أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - كمال غبريال - الشخصية المصرية — مقاربة موضوعية















المزيد.....

الشخصية المصرية — مقاربة موضوعية


كمال غبريال
كاتب سياسي وروائي

(Kamal Ghobrial)


الحوار المتمدن-العدد: 8836 - 2026 / 9 / 22 - 10:33
المحور: قضايا ثقافية
    


أولًا: هل توجد أصلًا «شخصية مصرية»؟
ليس المقصود أن جميع المصريين متشابهون، فهذا غير صحيح. المقصود احتمال وجود توزيع من السمات النفسية والاجتماعية والسلوكية أكثر شيوعًا في المجتمع المصري من مجتمعات أخرى، تشكل عبر تفاعل طويل بين الجغرافيا والاقتصاد والسياسة والدين والأسرة والتعليم وأنماط السلطة.
وهذا يختلف تمامًا عن القول بوجود «جوهر مصري» ثابت في الدم. لذلك يجب التمييز بين:
* الصفات البيولوجية؛
* الثقافة والقيم؛
* السلوك المتعلم؛
* المؤسسات والحوافز؛
* والصورة التي يكونها المجتمع عن نفسه.
اختلاط هذه المستويات هو أحد أسباب الالتباس في الحديث عن «الشخصية المصرية».
ومع ذلك، فالسؤال نفسه مشروع؛ إذ يمكن دراسة الفروق في الثقة والتعاون والعلاقات الاجتماعية وأنماط السلوك بين المجتمعات.

ثانيًا: مصر ليست شعبًا «نقيًا» — ولكن ماذا يعني ذلك؟
مصر منطقة اتصال تاريخية بين إفريقيا وآسيا والبحر المتوسط، وشهدت عبر تاريخها تحركات سكانية وتفاعلات حضارية متكررة. وتشير الدراسات الجينية الحديثة إلى تاريخ سكاني معقد يجمع بين الاستمرارية والتغير. لكن هذه الدراسات لا تسمح بالقول إن المصريين «شعب خليط بلا شخصية»، كما لا تسمح بالقول إنهم حافظوا على نقاء عرقي.

ثالثًا: هل التعدد سبب للانحطاط؟
قد تكون فرضية أن تراكم الشعوب والثقافات أدى إلى قدر من التفكك الداخلي صحيحة، لكن مجرد إثبات أن مصر تعرضت لهجرات وغزوات وتغيرات ثقافية لا يثبتها. علينا أن نسأل:
ماذا حدث في المجتمعات الأخرى التي تعرضت بدورها لتنوع سكاني وثقافي شديد؟
فالتنوع وحده لا يؤدي بالضرورة إلى الانحطاط. والتاريخ يقدم أمثلة لمجتمعات شديدة التنوع استطاعت بناء مؤسسات واقتصادات ومعارف متقدمة. وأوضح مثال لهذا التركيبة الأمريكية بالغة التنوع والثراء الحضاري معاً. إذن لا يمكن صياغة القانون هكذا: التنوع ← الانحطاط.
لكن يمكن صياغة فرضية أكثر دقة:
المشكلة ليست في التعدد ذاته، وإنما في كيفية دمج العناصر المختلفة داخل تركيب اجتماعي وثقافي جديد.

رابعًا: التراكم أم التركيب؟
ربما لم يكن تاريخ مصر تاريخ «انصهار» بقدر ما كان تاريخ تراكم طبقات.
الفرعونية، ثم اليونانية والرومانية، ثم المسيحية المصرية، ثم العربية والإسلامية، ثم العثمانية، ثم التأثير الأوروبي والحداثة.
لكن السؤال الحقيقي ليس: ماذا جاءت به الطبقة الجديدة؟
بل: ماذا حدث للطبقة السابقة عندما جاءت الجديدة؟
هل اندمجت في تركيب جديد؟
هل أعيد تفسيرها؟
هل أصبحت جزءًا من هوية حديثة؟
أم ظلت الطبقات المختلفة حاضرة جنبًا إلى جنب؟
قد يحمل المصري المعاصر في داخله انتماءات وقيمًا متعددة: الأسرة، الدين، المحلية، المصرية، العربية، الحداثة، التراث، والسلطة التقليدية.
وجود هذه العناصر ليس مشكلة في ذاته.
المشكلة المحتملة هي غياب الإطار الفكري الذي ينظم علاقتها ببعضها.

خامسًا: هل هناك انقسام في منظومة القيم؟
من أكثر الفرضيات التي تستحق الاختبار أن الإنسان قد يتبنى مبادئ مختلفة باختلاف الموقف.
قد يطالب بدولة القانون ثم يستخدم الواسطة.
يرفض الفساد ثم يعتبر التحايل «شطارة» إذا خدم مصلحته.
يطالب بالعدل ثم يبحث عن استثناء لنفسه أو لأقاربه.
يمجد العلم ثم يرفض نتيجة علمية لأنها تخالف اعتقادًا سابقًا.
إذا كانت هذه الظاهرة واسعة فعلًا، فالمشكلة ليست مجرد فساد أخلاقي، بل ازدواج في معايير الحكم.
أي أن الإنسان لا يستخدم المبدأ نفسه على نفسه وعلى الآخرين.
والسؤال هنا ليس: هل المصري طيب أم فاسد؟
بل: هل يمتلك المجتمع معايير عامة يستطيع تطبيقها على نفسه كما يطبقها على الآخرين؟

سادسًا: الواسطة — عيب أخلاقي أم استراتيجية تكيف؟
الواسطة ليست ظاهرة مصرية خالصة، وقد تناولتها الدراسات الاجتماعية والاقتصادية باعتبارها وسيلة للوصول إلى الموارد والوظائف في بيئات تكون فيها المؤسسات الرسمية غير كافية أو غير موثوقة.
ومن الخطأ إذن أن نقول: المصري يستخدم الواسطة لأنه فاسد بطبيعته.
قد يكون السلوك عقلانيًا على المستوى الفردي.
فإذا كان الإنسان يعتقد أن النظام الرسمي لا يضمن له حقه، فسوف يلجأ إلى شبكة الأسرة والمعارف.
وهنا تظهر مفارقة مهمة: السلوك الذي قد يكون عقلانيًا للفرد يمكن أن يكون مدمرًا للمؤسسة إذا أصبح سلوكًا جماعيًا. فإذا توقع الجميع أن الآخرين سيستخدمون الواسطة، يصبح الامتناع عنها مخاطرة.
وهكذا تتحول الاستراتيجية الفردية إلى مشكلة جماعية.

سابعًا: الشخصية أم المؤسسة؟
هنا ندخل في دائرة سببية يصعب اختزالها:
الشخصية تؤثر في المؤسسات، والمؤسسات تؤثر في الشخصية. فقد تبدأ الظروف التاريخية أو السياسية أو الاقتصادية بإنتاج مؤسسات معينة، ثم تكافئ تلك المؤسسات سلوكيات معينة، وتتحول السلوكيات مع الزمن إلى عادات وثقافة، ثم تعيد الثقافة إنتاج المؤسسات نفسها. وبذلك يصبح من الخطأ القول:
«المصري هكذا بسبب النظام.»
كما يصبح من الخطأ القول:
«النظام هكذا لأن المصري هكذا.»
قد يكون الاثنان جزءًا من دائرة واحدة.

ثامنًا: هل الثقافة قادرة على الاستمرار عبر الأجيال؟
بالتأكيد، من حيث المبدأ.
فاللغة والدين وأساليب التربية وعلاقة الفرد بالأسرة والسلطة والقانون يمكن أن تنتقل من جيل إلى آخر.
لكن يجب التمييز بين الاستمرار الثقافي والثبات الجوهري.
كون نمط اجتماعي عمره مئات السنين لا يعني أنه موجود في «طبيعة المصري». فقد يكون تقليدًا شديد الرسوخ. وهذا فارق جوهري؛ لأن الثقافة قابلة للتغير، حتى لو كان تغييرها صعبًا.

تاسعًا: الفرضية الجينية — لا نثبتها ولا ننفيها بلا دليل
إذا أردنا الصدق العلمي الكامل، فلا ينبغي أن نستبعد مسبقًا احتمال وجود فروق جينية بين المجموعات البشرية يمكن أن تؤثر في بعض الصفات النفسية أو المعرفية. فالقدرات المعرفية نفسها لها مكونات وراثية معروفة، وهي صفات معقدة تتأثر بعدد كبير من المتغيرات الجينية والبيئية.
لكن هذا شيء، والقول: «المصريون يحملون جينات تجعلهم أقل قدرة حضارية»، شيء آخر تمامًا.
حتى الآن لا توجد أدلة علمية مباشرة تثبت هذه الفرضية بالنسبة إلى المصريين. لكن عدم إثباتها لا يعني إثبات استحالتها. وهذا فرق منهجي يجب المحافظة عليه.
كما أن عبارة «القدرة الحضارية» نفسها ليست متغيرًا علميًا واحدًا. هل نتحدث عن الذكاء؟ الابتكار؟ الانضباط؟ التعاون؟ الثقة؟ بناء المؤسسات؟ التفكير النقدي؟. . كل من هذه متغير مختلف.
وحتى لو اكتُشف مستقبلًا اختلاف جيني متوسط في صفة معينة، فسيظل علينا إثبات سلسلة كاملة:
اختلاف جيني —> اختلاف في صفة محددة —> أثر سلوكي —> أثر مؤسسي —> أثر حضاري.
كل حلقة من هذه تحتاج إلى دليل مستقل.
كما أن الدرجات الجينية متعددة الجينات لا تنتقل ببساطة من مجموعة سكانية إلى أخرى، وتتأثر دقتها بالاختلافات الجينية والبيئية والاجتماعية بين المجموعات. وبصورة عامة العامل الجيني فرضية مفتوحة للبحث، وليس حقيقة مثبتة ولا حقيقة منفية.

عاشرًا: الثقافة يمكن أن تصبح «طبيعة ثانية»
الإنسان لا يولد وهو يعرف الواسطة، ولا يولد وهو يرى التحايل على القانون أمرًا طبيعيًا، ولا يولد وهو يخاف من السؤال. هذه أشياء يتعلمها. لكن ما يتعلمه الطفل مبكرًا يمكن أن يصبح جزءًا عميقًا من شخصيته حتى يبدو له طبيعيًا.
إذا تعلم أن «الأكبر لا يُناقش»، قد يصبح أكثر خضوعًا للسلطة.
وإذا تعلم أن «المهم أن تنجح بأي طريقة»، قد ينظر إلى القاعدة باعتبارها عقبة.
وإذا تعلم أن الحفاظ على صورة الأسرة أهم من مواجهة الخطأ، فقد يتعلم إخفاء التناقض بدل إصلاحه.
هذه ليست جينات. لكنها أيضًا ليست سلوكيات عابرة. إنها آليات لإعادة الإنتاج الثقافي.

الحادي عشر: أزمة العقل قبل أزمة الأخلاق
قد تكون المشكلة أعمق من الفساد والفوضى وضعف التعليم. قد تكون في طريقة تكوين الإنسان الفرد لأحكامه نفسها.
هل يبحث الإنسان عن الحقيقة ثم يغير موقفه وفقًا لها؟
أم يبدأ بموقف مسبق ثم يستخدم عقله للدفاع عنه؟
العقل يمكن أن يكون أداة للبحث، لكنه يمكن أيضًا أن يصبح محاميًا للمصلحة أو خادمًا للسلطة أو حارسًا للتقاليد. وعندها لا يصبح الذكاء مشكلة، بل طريقة استخدام الذكاء.
وهذه ليست ظاهرة مصرية بالضرورة، لكن السؤال الذي يستحق البحث هو:
إلى أي مدى أصبح هذا النمط جزءًا من الثقافة العامة المصرية؟

الثاني عشر: المقدس والسلطة والمصلحة
المسألة هنا ليست مهاجمة الدين، وإنما دراسة العلاقة بين القداسة والنقد. ماذا يحدث عندما تصبح فكرة ما محصنة ضد السؤال لأنها مقدسة؟
والمشكلة لا تقتصر على الدين. قد يصبح الوطن مقدسًا، أو الزعيم، أو العائلة، أو التراث، أو الأيديولوجيا. وحتى العقلانية نفسها يمكن أن تتحول إلى عقيدة مغلقة إذا رفض أصحابها مراجعة افتراضاتهم.
إذن المشكلة ليست وجود المقدس، وإنما: تحويل فكرة ما إلى منطقة محظورة على النقد.

الثالث عشر: «الفهلوة» كتكيف اجتماعي
في بيئة مستقرة تحكمها قواعد واضحة، يكون الالتزام بالقواعد استراتيجية فعالة. أما إذا شعر الفرد أن القواعد لا تطبق بالتساوي، فقد تصبح معرفة الأشخاص والعلاقات والقدرة على الالتفاف حول العقبات ذات قيمة عالية. وهكذا يمكن أن تصبح «الفهلوة»: تكيفًا ناجحًا للفرد، لكنه مدمر للمؤسسة.
فالشخص قد لا يكون سيئًا لأنه يتحايل؛ ربما تعلم أن التحايل هو الوسيلة الأكثر فعالية لتحقيق هدفه. لكن عندما تصبح هذه الاستراتيجية عامة، فإنها تقوض الثقة بالقواعد وتزيد صعوبة بناء مؤسسات مستقرة.
وهنا يتحول التكيف إلى فخ. ولعل "الفهلوة" هي أخطر الڤيروسات التي تفتك بعمل المؤسسات المصرية باختلاف أنواعها وتخصصاتها.

الرابع عشر: لماذا ينجح بعض المصريين خارج مصر؟
هذه نقطة اختبار مهمة لأي نظرية عن الشخصية المصرية.
إذا كانت هناك طبيعة مصرية تجعل المصري غير قادر على الانضباط أو البحث أو الابتكار، فمن المفترض أن تظل هذه المشكلة معه أينما ذهب.
أما إذا تغير سلوكه بصورة ملحوظة في بيئة مختلفة، فهذا دليل مهم على أثر البيئة.
لكن ليس دليلًا على أن البيئة هي العامل الوحيد.
فالمهاجرون ليسوا عينة عشوائية بالضرورة، كما أن البيئة الجديدة تغير الحوافز والقواعد والفرص، وقد تغير بعض السلوكيات دون أن تمحو جميع السمات الثقافية.
إذن نجاح المصري في الخارج يضعف الحتمية الشخصية البسيطة، لكنه لا يلغي دور الشخصية والثقافة.

الخامس عشر: الاختبار الحقيقي هو القدرة على التنبؤ
إذا قلنا إن «الشخصية المصرية» سبب للأزمة، فعلينا أن نسأل:
هل نستطيع تحديد سماتها مسبقًا وقياسها؟
وهل تستطيع النظرية تفسير اختلاف السلوك بين:
* الأجيال؟
* الطبقات الاجتماعية؟
* الريف والمدينة؟
* مستويات التعليم؟
* المؤسسات المختلفة؟
* المصريين المقيمين في مصر والمهاجرين؟
* المصريين الذين نشأوا في مصر والذين نشأوا في بيئات أخرى؟
إذا لم تستطع النظرية ذلك، فقد تكون «الشخصية المصرية» مجرد اسم نطلقه على النتيجة بعد وقوعها.
وهذا من أخطر أخطاء التفسير الاجتماعي: أن نسمي الظاهرة ثم نتوهم أننا فسرناها.

السادس عشر: ماذا نستطيع الآن أن نقول
لا نستطيع علميًا أن نقول: المصريون متراجعون لأنهم خليط من شعوب كثيرة.
ولا نستطيع أن نقول: المصريون متراجعون لأنهم لم يتأثروا بالآخرين بما يكفي.
ولا نستطيع أن نقول: كل المشكلة في السلطة والمؤسسات.
ولا نستطيع، في المقابل، أن نقول إن الشخصية المصرية هي السبب الجوهري للتراجع.
كل هذه استنتاجات أكبر من الأدلة المتاحة.
لكن يمكننا أن نقول إن مصر تمتلك تاريخًا سكانيًا وثقافيًا معقدًا، وأن أنماطًا مثل الثقة والشبكات الاجتماعية والواسطة والعلاقة بالمؤسسات تستحق الدراسة، وأن العادات والمعايير الاجتماعية يمكن أن تنتقل عبر الأجيال.

ويبقى السؤال: ما نسبة ما يعود إلى الثقافة؟
وما نسبة ما يعود إلى المؤسسات؟
وما نسبة ما يعود إلى التربية؟
وما نسبة ما يمكن أن تكون له مكونات بيولوجية؟ وكيف تتفاعل هذه العوامل؟
هذا هو السؤال الحقيقي.

السابع عشر: قد نكون أمام نظام يعيد إنتاج نفسه
ربما توجد بالفعل خصائص ثقافية مصرية مستقرة، بعضها إيجابي وبعضها سلبي.
وربما تكون بعض مؤسسات الدولة قد عززت هذه الخصائص بدل أن تغيرها.
عندها يمكن تصور دائرة من هذا النوع:

ظروف تاريخية —> مؤسسات —> سلوك تكيفي —> عادات ثقافية —> شخصية اجتماعية —> إعادة إنتاج المؤسسات.
إذا صح هذا النموذج، فنحن لا نتعامل مع «مصري سيئ» ولا مع «مصري ضحية». بل مع نظام اجتماعي يعيد إنتاج نفسه.

الثامن عشر: الحقيقة قد تكون أكثر تعقيدًا من الطرفين
قد تكون في الثقافة المصرية أنماط حقيقية من:
* تقديس السلطة؛
* أولوية الجماعة؛
* ازدواج المعايير؛
* الاعتماد على الشبكات الشخصية؛
* التسامح مع التحايل عندما يخدم المصلحة؛
* مقاومة النقد الداخلي؛
* الخلط بين الولاء والحقيقة.
لكن هذه الأنماط، إن ثبتت، قد تكون نفسها نتاج ظروف تاريخية ومؤسسية طويلة.
وهنا لا يعود السؤال: من المذنب؟
بل: ما الآلية التي أنتجت هذه الأنماط، وما الذي يجعلها تستمر؟
وهذا هو السؤال العلمي الحقيقي.

التاسع عشر: لا ينبغي إنقاذ المصري من الحقيقة
هناك تعاطف يتحول إلى كذب: «المصري عظيم، لكن الظروف ضده.»
وهناك تشاؤم يتحول إلى كذب آخر: «المصري فاشل بطبيعته.»
كلاهما يقدم تفسيرًا نهائيًا قبل إجراء البحث.
العلم لا يبحث عن العبارة الأكثر إهانة ولا الأكثر مواساة، وإنما عن العبارة التي تصمد أمام الاختبار.
لذلك يجب أن نقبل احتمال أن تكون بعض جوانب الشخصية المصرية بالفعل مشكلة حقيقية.
لكن علينا أن نعرف أيها، ولماذا، وكيف، وبأي درجة.

العشرون: كيف نختبر المسألة؟
إذا أردنا دراسة الشخصية المصرية بجدية، ينبغي إجراء مقارنات منهجية في متغيرات محددة:
هل المصري أقل ثقة بالغريب؟
هل يعتمد أكثر على الأسرة والشبكات الشخصية؟
هل يستخدم العلاقات الشخصية أكثر في الحصول على الموارد؟
هل يتسامح أكثر مع مخالفة القواعد لتحقيق مصلحة شخصية؟
هل يختلف في علاقته بالسلطة؟
وهل توجد هذه الفروق فعلًا مقارنة بمجموعات أخرى؟
ثم تأتي الأسئلة الأصعب:
متى ظهرت؟
هل كانت موجودة تاريخيًا؟
هل تغيرت عبر الأجيال؟
هل تتغير عندما يعيش المصري في بيئة أخرى؟
وهل تنتقل بعض هذه الأنماط إلى الأبناء الذين ينشأون خارج مصر؟
هنا فقط يمكننا أن نبدأ في فصل أثر:
الثقافة على المؤسسة، والتربية على الاختيار الفردي، والتاريخ على البيولوجيا.

ربما كان الخطأ الأساسي في النقاش حول «الشخصية المصرية» أننا نتعامل معه كمحاكمة.
إما: المصري عظيم والظروف هي المشكلة.
أو: المصري نفسه هو المشكلة.
فالحقيقة قد تكون أكثر تعقيدًا.
قد يكون الإنسان المصري قد تشكل تاريخيًا داخل منظومة أنتجت نقاط قوة ونقاط ضعف، ثم أصبحت بعض هذه السمات نفسها جزءًا من الآلية التي تعيد إنتاج المنظومة.
إذا كان ذلك صحيحًا، فالمصري ليس مذنبًا لأنه وُلد داخلها.
لكنه يصبح مسؤولًا عن استمرارها إذا عرفها ورفض تغييرها.
وفي المقابل، لا يجوز أن نقول: «هكذا نحن بطبيعتنا.»
لأن تحويل التاريخ والثقافة إلى قدر بيولوجي يحتاج إلى دليل لا نملكه.
الأكثر صدقًا أن نقول:
لا نعرف بعد مقدار ما هو ثقافي، ومقدار ما هو مؤسسي، ومقدار ما هو تربوي، ومقدار ما هو فردي، ومقدار ما قد يكون له أساس بيولوجي.
لكن يمكننا أن نقيس ونقارن ونختبر.
وهذا هو الفارق بين نقد الشخصية المصرية وكراهية الذات. إذا كان في الشخصية المصرية عيب حقيقي، فعلينا أن نكتشفه ولا نخاف منه. وإذا كان ما نسميه عيبًا نتيجة لظروف تاريخية ومؤسسية، فعلينا ألا نحوله إلى طبيعة. وإذا كان الاثنان متداخلين، فعلينا أن نعرف كيف يتداخلان. فالغاية ليست أن نثبت أن المصري جيد أو سيئ. الغاية أن نعرف لماذا أصبح المصري كما هو. وبعد أن نعرف، يأتي السؤال الأصعب:
أي أجزاء من هذه الشخصية يجب الحفاظ عليها، وأيها يجب أن تتغير، وما الآليات التي تجعل التغيير ممكنًا؟

هنا فقط يبدأ البحث الحقيقي في أزمة الشخصية المصرية.



#كمال_غبريال (هاشتاغ)       Kamal_Ghobrial#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من أسطورة الخلق إلى مأزق الإنسان
- الذكاء الاصطناعي بين جسارة الابتكار وهدير الرفض
- ذكرى 11 سبتمبر وحماقة الإنتليجنسيا الليبرالية
- ثلاثية الإله والروح والخلود
- الأسطورة بين ماضي وحاضر تساؤلات الإنسان الوجودية
- شجرة الوعي- الإنسان وعائلته القردة العليا
- مشكلة الوعي: تحول الإشارات العصبية إلى وعي 2
- مشكلة الوعي: تحول الإشارات العصبية إلى وعي
- مركزنا في الكون… بعدما تتساقط الأوهام
- الفلسفة الطبيعية: تصور مادي للوجود والقوة والعقل
- آليات صناعة البطل الأسطوري
- إعادة صياغة العلاقة بين الفكر والمادة
- الدماغ البشري: شخصية وملكات وقدرات
- الثوابت الكونية وضبط الوجود
- جسر أينشتاين- روزين والحلم المستحيل
- العقل: من توحيد الفكر إلى إدارة الاختلاف
- إشكاليات لاهوتية
- اللاهوت بين الأمومية والأبوية: تحولات الوعي البشري وبنية الم ...
- مصر ومسيرة السقوط المقدس
- اتفاقية أوسلو والتحولات في الضفة الغربية


المزيد.....




- مضيق هرمز يستقبل كميات أكبر من النفط السعودي.. ما السبب؟
- أردوغان يدعو إلى إلغاء -الفيتو- في مجلس الأمن الدولي
- مجموعة السبع تدعو إيران إلى وقف تسليح الحوثيين وتحذر من تهدي ...
- أنظار العالم تتجه إلى نيويورك.. توتر أميركي إيراني متزايد وت ...
- -الأمور قد تخرج عن السيطرة-.. إسرائيل تستعد للمعركة وإيران ت ...
- تصعيد متواصل في الضفة.. هجمات للمستوطنين واقتحامات إسرائيلية ...
- أكثر من 5600 مواطن جديد في إيرلندا.. تجنيس واسع قبل إصلاحات ...
- أوكرانيا وإيران وغرينلاند محور لقاءات ترامب على هامش اجتماعا ...
- بزشكيان: فشلوا عسكريا ويحاولون إخضاع إيران عبر الحصار وإثارة ...
- دراسة تحذر من ارتباط النوم الطويل بزيادة خطر الوفاة


المزيد.....

- ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري / حكمت الحاج
- الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي / كريم الوائلي
- تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة / كريم الوائلي
- التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت ... / كريم الوائلي
- أزمة التعليم في العرا ق / كريم الوائلي
- منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث / كريم الوائلي
- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - كمال غبريال - الشخصية المصرية — مقاربة موضوعية