|
|
حين يصبح المكان ذاكرة جدلية الألفة والعداء والحياد في رواية آشور شواهد وقبور للكاتب داود سلمان عجاج اعداد شفاء داود سلمان (الجزء الثاني)
داود سلمان عجاج
روائي، قاص
الحوار المتمدن-العدد: 8836 - 2026 / 9 / 22 - 04:05
المحور:
الادب والفن
من هنا، لم يعد المكان هنا متعلقاً بخوف خلف وحده، وإنما أصبح مسرحاً لوهم جماعي. تتراقص الأرواح مع الموسيقى، وتتشكل التصورات، ويبدو المتسيد قادراً على صناعة حقيقة خاصة بالجماعة. وهنا يتحول المكان إلى فضاء ذهني، فالناس لا يرون المكان كما هو بالضرورة، وإنما كما يُراد لهم أن يروه. تصبح الموسيقى وسيلة لتخدير الوعي، ويغيب الحد الفاصل بين الحقيقة والوهم. لكن ثمة قلة تقف في منطقة الشك، بين الضوء والظلمة، بين التصديق وعدم اليقين. وهذه المنطقة من الرواية تتجاوز المكان الجغرافي إلى المكان النفسي والجمعي. فالمكان قد يكون معادياً حين يحاصر قدرة الإنسان على التفكير، وحين يجعل الوهم يبدو أكثر راحة من الحقيقة. ومن هنا تصبح عدائية المكان مرتبطة بعدائية الوعي نفسه؛ فالخطر ليس في النهر أو الصخرة أو الليل، بل في اللحظة التي يتنازل فيها الإنسان عن قدرته على السؤال. ومن مفارقات الرواية أن المكان الواحد يمكن أن ينتقل بين الألفة والعداء. فالبيت، الذي كان في البداية رمزاً للدفء، يمكن أن يتحول في ظروف أخرى إلى فضاء للصراع. والقرية التي تحمل ذكريات الطفولة قد تصبح مكاناً للقيود الاجتماعية والفقر والعنف المكبوت. وهذا التحول يكشف أن المكان لا يملك صفته منفرداً؛ الإنسان هو الذي يمنحه جانباً من دلالته، والظروف الاجتماعية قادرة على تغيير علاقته به. والجامعة مثال آخر على هذه المفارقة. فمن الطبيعي أن تكون الجامعة فضاءً للمعرفة والانفتاح، لكنها في تجربة خلف لا تظهر دائماً بهذه الصورة المثالية. فهناك نظام وضغوط وشعور بالاغتراب، وقد تتحول الأقسام الداخلية من مكان للطلبة إلى مساحة من العزلة النفسية. وهنا تبرز المفارقة بين الاسم والواقع: مكان يسمى منارة للعلم، لكنه قد لا يمنح الإنسان بالضرورة شعوراً بالحرية. إن الرواية، من خلال هذه الأمكنة، لا تقدم المكان بوصفه حقيقة ثابتة، وإنما تكشف المسافة بين ما ينبغي أن يكون عليه المكان وما يمكن أن يصبح عليه في تجربة الإنسان. ففي المختبر الآثاري تبلغ علاقة المكان بالموت والتاريخ درجة أخرى. فالرفات الذي كان يحمل في الماضي روحاً وذاكرة وحياة يصبح تحت المجهر عينةً ودليلاً مادياً. هنا تبرز مفارقة قاسية: الإنسان الذي كان ذاتاً كاملة يصبح موضوعاً للفحص. ولعل هذا المشهد يعيدنا إلى السؤال الأكبر الذي تطرحه الرواية حول الزمن: ماذا يبقى من الإنسان حين يتحول إلى أثر؟ يبقى العظم، وربما يبقى الحجر، وتبقى الكتابة، لكن أين تذهب الأصوات التي كانت تسكن الأجساد؟ لهذا لا يبدو المختبر مكاناً علمياً محايداً تماماً، بل فضاءً تأملياً يضع القارئ أمام هشاشة الوجود الإنساني. فالعلم يستطيع أن يقرأ العظم، لكنه لا يستطيع أن يستعيد صاحبه. يستطيع أن يؤرخ الأثر، لكنه لا يستطيع أن يعيد الحياة إلى صاحب الأثر. أما المكان المحايد، كما يظهر في الرواية، فلا يعني مكاناً خالياً من الدلالة، وإنما مكاناً لا يفرض على الشخصية منذ البداية معنى واحداً. ومن أبرز أمثلته الحقول والدروب الترابية. الدرب الذي يمتد من القرية نحو النهر يبدو بسيطاً، مألوفاً، ويتكرر السير فيه. لكنه مع التكرار يصبح أشبه بخيط يصل بين مراحل حياة خلف. إنه طريق لا يهم أن تكون نهايته أهم من الرحلة فيه. وفي هذا الدرب تتقاطع الأرض مع الذاكرة، والحاضر مع الماضي، والانتماء مع السؤال. السير المتكرر فيه ليس انتقالاً مكانياً فحسب؛ إنه نوع من العودة إلى الذات. ولهذا يبدو الطريق محايداً في ظاهره، لكنه في عمقه يحمل أسئلة عن الوطن والتضحية والانتماء، وعن أولئك الذين يدفعون دائماً ثمن الأشياء التي يقررها الآخرون. وهنا يصبح الطريق استعارة للوجود نفسه: نمضي فيه، لكننا لا نعرف دائماً إلى أين. أما المقهى فيقدم شكلاً آخر من المكان المحايد. إنه فضاء اجتماعي يتكرر فيه الكلام، لكن التكرار قد يكشف أحياناً عن ثبات الزمن أكثر مما يكشف عن حيوية الحياة. تتكرر الأحاديث، وتتغير الوجوه، لكن شيئاً جوهرياً يبقى ثابتاً. كذلك الغرفة في داخل القسم الداخلي تتخذ المسألة شكلاً أكثر خصوصية. إنها مساحة للعزلة والقراءة والكتابة، لكنها في الوقت نفسه قد تتحول إلى سجن داخلي. فالإنسان يستطيع أن يبتعد عن الآخرين، لكنه لا يستطيع بسهولة أن يبتعد عن نفسه. ومن هنا يبدو السؤال الذي تطرحه الرواية عميقاً: هل بإمكان المرء أن يستعيد ذاته؟ إنه ليس سؤالاً عن الغرفة وحدها، وإنما عن الإنسان الذي قد يفقد شيئاً من ذاته كلما عبر مكاناً جديداً، أو خضع لتجربة جديدة، أو حاول أن يتكيف مع عالم لا يشبه بداياته. في جانب آخر يبدو الزمن الذي يسكن المكان من أهم ما تمنحه الرواية للمكان أنه لا يتركه منفصلاً عنه. فآشور ليست حاضراً فقط، والنهر ليس ماضياً فقط، والمقبرة ليست نهاية فقط. كل مكان يحمل أزمنته داخله. وهذا ما يجعل الأمكنة التاريخية في الرواية أشبه بمرايا. ينظر الإنسان إليها ليرى الماضي، لكنه قد يرى نفسه فيها أيضاً. فخلف حين يقف أمام المعبد أو المقبرة لا يلتقي بالماضي وحده، بل يلتقي بأسئلة الحاضر. الأصوات التي تأتيه من أعماق الزمن لا تتعلق بما كان فقط، وإنما بما لا يزال يتكرر. وهنا تكمن قوة المكان الروائي: إنه يستطيع أن يجعل الماضي حاضراً من دون أن يعيده كما كان. فالزمن لا يعود، لكنه يترك ظلاله. ولذلك فإن آشور في الرواية ليست مجرد حضارة غابرة، وإنما سؤال عن الإنسان الذي يظل يبحث عن جذوره وسط عالم سريع التغير. وبين الشواهد والقبور، بين الحجر والماء، بين القرية والجامعة، كما يبحث خلف عن معنى الانتماء. ويبدو أن الرواية لا تمنحه جواباً نهائياً؛ لأن الانتماء نفسه ليس كلمة جاهزة، وإنما تجربة متغيرة، قد يشعر الإنسان معها بأنه في مكانه، ثم يكتشف أنه غريب فيه، وقد يغادر مكاناً جسدياً ويبقى روحياً فيه إلى النهاية. وهذا يقود إلى مقولة "مارتن هايدغر": "الإنسان يسكن شاعراً" فالسكن، بهذا المعنى، ليس مجرد إقامة في مكان، وإنما طريقة في الوجود. والإنسان لا يسكن الأرض حين يضع جسده عليها فقط، بل حين يمنحها معنى، وحين تصبح الأشياء من حوله جزءاً من تجربته الداخلية. وفي الختام: ما الذي يبقى حين يغادر الإنسان المكان؟ ربما يكون السؤال الأعمق الذي تتركه "آشور شواهد وقبور" ليس: أين عاش خلف؟ بل: ماذا فعلت الأمكنة به؟ فالمكان الأليف منحه الجذور، والمكان المعادي وضعه أمام الخوف والموت والتاريخ، والمكان المحايد منحه مساحات للتأمل والسؤال. وبين هذه الأمكنة جميعاً تشكلت شخصية تبحث عن معنى لا تستقر عليه تماماً. فالبيت لم يكن بيتاً فقط، والمكتبة لم تكن مكتبة، والنهر لم يكن نهراً، والمقبرة لم تكن قبوراً، والمعبد لم يكن حجارة، والطريق لم يكن طريقاً. كل مكان كان يحمل شيئاً من الإنسان. ولعل هذا هو جوهر المكان في الرواية: أنه لا يبقى خارج الشخصية، بل يدخل إليها. يتحول إلى ذاكرة، والذاكرة تتحول إلى سؤال، والسؤال يتحول إلى هوية قلقة تبحث عن يقين لا يأتي بسهولة. إن "آشور شواهد وقبور" تجعل المكان شاهداً على الإنسان، لكنها تجعل الإنسان أيضاً شاهداً على المكان. وبين الشاهد والقبر تتسع المسافة التي يمر فيها الزمن، ويبقى الحجر أكثر صمتاً من أن يروي كل شيء، وأكثر وفاءً من أن ينسى كل شيء. ولذلك فإن آشور لا تبدو في نهاية القراءة مدينةً أثرية فحسب؛ إنها ذاكرة مفتوحة. والنهر لا يبدو ماءً جارياً فحسب؛ إنه زمن لا يتوقف. والقرية ليست مجرد بداية؛ إنها الجذر الذي يعود إليه الإنسان كلما أرهقه التيه. أما القبور فلا تقول إن الحياة انتهت بقدر ما تطرح السؤال عمّا يستحق أن يبقى منها. ربما يغادر الإنسان المكان، لكن المكان لا يغادره. يبقى في نبرة صوت، وفي رائحة تراب، وفي طريق اعتاد أن يسلكه، وفي بيت لم يعد موجوداً، وفي وجه أم، وفي كتاب قديم، وفي نهر ما زال يمضي إلى جهة لا يعرفها أحد. وهكذا، حين نصل إلى آخر الرواية، نكتشف أن الشواهد ليست للحجارة وحدها، وأن القبور ليست للموتى وحدهم؛ فكل إنسان يحمل في داخله شواهد أمكنته وقبور ما فقده. وما بينهما، يمضي حياً، يبحث عن المكان الذي يستطيع أن يقول فيه، أخيراً: هنا كنتُ، وهنا ما زلتُ.
#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
ما وراء الحكاية: حين يفتح النقد نافذة أخرى على فتاة القلعة ق
...
-
نص نثري: المظاهر
-
حين يسكن المكان: حوار في الوطن والهوية والذاكرة والفقد والوع
...
-
حين يسكن المكان: حوار في الوطن والهوية والذاكرة والفقد والوع
...
-
حين يصبح الطريق ذاكرة: تأملات في المجموعة القصصية ما تبقّى م
...
-
نص نثري: حين صار ظلّاً
-
قصة قصيرة: إلى حيث يمضي الطريق
-
نص نثري: سماءٌ من طفولة
-
نص نثري: الظل
-
قصة قصيرة: صقيعُ الإهمال
-
قصة قصيرة: جزاء الإحسان
-
نص نثري: أشواق
-
ما بين جناح الحر وأسراب الزرازير: تأملات في قصة وادي الجُفر
...
-
نص نثري: إلى المجهول
-
قصة قصيرة: أنتَ لستَ أبي
-
نص نثري: مَن أكون؟
-
اللحن الحزين
-
قصة قصيرة: عظام الشاة
-
قصة قصيرة: خيط في الظلام
-
مهلاً أيها الصرح
المزيد.....
-
الأمير هاري يخطط لإنتاج فيلم وثائقي عن والدته ديانا تكريما ل
...
-
بحضور 1600 مشارك.. مؤسسة قطر تختتم النسخة الثانية من ملتقى -
...
-
سبتة في مخيلة ألفونسو العاشر: كيف صاغ -الملك الحكيم- أحلام ا
...
-
كاظم الساهر: بعد سن الـ50 أصبحت أرى الأشياء بعمق
-
بمشاركة عربية وأجنبية.. بدء الاستعداد للدورة الـ13 لمهرجان د
...
-
جهود لإدراج -المقدمة- لابن خلدون في سجل ذاكرة العالم لليونسك
...
-
مهرجان الجونة السينمائي يكشف عن شعاره الجديد ويكرم منى زكي ف
...
-
بجلسة موسيقية.. مكتبة قطر الوطنية تحتفي برواية -مئة عام من ا
...
-
استراتيجية الصين الجديدة لنفوذ أوسع في الشرق الأوسط أرست ال
...
-
شاحنة تحمل سحرا وعدالة.. «سينما تدور» تكسر عزلة الأطراف في ت
...
المزيد.....
-
شرنقة الاحتضار الأخير
/ رائد الجحافي
-
دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
رواية محاولة بقاء
/ الحسين افقير
-
رواية محلبة عم ابراهيم
/ الحسين افقير
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
-
ثلاثاءات عابر سبيل
/ السمّاح عبد الله
-
ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو
...
/ سلسبيل كريبع
-
قناديل الحكمة
/ د. خالد زغريت
المزيد.....
|