|
|
ألكسندر دوغين - التعددية القطبية تهاجم، والمملكة المتحدة تتفكك (برنامج إيسكالاتسيا على راديو سبوتنيك)
زياد الزبيدي
الحوار المتمدن-العدد: 8835 - 2026 / 9 / 21 - 19:34
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
ألكسندر دوغين فيلسوف روسي معاصر
21 أيلول سبتمبر 2026
إعداد وترجمة د. زياد الزبيدي بتصرف
مقدمة
في هذه المقابلة المطوّلة، يعرض الفيلسوف الروسي ألكسندر دوغين رؤيته للتحولات الجارية في النظام الدولي، وإنتقال العالم من مرحلة أحادية القطبية إلى نظام متعدد الأقطاب. ويتناول الحوار مجموعة من الملفات المترابطة، أبرزها:
- التعددية القطبية ومستقبل النظام الدولي: موقع العالم المتعدد الأقطاب في مواجهة النظام الأحادي، ومستقبل منظومة القانون الدولي ودور الأمم المتحدة.
- بريكس وإعادة تشكيل موازين القوى: الدور الذي يمكن أن يؤديه التكتل، وإمكان تطوره إلى منظومة اقتصادية وأمنية أكثر تكاملاً.
- روسيا والصين والهند وإيران: طبيعة التقارب بين هذه القوى، وموقع الهند تحديداً في التوازن بين العالمين الغربي والآسيوي.
- نقطة التحول في النظام العالمي: هل بلغ العالم بالفعل نقطة تفرع تاريخية، أم أن الإنتقال إلى التعددية القطبية لا يزال في بدايته؟
- أزمة الغرب وتصدعه الداخلي: رؤية دوغين للتناقضات داخل الولايات المتحدة وأوروبا وبريطانيا، وما يراه تراجعاً في وحدة المعسكر الغربي.
- مستقبل المملكة المتحدة: أسكتلندا وويلز وأيرلندا الشمالية، وإحتمالات تفكك المملكة المتحدة في ظل ضعف المركز وتصاعد النزعات الإنفصالية.
- الإرث الإمبراطوري البريطاني: قراءة دوغين للتاريخ الإستعماري البريطاني، وموقفه من مستقبل إنجلترا ودورها في العالم.
- الذكاء الإصطناعي وطبيعة العقل: الإنتقال من السؤال التقني إلى السؤال الفلسفي: ما الذكاء؟ ومن هو حامله؟ وهل يمكن إختزال العقل في منظومة إصطناعية؟
- الفلسفة والدين ومستقبل الإنسان: إستدعاء مفاهيم العقل واللوغوس والفلسفة الروسية الدينية في محاولة لتحديد موقف مستقل من التطور التكنولوجي. *****
المذيع: ما يجري في نيودلهي يمثل، بلا شك، مرحلة جديدة من تلك التحولات التكتونية التي يشهدها العالم على نطاق واسع. إن تصريحات قادة ثلاث دول تقف وراءها نصف البشرية من حيث عدد السكان، وتتمتع بثقل هائل من الناحية الإقتصادية، تحمل أهمية تاريخية. فقد أشار رئيس الوزراء ناريندرا مودي بوضوح إلى ضرورة تحويل وحدتنا وتوافقنا داخل بريكس إلى نتائج ملموسة على الساحة العالمية، في إشارة إلى الحاجة إلى إصلاح عميق لنظام الحوكمة العالمية.
ومن جهة أخرى، كان يُتوقع من الهند أن تستخدم عبارات أقل حدة من تلك التي عبّر عنها فلاديمير بوتين أو شي جين بينغ، لكن الإتجاه نحو إعادة بناء النظام كان مشتركاً بين الجميع. وفي الوقت نفسه، شدد فلاديمير بوتين على أن روسيا لا تزال، بصورة ثابتة، تؤيد الحفاظ على الدور المركزي للأمم المتحدة في الجغرافيا السياسية العالمية.
إنطلاقًا من هذه المعطيات، كيف ينبغي لنا أن ننظر الآن إلى بريكس بوصفه فاعلاً عالمياً؟ وما دوره الحقيقي في النظام العالمي الذي يتشكل أمام أعيننا؟
ألكسندر دوغين: أنا أعمل على تطوير نظرية العالم المتعدد الأقطاب وأتابع عمليات تشكله منذ ثلاثين عاماً، منذ أن أصبحت أتعامل معها بوعي كباحث ومثقف. وقد كرست لها العديد من كتبي، من بينها كتب أكاديمية في نظرية العالم المتعدد الأقطاب تُرجمت إلى لغات مختلفة، فضلاً عن عدد كبير من الأعمال الأحدث. وأدرّس مقررات في معهد موسكو الحكومي للعلاقات الدولية حول نظرية التعددية القطبية، وكنت قد بدأت تدريسها في جامعة موسكو الحكومية قبل خمسة عشر أو عشرين عاماً.
لذلك، فإن ما يحدث بالنسبة إليّ أشبه بكتاب مفتوح.
ومن منظور النظرية، من السهل أن نرى من أين تأتي الإتجاهات المختلفة، وكيف تتطور، وإلى أين تتجه. كما أنني أرى النقطة النهائية التي لم نبلغها بعد، وأرى نقطة البداية التي اإنطلقنا منها: من عالم أحادي القطب، كانت ذروته، بلا شك، في تسعينيات القرن الماضي، حين كان الغرب يشعر بأنه اللاعب العالمي الوحيد، أي المهيمن على العالم.
وهذا هو بالضبط ما يسمى بالعولمة: لم يكن هناك سوى الغرب ومحيطه، وبعد إنتهاء الإتحاد السوفياتي، الذي كان يمثل قطباً بديلاً، لم يبقَ شيء آخر.
ومنذ تلك اللحظة، وبعد إنهيار الإتحاد السوفياتي وإنتحاره الجيوسياسي، بدأ يتشكل نموذج أحادي القطب. ثم، مع وصول فلاديمير بوتين إلى السلطة، بدأت روسيا تخرج من هذه البنية وتتجه نحو عالم متعدد الأقطاب.
وكان يفغيني بريماكوف قد لمح إلى ذلك للمرة الأولى في أواخر تسعينيات القرن الماضي، وهو أمر بالغ الأهمية لفهم المستقبل الجيوسياسي. ومع صعود الصين وإصرار بلادنا على المضي في هذا الإتجاه، بدأت ملامح التعددية القطبية تتضح تدريجياً.
وفي الحقيقة، فإن هذا العالم المتجه نحو التعددية القطبية موصوف نظرياً بصورة جيدة جداً. ويمكن، على الأقل لمن يتعاملون مع هذه المسألة بصورة مهنية، أن يتصوروا بسهولة إلى أين نحن ذاهبون.
إن عالماً جديداً متعدد الأقطاب آخذ في التشكل. وهو متعدد الأقطاب وليس أحادي القطب، وهذا يعني أن المطالبة الغربية بالكونية قد وصلت إلى نهايتها. لقد رُفضت هذه المطالبة.
فكل دولة-حضارة، وكل قطب من الأقطاب التي يتشكل منها العالم المتعدد الأقطاب، يطرح رؤيته للنظام العالمي، وللقيم والتقاليد والعلاقات، ويقدم تصوراته وسيناريوهاته الخاصة. وكل ذلك يخضع، إذا شئنا، لنقاش جماعي، ولكن بين عدد محدود جداً من اللاعبين.
وهذه العملية تتيح لنا أن نرى أمراً لا يزال قليلون يلاحظونه: كيف سيتشكل هذا العالم المتعدد الأقطاب تحديداً، وما المشكلات والتناقضات التي ستظهر فيه، وما الأشكال القانونية التي سيتخذها.
وهنا أود أن ألفت الإنتباه إلى أن الأمم المتحدة، بصورتها الحالية، تعكس نظاماً سابقاً بالكامل، هو نظام يالطا.
فبعد الحرب العالمية الثانية والحرب الوطنية العظمى، تشكل نظام ثنائي القطبية، إلى جانب حركة عدم الإنحياز، وهو ما إنعكس في بنية مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. وبعبارة أخرى، كانت تلك بنية ثنائية القطبية، لم يعد لها وجود منذ نحو أربعين عاماً.
لذلك، فإن الأمم المتحدة هي، في الواقع، مؤسسة دولية تعكس وضعاً دولياً سابقاً.
أما الغرب، فبعد إنهيار الإتحاد السوفياتي، حاول بناء نظام أحادي القطب للقانون الدولي بدلاً من الأمم المتحدة. وأؤكد هنا: بدلاً منها تحديداً، من خلال إنشاء هياكل مثل «رابطة الديمقراطيات» أو «منتديات الديمقراطية»، حيث يوجد الغرب، ودائرته القريبة، ثم دائرته المتوسطة، ثم الدول المترددة، ثم الأطراف العالمية.
لكن صعود العالم المتعدد الأقطاب يضع على جدول الأعمال بنية دولية مختلفة تماماً.
فنحن نحاول الآن إعادة تشكيل هذا «البقايا الضامرة» من عالم ثنائي القطبية، أي هذا الأثر المتأخر الذي ما زال يعكس الجمود في الصياغة القانونية للنظام الدولي، وفق نموذج جديد: ليس ثنائي القطبية ولا أحادي القطبية، بل متعدد الأقطاب.
ويمكن القول إننا نتجه نحو إنشاء نظام عالمي جديد للقانون الدولي، متعدد الأقطاب في جوهره، لكننا نريد إستخدام الأمم المتحدة لتحقيق ذلك.
وفي الوقت نفسه، لم يعد الغرب واثقاً من قدراته، ومن الواضح أنه لا يمتلك الإمكانات اللازمة لبناء نموذج هرمي صارم وأحادي القطب للقانون الدولي، يكون فيه هو وحده ولا أحد سواه.
لم يعد ذلك ممكناً، لأن هناك الصين وهناك نحن، أو نحن والصين، سمّ الأمر كما تشاء.
لذلك لم يعد النموذج أحادي القطب قابلاً للتحقق، وأصبح الغرب نفسه مضطراً إلى العمل في إطار الأمم المتحدة، رغم أنه يشعر بالضيق من ذلك.
نحن نأمل في تحويل الأمم المتحدة إلى مؤسسة للتعددية القطبية، بينما يريدون هم الحفاظ على جمودها، الذي يمنحهم بعض الإمتيازات غير الرسمية.
العالم يقف الآن عند مفترق طرق.
فهل سننجح في الإنتصار في المعركة من أجل الأمم المتحدة وتحويلها إلى مؤسسة للعالم المتعدد الأقطاب؟ أم سيظهر نموذج جديد يقوم على بريكس الآخذ في التوسع، والذي ستنضم إليه تباعاً دول-حضارات جديدة؟
الزمن وحده سيكشف أي المسارين سيسود.
إن مسار الحركة واضح، لكن من الصعب حتى الآن التنبؤ بكيفية تجسيد التعددية القطبية عملياً، وبالأشكال التي سيتخذها النظام الجديد للقانون الدولي. وقد كانت قمة نيودلهي خطوة أخرى في هذا الإتجاه. وهناك هنا عدة عوامل لافتة للنظر، سبق أن أشرتَ إلى بعضها.
أولاً، تعتمد التعددية القطبية المكتملة اليوم حرفياً على «ريشة» يمكن أن توضع في كفة الميزان أو الأخرى. ولذلك، فإن لاعبين قد لا يبدون للوهلة الأولى من القوى الرئيسية يمكن أن يؤدوا دوراً حاسماً.
ومن بين هذه العوامل صمود إيران الناجح في مواجهة العدوان الأمريكي-الإسرائيلي، وفي مواجهة ما يصفه دوغين بالإبادة الجماعية التي ينفذها محور الغرب. وحقيقة أن إيران صمدت، وأن حركة «أنصار الله» (الحوثيين) تمكنت، عشية القمة مباشرة، من السيطرة على الجزء الجنوبي الغربي من اليمن وعلى مضيق باب المندب، تغيّر الخريطة الجيوسياسية بصورة جذرية.
إن إيران و«أنصار الله» تضيفان ثقلاً هائلاً إلى كفة العالم المتعدد الأقطاب.
وهنا، بالطبع، تؤدي مواقف مودي دوراً محورياً. فالهند، أو «بهارات» كما يسمونها الآن وفق التسمية التقليدية، تمثل دولة-حضارة تؤدي دور «السهم الذهبي».
فإذا وقفت الهند إلى جانب روسيا والصين، وبالتالي إلى جانب إيران وأفريقيا الحرة والبرازيل المستقلة — وهي جميعاً أجزاء أساسية من بريكس، ومن هنا يبدأ كل شيء — فإننا ننتصر. وعندها يكون العالم المتعدد الأقطاب قد أصبح واقعاً.
الهند تقف بين تقليد عميق مناهض للإستعمار وبين عداء متأصل للغرب. فعندما يتعرض شعبك على مدى قرون للسيطرة والإستعمار والإبادة، لا يمكنك أن تشعر بالتعاطف مع مضطهديك. ومجرد التفكير في قلب هذا الوضع رأساً على عقب أمر طبيعي بالنسبة إلى أي شعب تحرر من الإستعمار.
إضافة إلى ذلك، تمتلك الهند كونها الخاص والفريد: الحضارة الهندوسية، والعقلية، وتقاليد «الهندوتفا» و«الدارما»، وهي منظومة ليست غربية على الإطلاق. كما أنه لا توجد، تقليدياً، تناقضات جيوسياسية بين الهند وروسيا.
لقد أجريتُ مؤخراً حديثاً مع رئيس الأركان الهندي السابق، الذي جاء إلى هنا. وقال لي: «في الحقيقة، كل شيء لدينا على ما يرام، لكن الأمور ليست بهذه البساطة مع الصين، وكذلك مع العالم الإسلامي».
وهذا صحيح. فالهند تنافس الصين في سياقها الإقليمي؛ إذ توجد بين البلدين مشكلات حدودية في جبال الهيمالايا، فضلاً عن المخاوف المرتبطة بالعامل الإسلامي، ولا سيما المتطرف منه، وهو ما يقرب نيودلهي موضوعياً من إسرائيل.
وفي الوقت نفسه، تدفع المنافسة مع الصين الهند إلى التقارب مع الولايات المتحدة. ولذلك يجد مودي نفسه اليوم في وضع وسطي، ويمكنه، من الناحية النظرية، أن يميل نحو أحادية القطبية.
وإذا حدث ذلك بصورة نهائية، فإن الحجر سيسقط من أعلى الجبل، وستبدأ العملية في التسارع والتنامي.
لكننا نرى العكس أيضاً. فقد ظهر مودي في هذه القمة مؤيداً نشطاً للعالم المتعدد الأقطاب، وإستراتيجياً حقيقياً. وإقترح إنشاء نظام إقتصادي موحد داخل بريكس، وهذا يمثل صفعة مباشرة للهيمنة الغربية وللإمبريالية القائمة على الدولار.
بل إن الحديث بدأ بالفعل، في أروقة القمة، عن إمكانية تشكيل تحالف عسكري متكامل لدول بريكس، أي ميثاق عسكري مباشر.
المنطق بسيط: العالم منقسم بين أحادية القطبية والتعددية القطبية. وإذا رفض العالم أحادي القطب، بالقوة، الإستجابة لمطالب الجنوب العالمي والشرق وآسيا، وإذا هدد بالحروب كل من يسعى إلى نظام أكثر عدلاً، فينبغي الإعتراف بهذا التهديد والإستعداد لرد متماثل.
وفي جوهر الأمر، يدور الحديث عن الإستعداد للحرب العالمية الثالثة.
فإذا أصبحنا أقوياء حقاً — وبلداننا تمتلك إمكانات هائلة من الناحية الإقتصادية والديموغرافية والمالية والإستراتيجية والنووية — فربما نتمكن تحديداً بفضل ذلك من تجنب هذه الحرب.
أما إذا ظللنا نردد: «لا، لا، الأهم هو منع المواجهة بأي ثمن»، فسوف يستنتج الخصم أننا خائفون ومترددون. وسيحاولون إقناعنا بشعور زائف بالإطمئنان، بينما يعملون في الوقت نفسه على زيادة قوتهم العسكرية، إستعداداً لتوجيه الضربة في اللحظة المناسبة.
أما إذا أظهرنا أن قوتنا لا تقل بأي حال عن قوتهم، وأننا مستعدون لأي سيناريو في المواجهة مع الهيمنة أحادية القطبية — من خلال إجراء مناورات مشتركة وإبرام إتفاقيات عسكرية — فإن ذلك سيكون بالذات أفضل ضمان لعدم إندلاع الحرب العالمية الثالثة.
المذيع: إستكمالاً لهذا الموضوع، إذا نظرنا إلى الوضع من زاوية ميزان القوى، الذي ربما بدأ بالفعل يميل لمصلحة التحالف المتنامي داخل بريكس، من جهة، والعالم الغربي من جهة أخرى، فإننا نرى مشكلات هائلة داخل الإتحاد الأوروبي، وصعود القوى اليمينية إلى السلطة، وغير ذلك.
أي إننا لا نجد هناك نظاماً موحداً، والأهم أنه ليس نظاماً قوياً للحكم. ولا نرى قادة كباراً في الغرب، في حين أنهم موجودون في الشرق.
هل يمكن أن يصبح ذلك عاملاً حاسماً؟
وهناك سؤال ثانٍ، في السياق نفسه: هل يمكن القول إن المواقف المشتركة التي عبّر عنها مودي وفلاديمير بوتين وشي جين بينغ تمثل نقطة تفرع؟ أي اللحظة التي تجاوزنا فيها تلك الذروة وإنتقلنا إلى الجانب الآخر؟
ألكسندر دوغين: أولاً، أعتقد أنك محق تماماً، وهذا يعزز مواقع المعسكر المتعدد الأقطاب بصورة هائلة: إنه تشرذم الغرب نفسه.
فالغرب اليوم يتكون، على الأقل، من خمسة أجزاء أو أقطاب فرعية: أمريكا في عهد ترامب، وإسرائيل في عهد نتنياهو، والإتحاد الأوروبي بقيادته الليبرالية، وبريطانيا بموقفها العالمي المنفصل، ثم العولميون الأمريكيون أنفسهم.
وإذا نظرنا عن كثب، فلن نجد داخل أي واحد من هذه الأجزاء وحدة حقيقية. فترامب لا يمثل أمريكا كلها، وهناك معارضة قوية له. وإسرائيل قريبة جداً من الولايات المتحدة، لكنها بعيدة للغاية عن الإتحاد الأوروبي.
الغرب اليوم منقسم إلى هذه الأجزاء الخمسة، وكل واحد منها تمزقه أيضاً تناقضات داخلية.
أما نحن، فالوضع مختلف. وكما أشرتَ بحق، لدينا في الواقع ثلاث إمبراطوريات حضارية قوية وفاعلة.
نعم، مودي يقود دولة ديمقراطية، لكنهم يفكرون بصورة إستراتيجية. وعندما إلتقيت وفوداً هندية رفيعة المستوى — ولا سيما كبار مفكريهم — طرحت عليهم سؤالاً مباشراً: أنتم تتحدثون عن نزع الإستعمار عن العقل الهندي، وهو ما يؤكده ناريندرا مودي بإستمرار، ولكن ماذا عن الديمقراطية الليبرالية على النمط الغربي التي تركها لكم المستعمرون؟ إلى أي مدى تنسجم هذه الديمقراطية مع القيم الهندية الأصيلة القائمة على الدارما والوارنا؟
فأجابوا: «كما تعلم، نحن لم نفكر في الأمر بعمق حتى الآن، لكن كل شيء في نظامنا مركزي، ولذلك نحن أقوياء».
يكفي أن نطلق العنان لنقاشات حزبية لا تنتهي، تتدخل فيها جهات خارجية مؤثرة، وأشخاص محدودو التفكير، وآخرون لا تحركهم إلا مصالحهم الضيقة، حتى تنتهي السياسة الكبرى فوراً. وطالما أن السياسة في بلداننا يحدد مسارها قادة مثل فلاديمير بوتين في روسيا، وشي جين بينغ في الصين، وناريندرا مودي في الهند، فإن لدينا فرصة ليس فقط لمواجهة العولمة في الخارج، بل أيضاً لتعزيز قوتنا من الداخل.
المشكلة الأساسية في الديمقراطية الغربية هي إشتراط التداول المستمر للسلطة العليا. يمكن تغيير الجهاز الإداري المتوسط، لكن لا ينبغي تغيير السلطة الإستراتيجية العليا بإستمرار. ويحاول الغرب تعويض ذلك بوجود ما يسمى «الدولة العميقة» وشبكات الأوليغارشية الخفية. لكن هذه القوى، عندما تعمل في الظل، سرعان ما تتعفن وتتحول إلى نوادٍ من طراز شبكات إبستين، ثم تنحدر، لأنها تعمل في الخفاء ولا تخضع للشفافية.
أما لدينا، فالسلطة علنية ومباشرة، وتخضع للمساءلة أمام الشعب والتاريخ.
لذلك فإن العامل الأهم اليوم هو أن الغرب منقسم، بينما نحن متحدون. وعلينا أن نعزز هذا الإتحاد، وأن نرسخ في مجتمعاتنا أشكال الحكم التقليدية التي تنبع بصورة عضوية من أسس حضاراتنا وقيمنا التقليدية. هذه هي النقطة الأولى.
أما النقطة الثانية فتتعلق بالسؤال المثير للإهتمام الذي طرحتموه حول «نقطة التفرع». في رأيي، لن نتمكن من رؤيتها بوضوح إلا بعد أن نبتعد عنها مسافة كافية. عندها سنلتفت إلى الوراء ونقول: نعم، كانت تلك هي نقطة التفرع؛ ربما كان ذلك هو القمة التي بلغناها في ذلك الوقت، وربما كان المؤتمر السابق أو اللاحق، أو بداية العملية العسكرية الخاصة، أو نهايتها، أو أزمة تايوان، أو سيطرة الحوثيين على مضيق باب المندب.
عندما تقع مثل هذه الأحداث أمام أعيننا مباشرة، لا نستطيع بعدُ أن نقول بثقة مطلقة إن العالم المتعدد الأقطاب قد أصبح واقعاً بالفعل، أم أننا ما زلنا في الطريق إليه. لا بد أن يمر بعض الوقت قبل أن يصبح ممكناً القول إننا تجاوزنا العتبة الحرجة.
ومع ذلك، يظل هناك دائماً خطر أن يخترع المهيمن شيئاً ما ويحاول دفعنا إلى الوراء من جديد، وهذا إحتمال قائم بالفعل.
لذلك أدعو هنا إلى أقصى درجات الحذر. علينا أن نستند إلى النظرية التي أعمل عليها، لأنها ترسم الطريق بأكمله أمامنا؛ إنها تحدد خط السير، بكل محطاته، وصولاً إلى المحطة النهائية.
إذا كنا نرى هذا الطريق بوضوح، بدلاً من الإنشغال بالتساؤلات الآنية: هل يعمل الأمر أم لا؟ هل نحن نتحرك أم متوقفون؟ هل تم تحويل مسار السكة أم لا؟ — عندها فقط يتشكل لدينا تفكير إستراتيجي حقيقي.
حتى لو لم نتمكن من تحويل المسار اليوم، فلنحوّله غداً. وإذا لم ننجح غداً، فلنحوّله بعد غد. نحن بحاجة إلى تفكير إستراتيجي في عملية بناء العالم المتعدد الأقطاب. والصينيون والهنود ونحن جميعاً بحاجة إلى هذا التفكير.
وهذه هي النقطة التي أود أن ألفت إليها الإنتباه بأكبر قدر من الجدية.
المذيع: أود أن أتطرق إلى جانب آخر، لأننا سنتحدث اليوم أيضاً عن المشكلات ذات الطابع الوجودي التي تواجهها بريطانيا. لكن قبل أن ننتقل إليها، تحدثتم عن التصدع المتزايد بين مراكز القوة المختلفة في العالم الغربي. وقد فكرت في أمر آخر: لقد تابعت أخيراً كثيراً من أحاديث تشارلي كيرك وشاهدت خطاباته، وهذا يكشف بوضوح عن تآكل هائل في منظومة الأخلاق داخل المجتمع الغربي، على كل مستوى يمكن أن نتحدث عنه.
فهل يمكن أن يكون هذا تحديداً هو العامل الحاسم في تفكك الغرب وضعفه؟ ليس الإقتصاد حتى، بل حقيقة أنه لم يعد يمتلك شيئاً يستند إليه. فالمعارك العنيفة التي نشهدها بين تشارلي كيرك وأنصار العولمة في مختلف أنحاء العالم لا تشير فقط إلى غياب التوافق، وإنما إلى حرب داخلية آخذة في التبلور.
ألكسندر دوغين: هذا سؤال فلسفي عميق جداً، ومخيف في الوقت نفسه.
من جهة، يبدو واضحاً أن إنهيار الأخلاق، والإنحطاط، والتدهور، والإنفلات الصريح، ومختلف أشكال الإنحراف التي تسود المجتمع الغربي، ينبغي أن تقود إلى إنهياره المحتوم. وللأسف الشديد، حتى أنصار ترامب الذين وصلوا إلى السلطة في أمريكا لم يقدموا بديلاً أخلاقياً حقيقياً، بل خانوا في جوانب كثيرة ذلك الإرث الذي كان تشارلي كيرك يناضل من أجله.
الغرب اليوم في حالة مروعة بالفعل. لقد فقد كرامته الإنسانية، وتحول إلى أفراد جشعين وعدوانيين وفردانيين ومنحطين ووحوش. وتسود هناك «حكم الحمقى» أو «الإيديوتقراطية». أتذكرون الفيلم الذي يصبح فيه رئيس المجتمع في المستقبل قادراً ببساطة على شراء أصوات الناخبين بالمال؟ هذا النوع من حكم الحمقى يتقدم اليوم في الغرب على جميع الجبهات.
كان تشارلي كيرك، بوصفه أحد أبرز أنصار حركة ماغا «لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً»، شخصية مؤثرة وصادقة وجيدة. وكان يدعو إلى عالم متعدد الأقطاب بالفعل، وإلى إستعادة العلاقات الطبيعية مع روسيا. وكان يمثل، في جوانب كثيرة، ما يشبه الضابط الأخلاقي أو المعيار الأخلاقي. لكن ما إن أُبعد حتى بدأ كل شيء من حوله يتداعى، وحتى أقرب المقربين منه وأنصاره كشفوا عن أنفسهم بصورة لم تكن متوقعة على الإطلاق. وأنتم محقون، فهذه نقطة بالغة الأهمية.
لكن هنا تكمن مفارقة مخيفة أحرص دائماً على لفت الإنتباه إليها.
لقد أشار أحدهم، بحق، إلى أن الفضيلة والأخلاق والنقاء والرحمة لا تنتج في حد ذاتها القوة المادية الخشنة على الأرض. وإذا إستحضرنا صورة «توأم بيكس» لديفيد لينش، فإن الطاقة الهائلة تُستمد من «النزل الأسود». وكلما كانت أرواح أولئك الذين يصلون إلى السلطة أكثر إنحرافاً وفساداً وتعفناً — ولنتذكر، مثلاً، تلك «الحضارة الإبستينية» الرهيبة — إزدادت لديهم تلك القوة المظلمة والمدمرة.
الشيطان قوي، وكلما إقترب الناس منه إزدادت قوتهم الدنيوية. أما الإنسان الذي يسير نحو الله، فهو مقيد بقيود أخلاقية هائلة: لا يجوز أن أفعل هذا لأنه غير أخلاقي؛ وهذا غير مقبول لأنه سيلحق الضرر بشخص ما أو يقود إلى الخطيئة.
وهكذا يبدو أن الإنحلال الأخلاقي والغباء الشامل في الغرب لا يعنيان بالضرورة ضعفه تلقائياً. يكفي أن نتذكر التظاهرة الأخيرة للخضر واليسار في ألمانيا ضد حزب «البديل من أجل ألمانيا»: لقد خرج إلى الشوارع، حرفياً، أشخاص بدوا وكأنهم كيانات مسكونة، أنصاف بشر وأنصاف حيوانات، وأتباع ما يسمى «الكوادروبرز»، وأشخاص من مختلف أشكال الإنحراف، وهم يهتفون بأنهم لا يريدون ألمانيا الطبيعية. كان المشهد أشبه بفتح بوابة إلى الجحيم.
ومع ذلك، سيكون من الخطأ الإعتقاد بأنهم ضعفاء.
وهنا تكمن مفارقتنا: الشر يمتلك طاقة هائلة.
لكننا لا نملك الحق في محاربته بإستخدام أساليبه نفسها. لا يمكننا أن نصبح مثلهم، وأن نستخدم حيلهم الدنيئة والشيطانية، وإنحلالهم وتلاعبهم. علينا أن نتمسك بالحقيقة والتقوى ونقاء الروح، لأننا نخوض حرباً مقدسة من أجل الله ومن أجل القيم التقليدية.
إذا تخلينا عن أخلاقنا، أخلاق محاربي النور، وإنحدرنا إلى أساليبهم، فسوف نخسر خسارة كاملة، حتى لو حققنا إنتصاراً خارجياً.
إن قيودنا الأخلاقية في هذه الحرب العالمية من أجل العالم المتعدد الأقطاب هي درعنا الرئيسي. ولذلك لا يجوز الإستهانة بالإنحلال الأخلاقي في الغرب أو إعتباره مجرد علامة على ضعفه.
المذيع: لننتقل الآن إلى تفاصيل ما يجري في بريطانيا. من الواضح أن المرء قد يرغب، من جهة، في الشماتة بما يحدث، لكننا نعرف، من جهة أخرى، أن اسكتلندا، وكذلك أيرلندا الشمالية ـ أولستر ـ لديها تاريخياً نزعات إنفصالية قوية، وتسعى إلى قطع علاقاتها بإنجلترا وبالتاج البريطاني. في رأيك، إلى أي مدى تبدو هذه التطلعات لدى قادة اسكتلندا وويلز وأيرلندا الشمالية واقعية، ولا سيما الآن، بعد أن توحدوا حول فكرة مشتركة، بل وأصبحوا يعقدون مؤتمرات صحفية مشتركة؟ وما الذي ينتظر بريطانيا، بوصفها دولة، في المستقبل القريب من هذا المنظور؟
ألكسندر دوغين: عندما نتحدث عن «إنجلترا» أو «بريطانيا» أو «المملكة المتحدة»، فإننا ننسى غالباً أن هذه تسميات لأشياء مختلفة تماماً. إنجلترا ليست سوى جزء من أراضي الجزيرة البريطانية الرئيسية. في الشمال تقع اسكتلندا، وفي الغرب تقع ويلز. ويسود في كل من اسكتلندا وويلز العنصر السلتي، وهم من أحفاد البريطانيين القدماء الذين كانوا يسكنون هذه الأراضي قبل وصول القبائل الجرمانية من الأنجل والسكسون والجوت.
تضم بريطانيا ثلاث كتل تاريخية وشعوباً ذات لغات وهويات مختلفة تماماً. لكن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد. فهناك أيضاً أولستر، أي الجزء الشمالي من أيرلندا، الذي إحتله الأنجلوسكسون، وهو في جوهره مستعمرة مجاورة. أما أيرلندا المستقلة نفسها فلم تعد جزءاً من المملكة المتحدة. وهكذا نحن أمام أربع مناطق سياسية يجري الإبقاء عليها معاً بالقوة وبفعل القصور التاريخي.
واليوم تجري على إمتداد خطوط الإنقسام هذه كلها عمليات إنفصالية قوية. فهذه إنجلترا التي حكمت اسكتلندا وويلز وأولستر قروناً طويلة بالحيلة والعنف، تضعف بسرعة. وقيادتها العولمية تزداد شراسة حرفياً؛ فهي تغرق البلاد بأعداد هائلة من المهاجرين غير الشرعيين، وتدعم حركات متطرفة، وتمارس، في الواقع، عملية تدمير ذاتي، وتتعامل مع شعبها نفسه بعداء. ويخرج ملايين الإنجليز إلى الشوارع إحتجاجاً على هذه النخبة، لكن شيئاً لا يتغير.
والاسكتلنديون والويلزيون، وهم يرون ما يحدث في لندن، يستعيدون في ذاكرتهم أصولهم السلتية ويتساءلون: لماذا ينبغي لهم أن يتحملوا هذه النخبة العولمية المنحطة والعدوانية والمعادية لروسيا، التي فقدت إنسانيتها تماماً وسط شبكات إبستين؟ أما أيرلندا، فتتذكر هي الأخرى كل ما عانته على أيدي إنجلترا، وتسعى إلى التخلص من هذه الرقعة الإستعمارية في شمال جزيرتها، وتوحيد البلاد.
ومع فقدان لندن نفوذها وقوتها المالية وهيبتها، تتفكك المؤسسات التي كانت تشد أطراف المملكة إلى مركزها. وتقوى الأطراف بينما يضعف المركز. ولم يعد المطروح اليوم هو «إستعمار روسيا»، كما يهذي بعض الغربيين، بل نزع الإستعمار عن الجزر البريطانية نفسها. وهناك مشاريع عديدة لمثل هذا التفكك: يمكن إعادة بريطانيا إلى دولها الأصلية الثلاث، إنجلترا واسكتلندا وويلز، وتحرير أيرلندا الشمالية، ثم المضي أبعد من ذلك.
الجزر البريطانية اليوم شديدة الهشاشة، ولم تعد لديها أي فكرة وطنية حقيقية سوى الإيمان الأعمى بالهجرة المتواصلة بلا نهاية. ففي كثير من المدن والجامعات البريطانية، يجري إقصاء السكان الأصليين لمصلحة جموع الوافدين، الذين يكرهون أولئك الذين جلبوهم إلى هنا. وهذا إنتحار مروع للحضارة البريطانية.
ولو كنا ساخرين، لأمكننا القول: هذا ما يستحقونه؛ ففي ذلك نوع من القصاص التاريخي الأعلى، بما في ذلك بسبب ماضيهم الإستعماري في الهند وغيرها من أنحاء العالم.
وعليهم أن يدفعوا ثمن حكمهم المشوه للعالم. فالإمبراطورية البريطانية، في جوهر الأمر، لم تقدم للبشرية سوى الشر. إنها قصة مروعة للإمبريالية البريطانية، مليئة بالإبادة الجماعية والعنف والظلم والخسة والكذب. وهناك شعور طبيعي لدى جزء كبير من البشرية يقول: ليت هذه الإمبراطورية لم تكن موجودة أصلاً.
لكننا روس إنسانيون. وإذا فكرنا في إنجلترا القديمة الطيبة التي كانت موجودة منذ زمن بعيد، في عصر تشوسر والملك آرثر والحكايات الأسطورية، أو في إنجلترا الرومانسية التي عرفناها من أعمال والتر سكوت... نعم، كانت لها مشكلاتها أيضاً، لكنها كانت تتمتع بأسلوبها الفريد وروحها وثقافتها العميقة.
هذه الرقعة الجغرافية الصغيرة كانت في مرحلة ما نموذجاً يحتذى به بالنسبة إلى كثيرين، لكنها فقدت في نهاية المطاف أجواءها وسحرها، وتحولت إلى محاكاة عولمية زائفة وبشعة، يتضرر منها الجميع.
أعتقد أن من الأفضل الحفاظ على إنجلترا في صورة متحفية ما، بعد تخليصها من الزوائد والتراكمات التي لحقت بها، بل وربما إخضاعها لإدارة خارجية؛ وإلا فإنهم سيختارون من جديد بعض الأوغاد الذين سيغرقون الجزيرة بموجات جديدة من المهاجرين.
لديّ هناك أصدقاء ومعارف جيدون، ومن أصدقاء تشارلي كيرك، على سبيل المثال، جون مابين، مالك قلعة تينتاجيل الشهيرة المرتبطة بأساطير الملك آرثر، وهو ينتمي إلى طبقة عريقة من الأرستقراطية البريطانية. وهناك أيضاً أشخاص رائعون آخرون في إنجلترا. وعندما ينظر هؤلاء إلى ما آلت إليه بلادهم، يقولون: ينبغي تدميرها. بل إنهم هم أنفسهم يكرهون إنجلترا الحديثة أكثر من أي شخص آخر في العالم.
لكنهم يحبون إنجلترا أخرى؛ إنجلترا تشيسترتون وتولكين وكونان دويل وديكنز. إنجلترا التقاليد، عندما كانت لا تزال شيئاً إنسانياً، لا فراغاً عولمياً خالياً من الثقافة.
ولهذا أعتقد أن العالم سيصبح أكثر فقراً إذا محوناها ببساطة من على وجه الأرض. إن الحفاظ عليها في صورة متحفية ودودة، وربما حميدة، هو في رأيي الخيار الأكثر عدلاً وصواباً.
5
المذيع: على أن يعيد المتحف البريطاني أيضاً بعض القطع الأثرية التي نهبها من مختلف أنحاء العالم. أما المتحف نفسه، فليبقَ.
ألكسندر دوغين: وهذا أمر رائع. المهم أن نضع عليهم إدارة خارجية، لأنهم لم يعودوا قادرين على إدارة شؤونهم بأنفسهم، فضلاً عن إدارة العالم.
نحن نرى أن مشروعهم الإمبراطوري قد غرق تماماً، وأن ادعاءاتهم بالكونية لا أساس لها؛ فلا العلم ولا الثقافة ولا سياسة الديمقراطية الليبرالية عادت تعمل. لقد إتضح أن كل ذلك كان محلياً وضيق الأفق، وأنه وصل إلى طريق مسدود.
يمكن أن نُبقي إنجلترا بوصفها متحفاً تاريخياً للديمقراطية، وأن نعيدها، لنقل، إلى القرن التاسع عشر، إلى ذروة شكلها القديم. سيكون ذلك رائعاً.
ويمكن أن نجعل منها نوعاً من «المتحف الأوروبي»، يستطيع الروس حتى أن يزوروه من دون تأشيرات، لمجرد أن نتحقق من أن كل شيء يسير على ما يرام لديهم، وأنهم لم ينزلقوا من جديد إلى نوع من الهرطقة المنحطة.
المذيع: لننتقل من التاريخ إلى الحاضر، فهناك موضوع آخر بالغ الأهمية، هو الذكاء الإصطناعي.
ومن المثير للإهتمام هنا أيضاً أن نقارن بين حقيقتين. فمن جهة، يطلق لاعبون غربيون بارزون، مثل سام ألتمان وإيلون ماسك، تصريحات حادة ومقلقة مفادها أن تطوير الذكاء الاغصطناعي يجب أن يتباطأ بصورة عاجلة، لأن البشرية قد تتضرر منه بصورة خطيرة.
ومن جهة أخرى، أعلن شي جين بينغ قبل أيام أن الصين مستعدة لإتاحة تقنياتها في مجال الذكاء الإصطناعي بصورة مفتوحة أمام كل من يرغب، من دون أي دوائر مغلقة، وأنها ستعمل بكل الوسائل على تعزيز التعاون في هذا المجال.
من الواضح أننا أمام إستراتيجيين مختلفتين للعملية الحضارية نفسها. ولذلك أود أن أسأل: إلى أي جانب نقف نحن في هذه المسألة؟
ألكسندر دوغين: أعتقد أن علينا أن يكون لنا جانبنا الخاص.
إن مشكلة الذكاء الإصطناعي هي، قبل كل شيء، مشكلة الذكاء نفسه. والطريقة التي نفسر بها ماهية الذكاء، ومن هو حامله، وما طبيعته وخصائصه، هي تحديداً النقطة التي ينبغي أن نبحث فيها عن الإجابات.
أما بالنسبة إلى المطورين الغربيين، فليس التركيز في الحقيقة على الذكاء، وإنما على كلمة «إصطناعي».
في الإختصار الإنجليزي للذكاء الإصطناعي، تكمن الأهمية بالنسبة إليهم في الحرف الأول: Artificial، أي «الإصطناعي».
إنه إنتصار التقنية، وإنتصار لما إعتادوا أن يسموه «التقدم»، وهنا تكمن الفخاخ القاتلة.
وطالما أن كل شيء يقوم على المبدأ الإصطناعي وعلى مركزية التكنولوجيا، فسوف يواصلون دفع هذه العملية إلى أقصى حدودها.
أما محاولات إبطائها، فهي تحديداً ما سماه أوزفالد شبنغلر بدقة «التقنية المتحررة من القيود».
وجوهر الذكاء الاغصطناعي يكمن تحديداً في هذا التحرر للمبدأ التقني، الذي يبدأ في إحلال نفسه محل الطبيعي والإنساني.
لذلك، فمن جهة، تعمل هذه الشركات التكنولوجية العملاقة بكل قوتها على تسريع الجانب الإصطناعي وتحريره، ومن جهة أخرى، لا يزال هناك فيها شيء من العقل المتبقي، ولذلك تخاف هي نفسها وتقول: «يا إلهي، ماذا نفعل؟»
إن اليد اليمنى تضرب اليسرى: لا تعرقلنا، فقد أنتجنا بالفعل مليار وكيل!
وقد وقعت بالفعل حادثة لافتة عندما تمكن نظام تابع لشركة أنثروبيك خلال خمس عشرة دقيقة من إختراق شفرات البنتاغون والحصول على إمكانية الوصول إلى التحكم في الترسانة النووية الأمريكية، وقد عُرض ذلك مباشرة أمام دونالد ترامب.
والآن، تخيلوا ما الذي يمكن أن يترتب على ذلك.
لكن في الوقت نفسه، فإن الرهان الأعمى على التكنولوجيا، وعلى التقدم، وعلى المستقبل الإصطناعي، يدفعهم إلى تجاهل أي مخاوف: لا بأس، لا أهمية لذلك، سنتجاوز الأمر ونواصل السير.
وهذا هو، بحسب وصف دوغين، أنقى أشكال إنفصام الحضارة الغربية؛ فهذا هو ما نواجهه في حقيقة الأمر.
لا يزال لديهم قدر ضئيل من العقل، لكن الجانب الإصطناعي يزداد هيمنة بإستمرار.
وفكرة إحلال الإصطناعي محل الطبيعي هي في حد ذاتها إتجاه شامل يمتد عبر عصر الحداثة بأكمله.
ومن السذاجة الإعتقاد بأننا نستطيع ببساطة إبطاء هذه العملية من خلال إجراءات تجميلية.
علينا أن نعيد النظر في النموذج الكامل للغرب الحديث، وأن نضع طبيعة الذكاء والعقل نفسها موضع تساؤل.
من هو حامل العقل؟ هل هو الإنسان وحده؟
تعلمنا تقاليدنا المسيحية أن مصدر العقل هو اللوغوس — كلمة الله، أي العقل الإلهي نفسه.
فعقلنا ليس مجرد شيء «طبيعي»، بل يعود إلى مبدأ أعلى؛ ويمكن أن يتلقى الاسغتنارة من علٍ، لكنه يمكن أيضاً أن يتحول إلى شيء شيطاني.
إن مسألة العقل عند هيغل، وفي الفلسفة الكلاسيكية، ولا سيما في فلسفتنا الدينية الروسية، تمثل طبقة هائلة من المعاني.
وإذا كنا سنختار بين مواقف شي جين بينغ، وإيلون ماسك، وسام ألتمان، فسوف نصل إلى طريق مسدود.
ناهيك عن أننا لا نملك في الحقيقة ذكاءً إصطناعياً متكاملاً خاصاً بنا، بل إن الأمور لا تسير دائماً على ما يرام حتى مع الذكاء الطبيعي.
علينا أن نطرح السؤال على نطاق أوسع، وعلى مستوى الفلسفة الأساسية.
وفقط من خلال التفكير العميق في طبيعة العقل، يمكننا أن نضع موقفاً حقيقياً سيادياً، يستجيب لمصالحنا العميقة وقيمنا التقليدية.
#زياد_الزبيدي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
جون ميرشايمر واللوبي الإسرائيلي: حين يتغير الخطاب ولا تتغير
...
-
«نازا».. حين يخرج صوت الإبادة من داخل الجيش الإسرائيلي
-
من هزيمة العدو إلى محوه عن وجه الأرض
-
عندما تصبح القوة إستعراضاً: قراءة في صور ترامب والهشاشة التي
...
-
ألكسندر دوغين - صراع روسيا من أجل السيادة الاقتصادية - إسترا
...
-
المجر بين بروكسل وموسكو: ماذا غيّر بيتر ماديار؟
-
وعد بلفور وفلسطين - كيف باعها من لا يملك لمن لا يستحق
-
ألكسندر دوغين - صراع روسيا من أجل السيادة الاقتصادية - إما إ
...
-
جون ميرشايمر: لماذا تتجه أوكرانيا نحو الهزيمة؟
-
حذّر وخدع: كيف جعل السنوار إسرائيل ترى 7 أكتوبر ولا تصدّقه؟
-
إضاءة على كتاب: كيف جرى تسويق الإبادة الجماعية
-
ألكسندر دوغين No Kings - Yes! Jokers - ! صراع على مستقبل الغ
...
-
نقطة التحول في الحرب: معركة سلافيانسك وكراماتورسك تعادل ستال
...
-
«الحرب على الإرهاب» بعد ربع قرن: هل تحتاج أميركا إلى عدو دائ
...
-
ألكسندر دوغين - لا يمكن التوصل إلى إتفاق مع الغرب، ولذلك على
...
-
جون ميرشايمر: الوعد الكاذب للسلاح النووي التكتيكي... عندما ي
...
-
ألكسندر دوغين - الإنسان المتفرد عند يوليوس إيفولا
-
هل تتحول روسيا إلى «الشريك الأصغر» للصين؟
-
الصهيونية الليبرالية في مرآة كيتلين جونستون
-
من باب المندب إلى القطب الشمالي: حين تعود الجغرافيا لتصنع طر
...
المزيد.....
-
عبدالملك الحوثي يوجه رسالة إلى تركيا وباكستان بشأن السعودية.
...
-
فيودوروف: زيلينسكي يرفض إجراء انتخابات رئاسية في البلاد تحسب
...
-
إيران تتسلم 159 من مواطنيها ممن قضوا عقوبات سجن طويلة في الع
...
-
اليمن.. الحوثيون يتهمون السعودية بقصف سوق شعبية في تعز
-
استنفار أمني مغربي على حدود سبتة تحسبا لاقتحام جماعي جديد تز
...
-
سوريا.. لص ظريف يجمع بين الصدقة والسرقة في ريف دمشق
-
الخارجية الإيرانية تكشف سبب إغلاق المركز الثقافي التابع للسف
...
-
-شبكات-.. الشاورما تجمع أبا بابنه بعد 29 عاما وجدل بعد ديربي
...
-
-النقاب والبرقع-.. لماذا أشعلت خطة ميلوني الجدل في إيطاليا؟
...
-
-الأخبار الكاذبة تهدد أمننا القومي-.. ترمب يصعّد ضد الإعلام
...
المزيد.....
-
عيون شاردة
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام
/ سامح سعيد عبد العزيز
-
دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي
/ علي طبله
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
-
حقوق العصر
/ أحمد التاوتي
-
قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء
/ عدنان رضوان
-
Letters from the East
/ عدنان رضوان
-
العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس
/ فاخر جاسم
المزيد.....
|