عمقاً. فإحدى الأفكار المركزية في مشروعه النقدي أن السيطرة الاستعمارية لا تعتمد على القوة العسكرية والإدارية وحدها، وإنما ترتبط كذلك بأنظمة تمثيل تجعل الآخر قابلاً للتصنيف والمعرفة والحكم. لا تكتفي القوة بأن تسيطر على الآخر؛ إنها تنتج خطاباً يقول من هو الآخر.
وهذا بالضبط ما تفعله كلمة البرابرة في رواية كوتزي.
فنحن لا نعرف الاسم الذي تطلقه هذه الجماعات على نفسها. الاسم الذي يهيمن على الرواية هو الاسم الذي تمنحه الإمبراطورية لها. وهذا ليس أمراً عرضياً، لأن امتلاك حق التسمية شكل من أشكال السلطة. من يستطيع أن يسمي الآخر يستطيع أن يضعه داخل فئة، والفئة تستطيع بدورها أن تحدد نوع المعاملة التي يصبح من الممكن إخضاعه لها.
إن الانتقال من إنسان إلى بربري ليس تغييراً لغوياً بريئاً.
إنه تقليص للمسافة بين الجسد والعنف.
فكلما أصبح الآخر أقل شبهاً بـ نحن، صار إيذاؤه أسهل أخلاقياً. ولذلك تحتاج السلطة إلى إنتاج الاختلاف قبل أن تنتج الاستثناء. ينبغي أن يصبح هؤلاء أشخاصاً من نوع آخر حتى يمكن تطبيق قواعد أخرى عليهم.
وهنا يقترب عالم كوتزي أيضاً من بعض الأسئلة التي طرحها فرانز فانون عن العالم الاستعماري. فقد وصف فانون الاستعمار باعتباره عالماً مقسوماً، لا بالمعنى الجغرافي فقط، وإنما بالمعنى الإنساني أيضاً: عالم المستعمِر وعالم المستعمَر لا يشغلان المكان بالطريقة نفسها ولا يتمتعان بالقيمة السياسية نفسها. وفي رواية كوتزي نجد هذا الانقسام في صورة الحدود بين الإمبراطورية ومن تسميهم البرابرة.
لكن ثمة فارقاً ينبغي الحفاظ عليه. فانون يكتب من داخل تجربة تاريخية وفكرية محددة مرتبطة بالاستعمار والتحرر الوطني، بينما كوتزي يبني عالماً تخييلياً مجرداً نسبياً. لذلك لا ينبغي أن نجعل الرواية مثالاً على فانون. الأفضل أن نضعهما في حوار: يساعدنا فانون على رؤية ما يعنيه تقسيم المكان والبشر، بينما تجعلنا رواية كوتزي نرى كيف يمكن لهذا التقسيم أن يعمل داخل وعي الفرد الذي ينتمي إلى جانب السلطة.
والأهم أن كوتزي لا يرسم البرابرة في صورة رومانسية مضادة للإمبراطورية. لا يقدمهم باعتبارهم مجتمعاً نقياً يعيش خارج فساد الحضارة، ولا يجعل الرواية ترنيمة للبدائية في مواجهة المدينة. نحن ببساطة لا نعرف عنهم ما يكفي لكي نبني مثل هذه الصورة.
وهذا الامتناع شديد الأهمية.
فلو جعل كوتزي البرابرة طيبين بصورة مطلقة في مقابل إمبراطورية شريرة، لأبقى منطق الثنائية نفسه قائماً، مع قلب الإشارات الأخلاقية فقط. كانت الإمبراطورية تقول: نحن الحضارة وهم البربرية. وستقول الرواية عندئذ: هم البراءة ونحن البربرية. لكن البنية نفسها ستظل قائمة: جماعة نعرف حقيقتها الكاملة في مواجهة جماعة أخرى نعرف حقيقتها الكاملة.
كوتزي يرفض هذه الراحة.
نحن نعرف أن الإمبراطورية تمارس التعذيب. هذه واقعة يقدمها النص. لكننا لا نعرف كل شيء عن البرابرة، ولا نحتاج إلى أن نثبت أنهم ملائكة لكي نقول إن تعذيبهم خطأ.
وهذه نقطة أخلاقية بالغة القوة: حقوق الإنسان الآخر لا ينبغي أن تعتمد على مثاليته.
فالضحية لا تحتاج إلى أن تكون نقية أو بريئة في جميع جوانب حياتها لكي يصبح تعذيبها غير مقبول. وإذا احتجنا إلى تحويل المضطهد إلى قديس حتى ندافع عنه، نكون قد جعلنا إنسانيته مشروطة بصورة صنعناها نحن عنه.
وهنا تعود الفتاة البربرية لتكتسب أهميتها. كوتزي لا يمنحها خطاباً طويلاً يجعلها الناطقة باسم شعبها، ولا يحولها إلى رمز مثالي للمستعمَر. إنها تبقى فرداً غامضاً نسبياً، له جسد ورغبات وصمت وقدرة على اتخاذ القرار. وهذا الغموض يحميها، جزئياً، من أن تتحول إلى تمثال سياسي.
لكن هذا الاختيار أثار أيضاً سؤالاً نقدياً مشروعاً: هل يؤدي امتناع كوتزي عن منح المضطهد صوتاً كاملاً إلى احترام اختلافه، أم أنه يعيد تهميش صوته داخل رواية يظل مركزها رجلاً من الإمبراطورية؟
لا ينبغي إغلاق هذا السؤال بسرعة، لأن قوة الرواية نفسها تسمح بطرحه. فمن ناحية، نستطيع القول إن كوتزي يتجنب ادعاء التحدث باسم من لا يستطيع امتلاك تجربتهم. ومن ناحية أخرى، يمكن القول إن البرابرة يبقون إلى حد بعيد خارج مركز السرد، بينما تحتل أزمة ضمير الحاكم المساحة الأكبر.
هذه ليست مشكلة ينبغي حلها بإعلان براءة الرواية أو إدانتها. إنها توتر حقيقي في العمل، وربما جزء من أهميته. فالأدب الذي يتناول الآخر المستعمَر يقع دائماً أمام مخاطرة مزدوجة: إذا تكلم باسمه قد يستولي على صوته، وإذا امتنع عن الكلام باسمه قد يتركه صامتاً.
و كوتزي يجعل هذه المعضلة محسوسة بدلاً من إخفائها.
ومن هنا يمكن فهم اهتمام غاياتري سبيفاك بأخلاقيات القراءة والتمثيل عند كوتزي. فالمشكلة ليست فقط ماذا يقول النص عن الآخر، وإنما كيف نقرأ نحن الآخر حين يظهر داخل النص، وهل نسارع إلى تحويل صمته إلى معنى يخدم نظرياتنا نحن. إن النقد نفسه يستطيع أن يصبح شكلاً من أشكال الاستحواذ إذا تعامل مع الشخصية المختلفة بوصفها مادة ينتزع منها معنى نهائياً.
ولهذا كان حذرنا في قراءة الفتاة ضرورياً. ليست كل فجوة دعوة للناقد كي يملأها.
أحياناً تكون الفجوة نفسها جزءاً من أخلاق العمل.
غير أن السياق الجنوب أفريقي يطرح سؤالاً آخر: لماذا يختار كوتزي الإمبراطورية بدلاً من دولة حديثة محددة؟
ربما لأن مفهوم الإمبراطورية يسمح له بأن يرى بنية تاريخية أطول من الفصل العنصري نفسه. فالاستعمار والفصل العنصري لم يظهرا من فراغ، وإنما ارتبطا بتاريخ أوسع من السيطرة الأوروبية على الأرض، ورسم الحدود، وتصنيف السكان، وإنتاج المعرفة عن الجماعات الخاضعة للحكم.
الإمبراطورية، بهذا المعنى، ليست اسم بلد.
إنها علاقة.
علاقة بين مركز يعتقد أن له الحق في تعريف النظام، وأطراف يجب أن تتكيف معه؛ بين من يملك الخريطة ومن يعيش في الأرض؛ بين من يكتب القانون ومن يصبح موضوعاً له؛ بين من يستطيع أن يسمي الآخر ومن يجد نفسه محبوساً داخل الاسم الذي مُنح له.
ولهذا فإن الرواية تستطيع أن تكون جنوب أفريقية بعمق من دون أن تكون محصورة في جنوب أفريقيا.
وقد وصف ديفيد أتويل مشروع كوتزي الأدبي في ضوء العلاقة المتوترة بين الكتابة والتاريخ الجنوب أفريقي، وهي علاقة لا تقوم على انعكاس الواقع انعكاساً مباشراً، بل على أشكال من التوسط وإعادة البناء الفني. وهذه الفكرة مهمة خصوصاً في في انتظار البرابرة، لأن التجريد الذي يمارسه كوتزي ليس هروباً من التاريخ بقدر ما هو طريقة لإعادة ترتيب عناصره بحيث تصبح آلياته أكثر وضوحاً.
إنه يزيل أسماء التاريخ لكي يجعل بنية التاريخ مرئية.
لكن هذا التجريد يحمل خطراً هو الآخر. فعندما نحول الظلم إلى نموذج إنساني عام قد نفقد خصوصية الضحايا والتاريخ الذي أنتج معاناتهم. وإذا قلنا إن كل الإمبراطوريات متشابهة، فقد نمحو الفروق الحقيقية بين تجارب تاريخية مختلفة.
ولذلك ينبغي الحفاظ على التوتر بين مستويين في قراءة الرواية.
الأول تاريخي: كوتزي يكتب من جنوب أفريقيا في سنة 1980، ولا يمكن فصل عمله تماماً عن أسئلة الفصل العنصري والقمع والحدود والعنف المؤسسي التي أحاطت به.
والثاني يتجاوز التاريخ المباشر: الرواية تبني نموذجاً يستطيع أن يجعل القارئ في أماكن وأزمنة أخرى يتعرف إلى آليات مشابهة.
لا ينبغي أن نختار أحد المستويين ونلغي الآخر.
إذا اختزلنا الرواية في الفصل العنصري ، صغرنا عالمها.
وإذا فصلناها تماماً عن جنوب أفريقيا، أفرغنا تجريدها من الضغط التاريخي الذي أعطاه ضرورته.
وتكمن قوة كوتزي في إبقاء الاثنين معاً.
وهذا أيضاً ما يجعل الرواية مختلفة عن خطاب سياسي مباشر. فالخطاب السياسي يريد غالباً أن يخبرنا ماذا ينبغي أن نعتقد في قضية محددة. أما الرواية فتضعنا داخل تناقض لا يمكن حله بشعار. نعيش داخل وعي رجل يستفيد من النظام ويكرهه، يشفق على ضحاياه ويستخدمهم أحياناً لفهم نفسه، يقاوم السلطة ويشك في نقاء مقاومته.
إنه ليس نموذجاً جاهزاً للمقاوم.
إنه مشكلة أخلاقية تمشي على قدمين.
ومن خلاله يطرح كوتزي سؤالاً كان شديد الحساسية في جنوب أفريقيا، لكنه يتجاوزها أيضاً: ماذا يستطيع الفرد أن يفعل حين يكتشف أن موقعه داخل المجتمع يمنحه امتيازاً مرتبطاً بنظام لا يستطيع أخلاقياً قبوله؟
لا يكفي أن يقول: أنا شخصياً لم أعذب أحداً.
ولا يكفي أن يشعر بالخجل.
ولا يكفي حتى أن يحب ضحية.
فالسؤال الحقيقي هو ماذا يحدث عندما يصبح الاعتراف بالتواطؤ فعلاً يغير العلاقة بالنظام.
والحاكم يدفع ثمناً لهذا التحول. يخسر منصبه وحمايته وكرامته الاجتماعية. وهذا لا يجعله بطلاً كاملاً، لكنه يجعل موقفه يتجاوز التعاطف الذي لا يكلف صاحبه شيئاً.
ومن هنا تظهر إحدى الفروق المهمة بين الشفقة والتضامن. الشفقة يمكن أن تحدث من مسافة آمنة: أرى ألمك وأحزن له. أما التضامن فيبدأ عندما يصبح موقفي من ألمك قادراً على تغيير موقعي أنا.
حين يغسل الحاكم قدمي الفتاة يكون متعاطفاً.
حين يعيدها إلى قومها ويتحمل نتيجة عبور الحدود يبدأ التعاطف في اكتساب ثمن سياسي.
ومع ذلك يبقى كوتزي حذراً من البطولة. فالحاكم نفسه يعرف أنه قد يكون مفتوناً بصورته بوصفه الرجل الذي قال لا للإمبراطورية. ولهذا تستمر الرواية في نزع القداسة عنه حتى وهي تضعه في مواجهة الجلاد.
إنها لا تريد منا أن نستبدل أسطورة الإمبراطورية بأسطورة البطل الأخلاقي.
وهنا تكمن، ربما، إحدى أكثر صفات كوتزي الأدبية تميزاً: الشك في القصص التي تجعل أصحابها أبرياء تماماً.
الإمبراطورية تروي قصة تجعل عنفها دفاعاً.
وجول يروي قصة تجعل التعذيب بحثاً عن الحقيقة.
والحاكم معرض لأن يروي قصة تجعل معارضته بطولة أخلاقية كاملة.
والرواية تقاوم القصص الثلاث.
لهذا فإن المسألة السياسية في رواية في انتظار البرابرة تنتهي إلى مسألة سردية أيضاً: من يملك القصة؟ من يسمي الشخصيات؟ من يقرر أين تبدأ الحكاية وأين تنتهي؟ ومن يملك القدرة على تحويل الإنسان إلى بربري أو عدو أو خائن؟
وهنا نقترب من المستوى الأخير الذي لم نحلله بعد بصورة مستقلة: شكل الرواية نفسها.
لماذا يروي الحاكم بصيغة المتكلم؟
لماذا لا نسمع صوتاً عليماً يخبرنا بالحقيقة؟
لماذا يبقى البرابرة بعيدين عن مركز الكلام؟
ولماذا يجعل كوتزي قارئه أسيراً لوعي رجل يعرف، مع تقدم الرواية، أنه لا يعرف؟
هذه الأسئلة ستقودنا إلى القسم قبل الأخير: السرد وحدود المعرفة والنهاية. وهناك سنعود أيضاً إلى المشهد الختامي وإلى الثلج والصورة التي يحاول الأطفال صنعها، لنرى لماذا يرفض كوتزي أن يمنح روايته نهاية انتصار واضحة للإمبراطورية أو للبرابرة أو حتى للحاكم.
السرد وحدود المعرفة: لماذا تنتهي الرواية بصورة غير مكتملة؟
بعد كل ما مر به الحاكم، قد نتوقع أن تمنحه الرواية في صفحاتها الأخيرة نوعاً من المعرفة النهائية: أن يفهم الإمبراطورية، أو يفهم البرابرة، أو يفهم الفتاة، أو يفهم نفسه على الأقل. غير أن كوتزي يفعل العكس تقريباً. فكلما اقتربنا من النهاية اتسعت مساحة عدم اليقين، حتى تصبح النهاية نفسها رفضاً لفكرة أن التجربة الطويلة لا بد أن تتحول إلى حكمة واضحة يمكن صياغتها في عبارة أخيرة. لقد تغير الحاكم بلا شك، لكنه لا يصل إلى نقطة يستطيع منها النظر إلى حياته وإلى الإمبراطورية من علٍ كما لو أنه خرج نهائياً من التاريخ الذي صنعه.
وهذا مرتبط مباشرة بالقرار السردي الذي اتخذه كوتزي منذ البداية: أن يجعل الحاكم يروي الحكاية بصيغة المتكلم.
كان يمكن للرواية أن تستخدم راوياً عليماً ينتقل بين الحاكم وجول والفتاة والبرابرة، ويخبرنا بما يخطط له كل طرف وما يشعر به. عندئذ كنا سنمتلك خريطة كاملة نسبياً للصراع. لكن كوتزي يحرمنا من هذه الخريطة. نحن محبوسون، إلى حد بعيد، داخل وعي رجل واحد.
وهذه المحدودية ليست مجرد تقنية سردية.
إنها موقف معرفي.
فالرواية التي تنتقد ادعاء الإمبراطورية امتلاك معرفة كاملة بالآخر لا تستطيع، من دون تناقض، أن تمنح قارئها معرفة روائية كلية بذلك الآخر. إذا كانت المشكلة في جول أنه يتصرف كما لو أنه يعرف ما يخفيه البرابرة، فإن الراوي العليم الذي يخبرنا بالفعل بما يخفيه البرابرة كان سيمنح القارئ امتيازاً معرفياً يشبه، من زاوية مختلفة، الحلم الذي تقوم عليه السلطة: أن كل شيء قابل لأن يصبح مرئياً.
لكن كوتزي لا يمنحنا هذا الامتياز.
نحن لا نعرف ما إذا كان البرابرة يخططون فعلاً لهجوم واسع. لا ندخل إلى اجتماعاتهم ولا نقرأ أفكارهم. لا نعرف على نحو كامل ماذا كانت الفتاة تشعر به أثناء وجودها مع الحاكم، ولا ماذا حدث لها بعد عودتها. ولا نعرف مركز الإمبراطورية معرفة مباشرة؛ فهو يصل إلينا أساساً من خلال ممثليه وأوامره وآثاره على البلدة.
نحن نعرف ما يعرفه الحاكم، وأحياناً أقل مما يظن أنه يعرف.
ومن هنا تصبح القراءة نفسها تجربة في محدودية المعرفة. القارئ يريد الإجابات، لكن الرواية لا تمنحها له كلها. وفي كل مرة نميل فيها إلى ملء الفراغ بتفسير نهائي، نقترب من الخطأ الذي ترتكبه شخصياتها: تحويل الاحتمال إلى يقين.
وهذه واحدة من أكثر الحيل الأخلاقية ذكاء في بناء الرواية. فالقارئ لا يكتفي بمشاهدة الحاكم وهو يتعلم حدود المعرفة؛ يُجبر هو نفسه على العيش داخل تلك الحدود.
لكن صيغة المتكلم تفعل شيئاً آخر أيضاً. إنها تجعلنا قريبين جداً من الحاكم من دون أن تضمن صحة تفسيره لنفسه. نسمع تردده وشهواته وخجله وذكرياته وتبريراته، لكن قربنا منه لا يعني أن علينا تصديق كل ما يقوله عن دوافعه.
بل إن الرواية تدربنا تدريجياً على الشك فيه.
حين يعتني بالفتاة، نسأل معه عن معنى عنايته. وحين يعارض جول، نسأل هل اعتراضه أخلاقي خالص أم مختلط بحاجته إلى صورة أفضل عن نفسه. وحين يتحمل الإذلال، نسأل ما إذا كان يرى نفسه شهيداً. إنه راوٍ قادر على مراقبة ذاته، لكنه ليس خارج ذاته.
وهذا فارق بالغ الأهمية.
فالوعي بالذات لا يساوي الشفافية الكاملة للذات.
قد يعرف الإنسان أنه متناقض من دون أن يعرف جميع أسباب تناقضه. وقد يشك في دوافعه من دون أن يصل إلى دافع «حقيقي» أخير يقع تحت جميع الدوافع الأخرى. والحاكم يعيش داخل هذه المنطقة.
ومن هنا تصبح الرواية، على مستوى عميق، رواية عن فشل القراءة أيضاً.
جول يقرأ أجساد الأسرى ويعتقد أنه يجد الحقيقة.
الإمبراطورية تقرأ تحركات البرابرة وتعتقد أنها تجد المؤامرة.
الحاكم يقرأ الألواح القديمة ولا يستطيع فكها بصورة نهائية.
ويقرأ جسد الفتاة ولا يستطيع امتلاك معناه.
ثم يحاول أن يقرأ نفسه.
ولا ينجح تماماً في ذلك أيضاً.
بهذا المعنى، كل شخصية تقريباً تقف أمام علامات وتريد تفسيرها. والفرق الأخلاقي بينها لا يكمن في أن بعضها يفسر وبعضها لا يفسر، وإنما في ما تفعله بتفسيرها.
جول يحول تفسيره إلى يقين ثم إلى عنف.
أما الحاكم فيتعلم، ببطء، أن تفسيره قد يبقى ناقصاً.
وهذه النقلة من اليقين إلى الاحتمال ليست ضعفاً معرفياً؛ إنها، في عالم الرواية، إنجاز أخلاقي.
فالإنسان الذي يقول قد أكون مخطئاً أقل استعداداً، في العادة، لأن يكسر جسداً لكي يجعله يطابق نظريته.
وهنا نفهم لماذا كان الأثر القديم مهماً منذ البداية. فالعلامات التي يحاول الحاكم قراءتها على الألواح ليست تفصيلاً زخرفياً. إنها نموذج مصغر لمشكلة الرواية كلها: هناك شيء مكتوب أمامك، لكن وجود العلامة لا يضمن امتلاك معناها.
وهذا ينطبق على التاريخ نفسه.
الإمبراطورية تريد أن تكتب التاريخ كما تريد أن تقرأه. تريد أن تكون الحكاية بسيطة: نحن حراس الحضارة، والبرابرة يهددونها، ولذلك فإن ما نفعله ضرورة. لكن الرواية تضع بجانب هذه القصة أجساداً وآثاراً وصمتاً وفشلاً عسكرياً، وكل واحد منها يقول إن التاريخ أكثر تعقيداً من السردية التي تنتجها السلطة. وهنا يستعيد سؤال محمود درويش عن الحرب ومن يملك روايتها أهميته: فالمشكلة ليست فقط في أن السلطة قد تسيء قراءة الآخر، بل في أنها تمتلك من القوة ما يسمح لها بتحويل قراءتها إلى التاريخ الرسمي عنه. «البرابرة» في رواية كوتزي لا يعانون فقط مما تفعله الإمبراطورية بأجسادهم؛ إنهم يعانون أيضاً من امتلاك الإمبراطورية الاسم الذي سيظهرون به في قصتها.
لهذا فإن الصراع في الرواية ليس فقط على الأرض.
إنه صراع على من يملك تفسير ما يحدث.
وحين تبدأ الحملة العسكرية بالفشل، يظهر هذا الصراع بوضوح. فقد انطلقت القوات وهي تحمل قصة واضحة عن نفسها وعن عدوها، لكن المكان والطقس والمسافة وغياب العدو بالشكل المتوقع تبدأ كلها في تفكيك تلك القصة. الطبيعة لا تتصرف وفق الرواية التي كتبها المركز.
وعندما يعود الجنود منهكين، لا يعودون حاملين النصر الذي كان سيغلق الحكاية. يعودون حاملين دليلاً على حدود القوة.
وهنا تبدأ الإمبراطورية في الانسحاب من المشهد بطريقة تكشف مفارقة مؤلمة. لقد جاءت بقوة هائلة لكي تحمي البلدة من خطر متوقع، لكن وجودها نفسه زعزع حياة البلدة، وأثار الخوف، وعطل النظام القديم، وفتح دورة من العنف لم تكن موجودة بالصورة نفسها قبل وصولها.
أي إن الحماية تصبح جزءاً من الخراب الذي تزعم أنها جاءت لمنعه.
وعند اقتراب النهاية لا يمنحنا كوتزي معركة حاسمة يصل فيها البرابرة إلى الأسوار. وهذه نقطة جوهرية. فلو انتهت الرواية بغزو كبير، لكان من الممكن قراءة كل ما سبق بوصفه تمهيداً عسكرياً لذلك الحدث. وربما استطاعت الإمبراطورية حتى أن تقول: كنا على حق منذ البداية.
لكن البرابرة لا يؤدون الدور الذي كتبته الإمبراطورية لهم.
وهذا الغياب أكثر أهمية من الحضور.
فالرواية التي بدأت بخوف من مجيئهم تنتهي من دون أن تجعل وصولهم جواباً. وبذلك يبقى السؤال الذي طرحه كفافيس معلقاً في فضاء النص: ماذا يحدث للمجتمع حين يصبح العدو الذي ينتظره ضرورياً لفهم ذاته؟
لكن كوتزي يذهب أبعد من كفافيس. فالانتظار لم يترك المجتمع كما كان. لقد غيّره.
وهذا هو الانقلاب الحقيقي.
ليس السؤال في النهاية: هل جاء البرابرة؟
بل: ماذا فعل انتظارهم بمن كان ينتظر؟
لقد أصبحت البلدة أكثر خوفاً، والإمبراطورية أكثر عنفاً، والحاكم أكثر شكاً في العالم الذي خدمه، والحدود التي بدت ثابتة أكثر اضطراباً. أي إن الحدث التاريخي الأكبر ربما لم يكن وصول العدو، وإنما التحول الداخلي الذي صنعه الخوف منه.
وهنا تصبح النهاية الشتوية شديدة الدلالة. يعود الثلج، ويغطي المكان، وتتقلص الحركة، ويواجه الناس أسئلة البقاء اليومية. بعد الخطابات الكبيرة عن الإمبراطورية والعدو والحرب والتاريخ، يعود الإنسان إلى أبسط احتياجاته.
ثمة تواضع قاسٍ في هذه العودة.
الإمبراطوريات تتحدث عن الأبدية، لكن الإنسان يحتاج إلى طعام.
الجيوش تتحدث عن المجد، لكن الشتاء يحتاج إلى وقود.
السلطة تتحدث عن المستقبل، لكن الجسد يعيش يوماً واحداً في كل مرة.
ومن هنا يمكن فهم الصورة الأخيرة التي يقترب منها الحاكم في الثلج بوصفها أكثر من مشهد هادئ بعد العنف. الأطفال يحاولون تشكيل صورة في الثلج، صورة ليست مكتملة بالمعنى الذي كان الحاكم نفسه يريد به طوال الرواية أن تكتمل الصور أمامه.
إنها عودة إلى الصورة غير المكتملة.
وهذا مهم لأن الرواية نفسها ترفض الاكتمال. لم نعرف البرابرة كاملاً، ولم نعرف الفتاة كاملاً، ولم نفك الألواح القديمة، ولم نعرف مستقبل الإمبراطورية على وجه اليقين، ولم يصل الحاكم إلى تفسير نهائي لنفسه.
ومع ذلك انتهت الرواية.
كأن كوتزي يقول إن النهاية لا تعني أن المعرفة اكتملت.
وهذه فكرة جمالية وفلسفية معاً. فالسرد التقليدي يستطيع أن يمنحنا في النهاية معنى يغلق ما فتحته الأحداث: يُكشف السر ويُهزم الشرير ويعود النظام ويعرف البطل نفسه. أما كوتزي فيرفض هذه الطمأنينة. إن معرفة الإنسان بالعالم تظل جزئية حتى بعد انتهاء الحكاية.
والحاكم نفسه يشعر، في نهاية تجربته، بأنه عاش كمن أضاع الطريق.
هذه الصورة ضرورية لفهم معنى رحلته. فقد بدأ بوصفه الرجل الذي يعرف المكان: يعرف البلدة ويعرف السكان ويعرف الإدارة ويعتقد أنه يعرف حدود العالم الذي يحكمه. ثم تنتهي رحلته وقد أصبح أقل يقيناً مما كان.
لكن هذا النقص في اليقين ليس بالضرورة هزيمة.
ربما يكون الشيء الذي تعلمه هو أن الطريق لم يكن واضحاً أصلاً.
لقد كان يقينه القديم قائماً على عالم لم يكن يرى منه إلا جزءاً. كان يستطيع أن يعيش مطمئناً لأن آلام الآخرين بقيت خارج مجال رؤيته. وحين دخلت هذه الآلام إلى حياته انهارت الخريطة القديمة.
إنه الآن يعرف أقل، بمعنى ما، لكنه يعرف أن معرفته أقل.
وهذه مسافة أخلاقية هائلة.
فالجهل الذي يعرف نفسه مختلف عن الجهل الذي يتنكر في هيئة يقين.
ومن هنا نستطيع أن نعود إلى النظارات الداكنة التي ظهر بها جول في البداية. لقد كانت الرواية منذ مشهدها الأول تقريباً منشغلة بالرؤية. جول يخفي عينيه، والفتاة تصاب عيناها، والحاكم ينظر إلى الجروح، والإمبراطورية تنظر إلى ما وراء الحدود، والقارئ يحاول أن يرى من خلال الراوي.
لكن النهاية لا تمنح أحداً رؤية كاملة.
وكأن السؤال الذي بدأ سياسياً — من هم البرابرة؟ — ينتهي سؤالاً معرفياً: كيف نعرف الآخر أصلاً؟
ثم يتحول إلى سؤال أخلاقي: ماذا نفعل عندما لا نعرفه كاملاً؟
جواب جول هو: أُجبره على الكلام.
جواب الإمبراطورية هو: أصنفه.
أما الجواب الذي يقترب منه الحاكم بعد كل ما حدث فهو أكثر تواضعاً: قد لا أفهمك كاملاً، لكن حدود معرفتي لا تمنحني الحق في إيذائك.
وهذه، ربما، النقطة التي يلتقي عندها الشكل السردي بالمضمون الأخلاقي للرواية. فكما يتعلم الحاكم قبول عدم المعرفة، يضطر القارئ إلى قبول أن الرواية لن تسلمه حقيقة نهائية عن البرابرة.
إنها لا تستبدل خطاب الإمبراطورية بخطاب مضاد يدعي اليقين نفسه.
بل تفكك الحاجة إلى اليقين التي جعلت العنف ممكناً منذ البداية.
وهنا نستطيع أن نفهم أيضاً لماذا تبقى الكتابات القديمة غير محلولة تماماً. فالحاكم الذي أمضى وقتاً في محاولة قراءة آثار الماضي ينتهي من دون أن يصبح سيداً على معانيها. والمستقبل الذي حاولت الإمبراطورية قراءته من خلال الخوف يبقى بدوره مفتوحاً.
بين الماضي الذي لا نستطيع فك رموزه كاملاً والمستقبل الذي لا نستطيع التنبؤ به كاملاً يوجد الحاضر.
وفي هذا الحاضر فقط يصبح السؤال الأخلاقي ممكناً:
ماذا نفعل بالإنسان الموجود أمامنا؟
ليس ما اسم شعبه في تصنيف الإمبراطورية.
ولا ماذا قد يفعل في المستقبل.
ولا ما السر الذي نظن أنه يخفيه.
بل ماذا نفعل به الآن.
بهذا المعنى، تنتهي في انتظار البرابرة عند النقطة التي تبدأ منها الأخلاق: حين نتوقف عن مطالبة الآخر بأن يبرر إنسانيته أمامنا.
ولذلك فإن الصورة الأخيرة غير المكتملة ليست نقصاً في الرواية، بل خلاصة لشكلها كله. فالحاكم لم ينجح في تحويل العالم إلى معنى كامل، والقارئ لا يستطيع ذلك أيضاً.
تبقى آثار في الأرض.
وندوب على الجسد.
وأسماء صنعتها السلطة.
وامرأة عادت إلى قومها من دون أن تمنحنا قصتها كلها.
وإمبراطورية خافت من مستقبلها.
ورجل اكتشف، متأخراً، أن معرفته بالآخرين وبنفسه كانت أقل مما ظن.
وبين هذه الأشياء جميعاً تبقى مساحة بيضاء تشبه الثلج الذي يختتم الرواية: يمكن أن نرسم عليه، لكن الرسم لا يصبح العالم نفسه.
وهنا بالضبط ينبغي أن تبدأ الخاتمة، لا بتلخيص ما قلناه، وإنما بالعودة إلى السؤال الأول بصورة تغيرت جذرياً بعد الرحلة كلها:
من هم البرابرة؟
وربما يكون السؤال الذي تركه كوتزي لنا أشد خطورة:
ماذا يحدث للإنسان حين يحتاج إلى اختراع بربري لكي يظل مقتنعاً بأنه متحضر؟
الخاتمة: البرابرة الذين نصنعهم — حين تصبح الحضارة خائفة من مرآتها
نصل إلى نهاية في انتظار البرابرة من دون أن يصل البرابرة بالمعنى الذي انتظرتهم به الإمبراطورية، ومن دون أن نعرفهم المعرفة التي وعد خطاب السلطة بأنه قادر على امتلاكها. وهذه المفارقة ليست لعبة سردية يؤجل بها جيه. إم. كوتزي ظهور العدو، وإنما هي جوهر الرواية نفسها. فمنذ البداية كنا نظن أننا نقرأ حكاية عن إمبراطورية تخشى جماعة تقيم وراء حدودها، لكننا نكتشف بالتدريج أن موضوع الرواية الحقيقي ليس البرابرة بقدر ما هو الحاجة إلى البرابرة: حاجة السلطة إلى آخر تضعه خارج حدودها لكي تستطيع أن ترسم حدوداً واضحة لنفسها.
ولهذا ربما يكون السؤال من هم البرابرة؟ سؤالاً مضللاً إذا بحثنا عن إجابته في الصحراء أو وراء الجبال. فالإمبراطورية لا تنتظر أولئك الناس كما هم في حياتهم الفعلية؛ إنها تنتظر الصورة التي صنعتها عنهم. تنتظر عدواً غامضاً، قادماً، خطيراً، يحمل من الصفات ما يكفي لكي يصبح الخوف منه أساساً لسياسة كاملة. ومن هنا كانت المسافة بين البربري الواقعي و البربري الذي ينتجه الخطاب السياسي هي المسافة التي تنشأ فيها الرواية كلها.
فالآخر يوجد أولاً بوصفه إنساناً، ثم تأتي السلطة فتعطيه اسماً.
ومن الاسم تبدأ الحكاية.
حين يقال بربري، لا تكون الكلمة مجرد وصف. إنها تبدأ في ترتيب العالم: هنا الحضارة وهناك البربرية، هنا القانون وهناك الفوضى، هنا من يستحق الحماية وهناك من يجوز الاشتباه فيه. ومن هذه الثنائية تنشأ سلسلة كاملة من النتائج التي رأيناها في الرواية: الخوف يبرر التحقيق، والتحقيق يبرر التعذيب، والتعذيب ينتج الاعتراف، والاعتراف يثبت الخوف الذي بدأ منه كل شيء.
إنها دائرة مغلقة تستطيع السلطة أن تتحرك داخلها إلى ما لا نهاية.
لكن عبقرية كوتزي تكمن في أنه لا يكتفي بكشف زيف هذه الدائرة، بل يجعلها منتجة للواقع. فالعدو المتخيل يستطيع أن ينتج ضحايا حقيقيين، والخطر المحتمل يستطيع أن ينتج تعذيباً فعلياً، والحرب التي يُخشى وقوعها تستطيع أن تنتج حملة عسكرية قد تجعل الحرب نفسها أكثر احتمالاً.
وهنا تصبح الحقيقة السياسية للرواية أكثر قتامة: ليس ضرورياً أن يكون الوهم غير واقعي في نتائجه.
قد يكون السبب متخيلاً، وتكون الدماء حقيقية.
ومن هذه المفارقة نفهم لماذا كان التعذيب مركزياً في الرواية. فالتعذيب ليس مجرد دليل على قسوة جول؛ إنه نموذج مصغر للطريقة التي تعمل بها الإمبراطورية كلها. جول يبدأ بالحقيقة التي يريد الوصول إليها ثم يستخدم الجسد لكي ينتجها. والإمبراطورية تبدأ بصورة العدو ثم تستخدم الواقع لكي يثبت الصورة.
في الحالتين لا تعود المعرفة اكتشافاً لما هو موجود، وإنما تصبح إنتاجاً لما تحتاج السلطة إلى أن يكون موجوداً.
ومن هنا أيضاً نفهم لماذا جعل كوتزي الحاكم عالماً بالآثار، أو على الأقل مولعاً بمحاولة قراءتها. ففي مواجهة السلطة التي تعتقد أنها تعرف المستقبل يقف رجل لا يستطيع حتى أن يفك الماضي بصورة كاملة. يعثر على العلامات، يقلبها، يتأملها، يحاول فهمها، لكن معناها يقاومه.
وقد يبدو ذلك فشلاً.
غير أن الرواية تجعل من هذا الفشل درساً.
فالإنسان الذي يعرف أنه لا يعرف يختلف جذرياً عن الإنسان الذي يملأ فراغ معرفته باليقين ثم يفرض ذلك اليقين على الآخرين. وهنا ربما توجد المسافة الأعمق بين الحاكم وجول. ليست المسألة أن أحدهما يملك الحقيقة والآخر يملك الكذب. المسألة أن جول لا يستطيع تحمل وجود شيء لا يعرفه.
الغموض بالنسبة إليه تهديد.
الصمت اشتباه.
الاختلاف خطر.
أما الحاكم فيتعلم، من خلال سلسلة مؤلمة من الإخفاقات، أن الآخر قد يبقى آخر حتى بعد أن نقترب منه، وأن الجسد قد يحمل علامات لا نستطيع ترجمتها بالكامل، وأن العناية بإنسان لا تمنحنا حق امتلاك قصته.
ولهذا كانت الفتاة البربرية أكثر من ضحية في بناء الرواية. لقد كانت الحد الذي اصطدمت عنده رغبة الحاكم في المعرفة. أراد أن يقرأ آثار التعذيب على جسدها كما يقرأ العلامات القديمة، لكنه اكتشف أن الجسد ليس لوحاً أثرياً، وأن الإنسان لا يوجد لكي يحل الآخر لغزه.
ومن هنا ينفتح السؤال الأخلاقي الذي ربما يتجاوز السياسة الاستعمارية نفسها: هل نستطيع احترام الآخر من دون أن نفهمه كاملاً؟
كثير من أشكال السلطة تجيب بالنفي. ينبغي أن أعرف من أنت، وإلى أي جماعة تنتمي، وماذا تؤمن، وماذا تريد، وماذا ستفعل. ينبغي أن تصبح مقروءاً وقابلاً للتصنيف.
أما كوتزي فيدفعنا إلى احتمال أكثر صعوبة: ربما تبدأ الأخلاق حين نقبل أن الإنسان الموجود أمامنا أكثر مما نعرف عنه.
وهذا لا يعني تمجيد الجهل أو التخلي عن المعرفة. بل يعني التمييز بين المعرفة بوصفها محاولة مفتوحة للفهم والمعرفة بوصفها ادعاءً بالامتلاك. فالمشكلة ليست أن جول يريد أن يعرف، وإنما أنه يعتقد أن عدم معرفة الآخر أمر غير مقبول، وأن القوة تمنحه الحق في إزالة ذلك الغموض.
عندئذ تتحول المعرفة إلى عنف.
ولهذا أيضاً كانت تجربة الحاكم مع الفتاة غير قابلة للاختزال إلى قصة حب أو خلاص. فحتى الشفقة يمكن أن تحمل في داخلها رغبة في السيطرة إذا جعلت الضحية وسيلة لكي يثبت المنقذ لنفسه صلاحه. وحتى الرعاية تستطيع أن تتحول إلى شكل من أشكال الاستحواذ حين تقول للآخر، ضمناً: دعني أفهمك لكي أعرف من أكون أنا.
وتقاوم الفتاة ذلك، ليس بخطاب فلسفي، بل بما لا تمنحه للحاكم.
بصمتها.
بغموضها.
بعودتها.
وبخروجها في النهاية من مجال نظره.
إنها لا تمنحه النهاية التي يريدها لعلاقته بها، ولا تمنح القارئ السيرة الكاملة التي قد يريدها لها. وفي هذا النقص تحديداً تحتفظ بشيء من استقلالها.
ولذلك فإن إحدى أكثر الأفكار أهمية في الرواية هي أن العدالة لا ينبغي أن تكون مشروطة بالمعرفة الكاملة. لا أحتاج إلى معرفة كل شيء عن الآخر لكي أعرف أن تعذيبه خطأ. ولا أحتاج إلى أن يكون الآخر شبيهاً بي، أو مفهوماً لي، أو محبوباً لدي، لكي أعترف بإنسانيته.
وهنا تنهار الحجة التي تبني عليها الإمبراطورية ثنائية الحضارة والبربرية.
فالحضارة التي تحتاج إلى التعذيب لكي تحمي نفسها تدخل في تناقض مع الاسم الذي تمنحه لنفسها. وإذا كان معيار «التحضر» هو احترام القانون والإنسان، فإن اللحظة التي تسحق فيها السلطة الإنسان باسم حماية الحضارة تجعل السؤال يرتد عليها: من الذي يمارس البربرية الآن؟
لكن كوتزي أكثر حذراً من أن يجيب ببساطة: الإمبراطورية هي البربرية والبرابرة هم الحضارة. مثل هذا القلب سيبقي الثنائية نفسها حية. وستظل البشرية مقسومة إلى حضاري وبربري، مع تبديل المواقع فقط.
الرواية تذهب إلى مكان أصعب.
إنها تشكك في الحاجة إلى هذه الثنائية ذاتها.
فالبربرية ليست جوهراً يسكن شعباً، والحضارة ليست ملكية أبدية لشعب آخر. إنهما اسمان يمكن أن يحجبا الأفعال الفعلية للبشر. ولذلك فإن السؤال الأخلاقي الأكثر صدقاً ليس «من المتحضر؟»، بل: ماذا يفعل هذا الإنسان بإنسان آخر؟
عند هذه النقطة تسقط الأقنعة.
لا يعود التعذيب حضارياً لأنه تم باسم الدولة.
ولا يصبح الإذلال أخلاقياً لأنه تم باسم الأمن.
ولا تصبح الضحية بربرية لأن السلطة كتبت هذه الكلمة على جسدها.
وهنا يصبح الجسد آخر شاهد لا تستطيع اللغة السياسية محوه بالكامل. يمكن للسلطة أن تسمي الضربة تحقيقاً، لكنها تبقى ألماً في الجسد. ويمكنها أن تسمي الأسير عدواً، لكنه يبقى إنساناً يشعر بالخوف والعطش والجوع. ويمكنها أن تسمي الحملة دفاعاً، لكن الأرض تستطيع أن تحمل آثار من مروا فوقها.
ولهذا يبدو الجسد، في نهاية المطاف، كأنه يقاوم اللغة حين تصبح اللغة أداة للكذب.
لكن حتى الجسد لا يتكلم بلغة واحدة واضحة. فالندبة تحتاج إلى من يراها، وقد يساء تفسيرها. وهذا يعيدنا مرة أخرى إلى تواضع المعرفة الذي تتعلمه الرواية ببطء: لا توجد نقطة نستطيع الوقوف فيها خارج العالم لنراه كاملاً.
حتى الحاكم لا يصل إليها.
لقد تعرض للإهانة والعنف، لكنه لا يصبح بذلك صاحب معرفة مطلقة بالضحايا. لقد عبر الحدود، لكنه لا يصبح بربرياً. لقد تمرد على جول، لكنه لا يصبح بريئاً من تاريخه داخل الإمبراطورية. لقد دفع ثمناً، لكن الثمن لا يمحو الماضي.
وهذا ما يجعل شخصيته إنسانية على نحو عميق.
إنه لا يتطهر.
يتغير.
والفرق بين الكلمتين مهم.
التطهر يعني أن الإنسان يستطيع أن يصل إلى نقطة يصبح عندها خالياً من تاريخ تواطئه. أما التغير فيعني أنه يحمل ذلك التاريخ معه لكنه لم يعد قادراً على العيش بالطريقة نفسها داخله.
ربما يكون هذا هو الشكل الأخلاقي الأكثر صدقاً الذي تمنحه الرواية: ليس براءة متأخرة، وإنما وعي لا يستطيع العودة إلى جهله السابق.
ومن هنا أيضاً يصبح فشل الحاكم في الوصول إلى يقين نهائي جزءاً من نضجه. لقد بدأ الرواية رجلاً يعيش داخل نظام يعرف فيه تقريباً مكان كل شيء: الإمبراطورية هنا، البرابرة هناك، هو الحاكم، والحدود ثابتة، والحياة ستستمر.
ثم يبدأ كل اسم في الانهيار.
البربري قد يكون ضحية.
الحاكم قد يصبح سجيناً.
الحامي قد يصبح جلاداً.
الحدود يمكن عبورها.
والإمبراطورية يمكن أن تخاف.
والحقيقة يمكن أن تكون أقل وضوحاً مما تدعيه السلطة.
هكذا تتحول الرواية كلها إلى عملية تفكيك للأسماء التي كان العالم يبدو مستقراً بفضلها.
لكن الاسم الأخير الذي ينبغي تفكيكه هو الانتظار.
فالانتظار يبدو كأن موضوعه المستقبل: نحن هنا الآن، والبرابرة سيأتون لاحقاً. لكن ما تكشفه الرواية هو أن الانتظار يغير الحاضر قبل وصول ما ننتظره. ولهذا لا يمكن القول إن «شيئاً لم يحدث» لأن البرابرة لم يأتوا بالطريقة المتوقعة.
لقد حدث كل شيء تقريباً أثناء الانتظار.
تعرض الناس للتعذيب.
تحرك الجيش.
تغيرت البلدة.
سقط الحاكم.
انهارت الثقة.
تغيرت العلاقات.
وظهرت هشاشة الإمبراطورية.
لم يكن الانتظار زمناً فارغاً بين حدثين.
كان هو الحدث.
وهذه ربما النقطة التي يلتقي عندها كوتزي مع كفافيس ثم يتجاوزه. في قصيدة كفافيس تصبح عدم مجيء البرابرة أزمة لأن المجتمع كان يحتاج إليهم بوصفهم حلاً. أما عند كوتزي، فإن الإمبراطورية لا تكتفي بانتظار الحل أو الخطر؛ إنها تعيد تشكيل نفسها وفقاً له حتى قبل أن يأتي.
ومن هنا يمكننا أن نسأل: ما الذي كانت الإمبراطورية تنتظره حقاً؟
ربما لم تكن تنتظر شعباً قادماً من الصحراء.
ربما كانت تنتظر نهايتها.
فالآثار التي يحفر عنها الحاكم تقول إن عوالم أخرى كانت هنا ثم اختفت. والإمبراطورية، مثل كل سلطة تريد أن تتخيل نفسها دائمة، لا تستطيع قبول أنها ستصبح هي الأخرى طبقة من الماضي.
لذلك تبحث عن سبب خارجي لفنائها.
تريد بربرياً يأتي ويهدم الأسوار.
لكن كوتزي يقدم احتمالاً أكثر إزعاجاً: ربما لا تحتاج الإمبراطورية إلى من يهدمها من الخارج، لأنها تستطيع أن تبدأ في هدم نفسها وهي تحاول منع سقوطها.
الخوف يدفعها إلى العنف.
العنف يولد العداء.
العداء يبرر مزيداً من الخوف.
ثم تصبح الآلة التي صممت لحماية النظام واحدة من القوى التي تفككه.
بهذا المعنى، فإن البربري الذي تخشاه الإمبراطورية قد يكون صورة ألقتها خارج نفسها لكي لا ترى ما يحدث داخلها.
وهنا نعود إلى المرآة.
ربما كان الآخر ضرورياً للإمبراطورية ليس لأنه يخبرها من هو، بل لأنه يسمح لها بأن تخبر نفسها من تكون. تقول: هو بربري، إذاً أنا متحضرة. هو فوضى، إذاً أنا نظام. هو عنف، إذاً أنا قانون.
لكن ماذا يحدث حين تنظر في المرآة فترى التعذيب في جانبها هي؟
هذه هي اللحظة التي لا تستطيع الإمبراطورية احتمالها.
والحاكم يصبح خطيراً لأنه بدأ ينظر.
ليس لأنه يملك جيشاً.
ولا لأنه يقود ثورة.
بل لأنه لم يعد يستطيع أن يرى الصورة التي تقدمها الإمبراطورية عن نفسها من دون أن يرى الجسد الذي أخفته تلك الصورة.
ومن هنا تكتسب رواية كوتزي قوتها التي تتجاوز زمن كتابتها. فهي لا تقدم لنا درساً سياسياً جاهزاً عن دولة بعينها، ولا تقول إن التاريخ يعيد نفسه بالطريقة ذاتها في كل مكان. إنها تقدم شيئاً أكثر ديمومة: تشريحاً للطريقة التي يستطيع بها الخوف أن يتحول إلى لغة، واللغة إلى تصنيف، والتصنيف إلى استثناء، والاستثناء إلى عنف.
وفي كل مرحلة يستطيع الإنسان أن يقنع نفسه بأنه لا يفعل إلا ما هو ضروري.
وهذه هي الخطورة.
فالشر في الرواية لا يحتاج دائماً إلى رجل يقول: أريد أن أكون شريراً. يكفي أحياناً رجل يقول: أريد الحقيقة. أو دولة تقول: أريد الأمن. أو جماعة تقول: نريد حماية طريقة حياتنا.
السؤال الأخلاقي يبدأ بعد ذلك:
بأي ثمن؟
ومن سيدفعه؟
ومن يملك حق تحديد أن هذا الثمن ضروري؟
ولهذا لا يمكن أن تنتهي الرواية بإجابة عن هوية البرابرة. لو فعلت ذلك لخانت سؤالها.
إنها تنتهي بدلاً من ذلك بالإنسان الذي لم يعد يعرف الطريق كما كان يظن أنه يعرفه، وبالعالم الذي لم تعد أسماؤه القديمة كافية لفهمه، وبالصورة غير المكتملة في الثلج.
وقد يكون في هذا شيء من الحكمة التي لا تريد أن تسمي نفسها حكمة.
فالإنسان لا يصبح أكثر أخلاقية بالضرورة حين يمتلك إجابات أكثر. قد يبدأ التغير الأخلاقي في اللحظة التي يدرك فيها أن بعض يقينه كان عنفاً متنكراً في هيئة معرفة.
وأن الآخر لا يحتاج إلى أن يصبح نسخة منه لكي يستحق الرحمة.
وأن الحدود التي ترسمها الدول لا ترسم بالضرورة حدود الإنسانية.
وأن الحضارة ليست اسماً نحمله، بل امتحاناً يتكرر كلما وقف أمامنا إنسان نستطيع إيذاءه.
عندئذ يصبح عنوان رواية في انتظار البرابرة سؤالاً موجهاً إلينا نحن، لا إلى الإمبراطورية وحدها.
من الذين نضعهم وراء الحدود؟
من الذين نحتاج إلى تسميتهم مختلفين لكي نشعر باليقين تجاه أنفسنا؟
وما القصص التي نرويها عنهم قبل أن نلتقيهم؟
ثم يأتي السؤال الأخير، وربما الأكثر إزعاجاً:
ماذا لو انتظرنا البرابرة طويلاً، ثم اكتشفنا أن الشيء الذي كان ينبغي أن نخشاه لم يكن وصولهم، بل ما أصبحنا نحن عليه أثناء انتظارهم؟
هنا تنتهي رواية كوتزي، لكن سؤالها لا ينتهي.
لأن البربري الذي تقصده الرواية في أعمق مستوياتها ليس اسماً لشعب يقيم خلف الصحراء، وإنما احتمالاً يسكن كل نظام وكل جماعة وكل إنسان حين تصبح صورة الآخر أهم من إنسانيته، وحين يتحول الخوف إلى إذن بالعنف، وحين تصبح الحضارة كلمة نستخدمها لكي نعفي أنفسنا من امتحان أن نكون متحضرين.
ولعل هذا هو السبب في أن البرابرة لا يحتاجون في النهاية إلى الوصول.
يكفي أن ننتظرهم بالطريقة الخطأ.
الهوامش
David Attwell, J. M. Coetzee: South Africa and the Politics of Writing, Berkeley: University of California Press, 1993.
Dominic Head, J. M. Coetzee, Cambridge: Cambridge University Press, 1997.
Edward W. Said, Orientalism, New York: Pantheon Books, 1978.
Frantz Fanon, The Wretched of the Earth, trans. Constance Farrington, New York: Grove Press, 1963.
Gayatri Chakravorty Spivak, “Ethics and Politics in Tagore, Coetzee, and Certain Scenes of Teaching,” Diacritics, Vol. 32, Nos. 3–4, 2002, pp. 17–31.
.Michael Valdez Moses, “The Mark of Empire: Writing, History, and Torture in Coetzee’s Waiting for the Barbarians,” The Kenyon Review, Vol. 15, No. 1, 1993, pp. 115–127.
Susan Van Zanten Gallagher, “Torture and the Novel: J. M. Coetzee’s Waiting for the Barbarians,” Contemporary Literature, Vol. 29, No. 2, 1988, pp. 277–285.
Susan Van Zanten Gallagher, A Story of South Africa: J. M. Coetzee’s Fiction in Context, Cambridge, MA: Harvard University Press, 1991
#محمد_نجيب_السعد (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟