عبد الرحمن بوطيب
أديب، ناقد، قاص، شاعر (مدير مجلة امتدادات الرؤى الثقافية)
(Boutaib Abderrahman)
الحوار المتمدن-العدد: 8836 - 2026 / 9 / 22 - 09:24
المحور:
الادب والفن
= العمر بين الامتداد العددي وقصر الأثر:
إذا كان الشاعر قد حوّل في المبحث السابق التاريخ من مجرد معطى كرونولوجي إلى رحلة تكشف هشاشة الوجود الإنساني، فإنه ينتقل في هذا المقطع إلى مستوى أعمق من الوعي بالزمن، حين يضع امتداد العمر في مواجهة قصر الأثر، حيث يقول:
"كم أنت طويلة في عدد سنين، شهور، أيام، ساعات، دقائق، ثوان... ورعشات!
كم أنت قصيرة قصيرة قصيرة في عدد آثار باقيات! "
تقوم هذه العبارة على مفارقة مركزية تختزل جانبا أساسيا من فلسفة الزمن في النص: فالزمن طويل حين يقاس بالوحدات التي تعدّه، لكنه قصير حين يقاس بما يبقى منه في الوجود، وبذلك ينتقل الشاعر من سؤال المدة إلى سؤال القيمة، ومن حساب العمر إلى مساءلة ما ينتجه هذا العمر من أثر.
إن التدرج من السنين إلى الشهور ثم الأيام والساعات والدقائق والثواني يكشف عن محاولة تفكيك الزمن إلى أدق وحداته، وكأن الذات تستعيد عمرها من خلال عملية حسابية دقيقة تستحضر كل لحظة من لحظات العبور، غير أن هذا الامتداد العددي الهائل ينتهي إلى نتيجة مفارقة: كل هذه الوحدات الزمنية، على كثرتها وتراكمها، قد لا تترك وراءها إلا آثارا قليلة، وهنا تتكشف محدودية الزمن الكرونولوجي، حيث إن كثرة السنوات لا تعني بالضرورة كثافة الحضور، وطول العمر لا يضمن امتداد الإنسان في ذاكرة الآخرين.
ولعل قوة هذه الرؤية تكمن في أن الشاعر لا يجعل الزمن معيارا لقيمة الحياة، بل يستبدله بمعيار أكثر عمقا هو الأثر، فالسؤال لم يعد: (كم امتد العمر؟ وإنما: ماذا أنجز هذا العمر؟ وماذا بقي منه بعد أن عبر؟)، ومن ثم يصبح الفرق بين عدد السنين وعدد الآثار فرقا بين زمنين: (زمن يقاس، وزمن يعاش ويترك في الذاكرة).
وتتضاعف دلالة المفارقة من خلال التكرار في قوله: "قصيرة قصيرة قصيرة"، إذ لا يؤدي التكرار وظيفة تأكيدية فحسب، وإنما يجسد، على المستوى الإيقاعي والدلالي، إحساس الذات بتقلص العمر أمام اتساع الزمن، فمهما بدا العمر طويلا حين نعده لحظة بلحظة، فإنه يبدو خاطفا حين تنظر إليه الذات من موقع التأمل والاسترجاع، وهنا يصبح التكرار نفسه وسيلة فنية لمحاكاة الإحساس بانكماش الزمن وتلاشيه.
لكن الأثر في هذا السياق لا يمثل مجرد بقايا للماضي، وإنما يتحول إلى إمكان آخر لاستمرار الذات بعد انقضاء زمنها البيولوجي، فالإنسان يعيش زمنا يخضع لقانون البداية والنهاية، بينما يستطيع الأثر أن يدخل زمنا مختلفا، هو زمن الذاكرة والتداول والاستمرار، ومن هنا تتجاوز ثنائية العمر والأثر بعدها التأملي لتصبح ثنائية وجودية: (العمر هو ما ينقضي، والأثر هو ما يمكن أن يبقى).
وعلى هذا الأساس تتحدد المكانة العميقة للكتابة داخل فلسفة الزمن في شعر عبد الرحمن بوطيب، فالكتابة لا تأتي بعد الزمن بوصفها مجرد تسجيل له، وإنما تتدخل في صميم الصراع معه، إنها تمنح التجربة العابرة إمكانية أخرى للحضور، وتحول اللحظة التي استهلكها الزمن إلى علامة قابلة للاستمرار داخل اللغة، ولذلك لا تبدو القصيدة مجرد شهادة على ما عاشه الشاعر، بل تصبح وسيلة لإنقاذ شيء من ذلك العيش من المحو.
ومن هنا يمكن فهم العلاقة بين الزمن والكتابة والأثر باعتبارها علاقة تحويل، فالزمن يستهلك التجربة، والكتابة تستعيدها، والنص يحولها إلى أثر، وما كان لحظة عابرة في الحياة يصبح، داخل القصيدة، قابلا لأن يعيش في زمن القراءة والتأويل، وبذلك لا يدعي الشاعر الانتصار على الزمن بمعناه المطلق، وإنما يحقق شكلا من الاستمرار الرمزي، حيث ينتقل جزء من وجوده من الزمن البيولوجي المحدود إلى زمن النص المفتوح على القراءات اللاحقة.
إن المفارقة بين طول العمر وقصر الأثر تكشف، في نهاية المطاف، أن قيمة الحياة لا تكمن في مقدار ما استهلكته من زمن، وإنما في مقدار ما استطاعت أن تحوله إلى معنى. فالعمر قد يكون طويلا في الحساب، لكنه سريع الانقضاء في الذاكرة، بينما قد تكون لحظة واحدة كثيفة التجربة أقدر على البقاء من سنوات كاملة، وهنا يبلغ الوعي الزمني في النص مستوى فلسفيا يتجاوز سؤال العمر إلى سؤال الأثر والخلود الرمزي.
وعليه، فإن الزمن عند عبد الرحمن بوطيب لا يفهم فقط بوصفه حركة من الماضي إلى المستقبل، وإنما بوصفه مسارا تتحول فيه الحياة من مدة إلى تجربة، ومن تجربة إلى ذاكرة، ومن ذاكرة إلى كتابة، ومن كتابة إلى أثر، وبقدر ما ينتهي الزمن البيولوجي للإنسان، تظل الكتابة تفتح أمامه إمكانا آخر للاستمرار، ذلك أن ما يعجز الجسد عن الاحتفاظ به قد تنجح اللغة في إنقاذه من العبور.
= "الآن" ومحاولة القبض على اللحظة الهاربة:
إذا كان الشاعر قد واجه في المقطع السابق الزمن من خلال مفارقة العمر والأثر، فإنه ينتقل هنا إلى أكثر الوحدات الزمنية قربا من الذات وأشدها هشاشة: "الآن"... يقول: (" الآنَ الآنَ وليس غدا...)،
تبدو هذه العبارة، في ظاهرها، إعلانا عن أولوية الحاضر، غير أن تأملها في سياق "رؤى عبور" يكشف عن دلالة أعمق، فالشاعر لا يستحضر "الآن" باعتباره مجرد لحظة تقع بين ماض انقضى ومستقبل لم يأتِ، وإنما يستحضره بوصفه الزمن الوحيد الذي يمكن للذات أن تعيشه، وفي الوقت نفسه الزمن الذي يستحيل عليها الاحتفاظ به.
وهنا تتولد المفارقة الأساسية: الآن هو أكثر الأزمنة حضورا، لكنه أكثرها قابلية للغياب، فما إن تنطق الذات به حتى يكون قد بدأ في التحول إلى ماضٍ، وما إن تحاول الإمساك به حتى يكون قد أفلت منها. ولذلك فإن تكرار الشاعر للفظة "الآن" لا يبدو مجرد توكيد بلاغي، وإنما يحمل في بنيته العميقة رغبة في تثبيت لحظة تعرف الذات أنها عابرة بطبيعتها.
إن قول الشاعر: "الآن الآن" يضاعف حضور اللحظة، وكأن التكرار محاولة لإبطاء حركتها، أو لإطالة زمنها، أو لمنحها فرصة إضافية قبل أن تنزلق إلى الماضي، فاللفظة الأولى تستدعي "الآن"، والثانية تبدو كأنها محاولة للإبقاء عليه، وبين اللفظتين يتحرك وعي الشاعر بالزمن، وعي يريد أن يقبض على اللحظة، ووعي ثان يعرف أن القبض عليها مستحيل، ويزداد هذا المعنى وضوحا في قوله: " وليس غدا"، فالمقابلة بين "الآن" و"غدا" ليست مجرد مقابلة بين الحاضر والمستقبل، وإنما هي مواجهة بين زمن حاضر قابل للعيش وزمن مستقبلي قابل للاحتمال فقط، فالغد لم يصل بعد، ولذلك لا يمكن امتلاكه أو ضمانه، بينما "الآن" هو المجال الوحيد الذي تملك الذات إمكانية الفعل داخله.
ومن هنا يبدو الإصرار على الحاضر نوعا من استعادة المبادرة أمام زمن لا يكف عن الانفلات، غير أن الشاعر لا يقع في وهم امتلاك الحاضر، فهو يدرك، ضمنيا، أن "الآن" نفسه ليس نقطة ثابتة، بل حركة مستمرة، إن الحاضر لا يقيم في مكانه، وإنما يتحول في كل لحظة إلى ماضٍ جديد، ولذلك فإن وعي الإنسان بالحاضر يحمل في داخله وعيا بفقدانه، وما نعيشه الآن لا يصبح ملكا لنا إلا بعد أن يفلت منا.
ومن هذه الزاوية، تكتسب الكتابة وظيفتها الوجودية داخل النص، فإذا كان الزمن لا يسمح للإنسان بأن يحتفظ بلحظاته، فإن القصيدة تحاول أن تمنح تلك اللحظات شكلا آخر من أشكال البقاء... الكتابة لا توقف الزمن، لكنها توقف أثر اللحظة في اللغة، إنها لا تمنع "الآن" من أن يصبح "أمسا"، وإنما تحول دون اختفائه الكامل بعد أن يصبح ماضيا.
وهنا تتضح العلاقة العميقة بين "الآن" والكتابة، فالقصيدة تلتقط اللحظة في أثناء عبورها، ثم تعيد تقديمها في صيغة لغوية تستطيع أن تتجاوز زمن حدوثها، وما كان في الأصل لحظة عابرة في حياة الشاعر يصبح، داخل النص، لحظة مفتوحة على أزمنة أخرى، إذ يستطيع القارئ أن يلتقي بها بعد سنوات، وربما بعد عقود، وكأن الزمن الذي انقضى في الواقع قد استعاد حضوره داخل اللغة.
وبذلك تتحول الكتابة إلى مقاومة رمزية للزمن المتسرب، إنها لا تنتصر على الزمن بإيقافه، لأن ذلك مستحيل، وإنما تنتصر عليه بتحويل ما يستهلكه إلى ما يمكن استعادته، فالزمن يأخذ اللحظة من صاحبها، بينما تمنحها الكتابة إمكانية جديدة للوجود، ومن هنا لا تكون القصيدة مجرد وعاء للذكرى، بل تصبح فضاء لإعادة إنتاج الزمن نفسه.
ولعل هذا ما يجعل "الآن" في "رؤى عبور" أكثر من مجرد ظرف زمني، إنه عتبة بين الوجود والزوال، بين الحضور والغياب، بين ما نعيشه وما نفقده بمجرد عيشه، فالذات حين تقول "الآن" تعلن حضورها في العالم، لكنها في اللحظة نفسها تواجه حقيقة أن هذا الحضور مؤقت، ولذلك فإن تكرار "الآن" يمكن قراءته بوصفه رغبة في تأكيد الوجود أمام حركة الزمن، وكأن الشاعر يقول: إن كنت لا أستطيع أن أوقف الزمن، فإنني أستطيع على الأقل أن أشهد على حضوري فيه.
ومن ثم يتخذ "الآن" بعدا وجوديا واضحا، إنه اللحظة التي يتقاطع فيها الزمن البيولوجي مع الزمن النفسي والزمن الشعري، حيث يشعر الإنسان فيه بمرور عمره، ويستعيد ماضيه، ويستشرف مستقبله، لكنه لا يستطيع أن يعيش إلا هذه اللحظة العابرة، ومن هنا يصبح الوعي بالحاضر وعيا مكثفا بالزمن كله، لأن "الآن" يحمل في داخله آثار "الأمس" وإمكانات "الغد".
وعليه، فإن "الآن" عند عبد الرحمن بوطيب لا يمثل زمنا مستقرا، وإنما يمثل لحظة مقاومة داخل العبور: مقاومة الذات لفقدان اللحظة، ومقاومة الذاكرة للنسيان، ومقاومة الكتابة لمحو الزمن، فالقصيدة لا تدّعي أنها تستطيع إيقاف الزمن، لكنها تستطيع أن تمنح اللحظة التي عبرت أثرا يتجاوز لحظة حدوثها.
وهكذا تتقدم فلسفة الزمن في "رؤى عبور" خطوة أخرى، فإذا كان العمر يقاس بالسنوات، وكان الأثر هو ما يبقى بعد انقضاء السنوات، فإن "الآن" هو اللحظة التي تتحول فيها الحياة إلى مادة قابلة لأن تصبح أثرا، فالزمن يعبر، واللحظة تفلت، لكن اللغة تستطيع أن تلتقط صدى العبور، وبذلك يصبح الشعر محاولة لا لإيقاف الزمن، وإنما لإنقاذ الإنسان من أن يمر فيه دون أثر.
= تداخل الأزمنة وتحرير الوعي من الخطية:
بعد أن ظهر "الآن" في "رؤى عبور" بوصفه محاولة للقبض على اللحظة الهاربة، يتسع البناء الزمني في النص ليتجاوز الحاضر المفرد نحو تداخل الأزمنة وتراكبها داخل الوعي الشعري، فالشاعر يستحضر مؤشرات زمنية متعددة من قبيل "أمس، واليوم، وغدا، والآن"، غير أن هذه العلامات لا تنتظم في مسار خطي ينتقل بصورة هادئة من الماضي إلى الحاضر ثم إلى المستقبل، وإنما تتقاطع وتتداخل بحيث يصبح كل زمن حاملا لآثار الأزمنة الأخرى.
ويبلغ هذا التداخل درجة لافتة في قوله: "ما الحكايات الْكانتْ أمسِ غدا اليومَ..."، فالجملة نفسها تبدو وكأنها تعيد ترتيب الزمن من الداخل، حيث يتجاور "أمس" و"غدا" و"اليوم" داخل تركيب واحد، وتتراجع الحدود الفاصلة بينها، وما كان ماضيا يمكن أن يتحول إلى مستقبل، وما يبدو مستقبلا يمكن أن يستعيد شيئا من الماضي، بينما يحتل الحاضر موقعا وسطيا لا بوصفه نقطة مستقرة، وإنما باعتباره فضاء تتقاطع فيه الذاكرة والاستشراف والحضور.
إن أهمية هذا التشكيل لا تكمن في غرابته اللغوية فحسب، وإنما في كونه يكشف عن تصور مغاير لطبيعة الزمن، فالزمن في التجربة الشعرية ليس مجموعة من الخانات المنفصلة، لكل واحدة منها موقعها الثابت، وإنما هو حركة مستمرة داخل الوعي، ولذلك فإن الأمس لا يبقى في الماضي بمجرد انقضائه، كما أن الغد لا يوجد فقط في المستقبل، فكلاهما يستطيع أن يحضر في الحاضر من خلال الذاكرة والتوقع والحنين والخوف والرجاء.
ومن هنا يمكن القول إن الشاعر لا يستعيد الماضي، بل يستعيده من داخل حاضره، فالذاكرة لا تعمل بوصفها آلة تسجيل تعيد إنتاج الأحداث كما وقعت، وإنما بوصفها قوة انتقائية وتأويلية تعيد تشكيل الماضي وفق ما أصبحت عليه الذات في لحظة التذكر، ولهذا فإن الماضي الذي يظهر في القصيدة ليس بالضرورة الماضي التاريخي المحض، وإنما هو الماضي كما بقي في الوعي، وكما أعاد الحاضر اكتشافه وتأويله.
والأمر نفسه ينطبق على المستقبل، "فغدا" لا يظهر بوصفه زمنا منفصلا عن التجربة السابقة، وإنما يتشكل من داخلها، فالإنسان لا يتخيل المستقبل من فراغ، بل يبنيه من ذاكرته، ومن تجاربه، ومن مخاوفه وآماله وانتظاراته، ولذلك فإن المستقبل في "رؤى عبور" يبدو حاملا لآثار الماضي بقدر ما هو انفتاح على المجهول.
وبهذا المعنى يصبح الزمن في النص زمن الوعي لا زمن التقويم، فإذا كان التقويم يرتب الأيام والسنوات في تسلسل ثابت، فإن الوعي الإنساني يعيد ترتيبها وفق منطق مختلف تحكمه الذاكرة والتداعي والانفعال والتجربة، قد تكون ذكرى قديمة أكثر حضورا في النفس من حدث وقع بالأمس، وقد يبدو المستقبل قريبا بسبب شدة انتظاره، بينما يصبح الماضي بعيدا رغم قربه الزمني، وهكذا لا تعود المسافة الزمنية مساوية للمسافة النفسية.
ومن هنا تتخذ القصيدة شكل خريطة للوعي الزمني أكثر من كونها سجلا لتتابع الأحداث، فالشاعر لا يروي الزمن كما يتحرك في الساعة، وإنما كما يتحرك في داخله، وقد تتجاور في لحظة شعرية واحدة طفولة بعيدة، وحاضر مأزوم، ومستقبل مجهول، بحيث يصبح الزمن كله حاضرا في تجربة شعورية واحدة.
إن انهيار الخطية الزمنية هنا لا يعني الفوضى أو فقدان النظام، وإنما يعني الانتقال من النظام الكرونولوجي إلى النظام الشعوري، فالقصيدة تمتلك منطقها الزمني الخاص، وهو منطق لا تحكمه ضرورة الترتيب، وإنما تحكمه ضرورة المعنى، وما يحدد موقع الذكرى أو الاستشراف داخل النص ليس تاريخ حدوثهما، وإنما مقدار حضورهما في الوعي ودورهما في تشكيل التجربة.
ويمكن النظر إلى هذا التداخل أيضا من زاوية أكثر عمقا، فكل زمن في النص يحمل إمكانية التحول إلى زمن آخر، فالآن يتحول بعد لحظات إلى أمس، والغد حين يأتي يصبح اليوم، والأمس يمكن أن يعود في الذاكرة وكأنه حاضر، وبذلك لا تكون الأزمنة كيانات مغلقة، وإنما حالات متحولة داخل دورة مستمرة من الحضور والغياب.
وهذا ما يجعل الزمن عند عبد الرحمن بوطيب زمنا ديناميا لا ساكنا، فهو لا يتحرك في اتجاه واحد، وإنما يتحرك داخل الذات في اتجاهات متعددة... الماضي يتقدم نحو الحاضر عبر الذاكرة، والمستقبل يتقدم نحوه عبر الانتظار، والحاضر نفسه يتراجع باستمرار ليصبح ماضيا، ومن ثم فإن الذات لا تقف خارج الزمن لتراقبه، وإنما توجد في قلب هذه الحركة المتشابكة.
وتتجلى القيمة الجمالية لهذا البناء في أن الشاعر يجعل القارئ يعيش الزمن بدلا من أن يكتفي بفهمه، فعندما تتجاور أمس واليوم وغدا داخل العبارة الشعرية، لا يعود القارئ أمام معلومات زمنية محددة، وإنما يجد نفسه داخل تجربة زمنية مركبة، حيث تتجاور الذاكرة والتوقع والحضور في لحظة واحدة، وهنا تتحول اللغة ذاتها إلى فضاء لتجسيد الزمن.
ولعل هذا التداخل يفسر كذلك حضور الحنين والرحيل والطفولة والموت والكتابة في التجربة، فهذه العناصر لا تنتمي إلى زمن واحد... الطفولة ماضٍ، لكنها تعيش في الحاضر عبر الذاكرة، والرحيل حدث مضى، لكنه يظل مستمرا في الوعي، والموت مستقبل محتمل، لكنه يحضر في الحاضر باعتباره وعيا بالفناء، أما الكتابة فتجمع هذه الأزمنة كلها في لحظة نصية واحدة، وتمنحها إمكانية الاستمرار.
وعليه، فإن الزمن في "رؤى عبور" لا يقوم على تعاقب أمس واليوم وغدا بقدر ما يقوم على تجاورها وتفاعلها داخل الذات، وهذه البنية تجعل الزمن جزءا من تشكيل الرؤية الشعرية نفسها، لا مجرد إطار تقع داخله الأحداث، فالشاعر لا يكتب عن الزمن من الخارج، وإنما يكتب من داخله، ولذلك تتداخل الأزمنة في اللغة كما تتداخل في الوعي.
ومن هنا يمكن القول إن عبد الرحمن بوطيب يحرر الزمن الشعري من خطيته التقليدية، ليمنحه بنية أكثر تعقيدا وثراء: ماضٍ لا ينقضي تماما، وحاضر لا يستقر، ومستقبل لم يأتِ لكنه حاضر في التوقع، وبين هذه الأزمنة تتحرك الذات، تستعيد ما فقدته، وتعيش ما تملكه، وتستشرف ما قد يأتي.
وبذلك يصبح "العبور" في التجربة ليس انتقالا من زمن إلى زمن فحسب، وإنما حركة مستمرة داخل الزمن نفسه، فالذات تعبر من الماضي إلى الحاضر، ومن الحاضر إلى المستقبل، لكنها في الوقت ذاته تعود إلى الماضي من خلال الذاكرة، وتستقدم المستقبل من خلال التوقع، وفي هذه الحركة الدائرية والمتقاطعة يتشكل الوعي الزمني للشاعر، ويتحول الزمن من مجرد تعاقب للأيام إلى بنية عميقة لتنظيم التجربة الإنسانية ومعناها.
#عبد_الرحمن_بوطيب (هاشتاغ)
Boutaib_Abderrahman#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟