أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المغرب العربي - عدي الراضي - اليسار في المغرب بين خطاب الوحدة وواقع الإنشقاقات.















المزيد.....

اليسار في المغرب بين خطاب الوحدة وواقع الإنشقاقات.


عدي الراضي
باحث في التاريخ والتراث.

([email protected])


الحوار المتمدن-العدد: 8835 - 2026 / 9 / 21 - 18:11
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المغرب العربي
    


اليسار المغربي بين خطاب الوحدة وواقع الانشقاقات

بتتبع تاريخ اليسار المغربي منذ سبعينيات القرن الماضي إلى اليوم، يلاحظ المتابع وجود مفارقة لافتة بين الخطاب والممارسة، بين النظري والتطبيقي. فمن جهة، ظل خطاب الوحدة وتجميع القوى اليسارية يشكل قاسماً مشتركاً بين مختلف مكونات اليسار المغربي، ومن جهة أخرى ظل الواقع يفرز انشقاقات متتالية وتكاثراً للتنظيمات والتيارات والحساسيات. وكأن اليسار المغربي يعيش، منذ عقود، حالة من التوتر الدائم بين الحلم الوحدوي والواقع الانقسامي.

وقد تعزز هذا الانطباع بشكل أكبر خلال مرحلة ما بعد سنة 1994، التي تميزت بإطلاق سراح عدد من المعتقلين السياسيين وعودة عدد من المنفيين إلى أرض الوطن. ففي تلك الفترة تصدرت شعارات "تجميع مكونات اليسار" و"وحدة اليسار" و"بناء الحزب اليساري الكبير" عناوين العديد من الجرائد والمنابر الإعلامية اليسارية. كما ظهرت أو تعزز حضور مجموعة من الصحف التي جعلت من هذا الهدف محوراً لنقاشاتها وتحليلاتها، من قبيل "الأفق" و"اليسار الديمقراطي" و"أنوال"، ثم لاحقاً "المنظمة" و"الميدان" و"الموجة" و"النهج الديمقراطي" و"الطريق" وغيرها من المنابر التي واكبت النقاش حول آفاق الوحدة اليسارية.

وقد أتيحت لنا فرصة متابعة جزء من هذه التجربة عن قرب، سواء من خلال الاحتكاك بالميدان النضالي داخل الحركة الطلابية، أو من خلال تعاطفنا في مرحلة الدراسة الثانوية مع تجربة منظمة العمل الديمقراطي الشعبي وما كانت تطرحه من شعارات مرتبطة بتجميع قوى اليسار وتجديد المشروع الديمقراطي. لذلك لم يكن موضوع الوحدة بالنسبة إلينا مجرد شعار سياسي عابر، بل قضية رافقت مسار أجيال من المناضلين الذين كانوا يعتقدون أن تجاوز التشتت شرط أساسي لبناء قوة سياسية يسارية قادرة على التأثير في المجتمع.

غير أن ما يثير الانتباه هو أن عقوداً من الحديث عن الوحدة لم تُفضِ دائماً إلى نتائج وحدوية، بل كثيراً ما كانت تواكبها انشقاقات جديدة وظهور تنظيمات أو تيارات إضافية. واليوم، ومع بروز تيار جديد داخل حزب اليسار الموحد، يعود النقاش نفسه إلى الواجهة، وتُطرح الأسئلة ذاتها التي رافقت اليسار المغربي منذ عقود: لماذا يظل خطاب الوحدة حاضراً بقوة في أدبيات اليسار، بينما يستمر واقع التشتت والانقسام؟ وكيف يمكن تفسير هذه المفارقة التي تكاد تتحول إلى سمة ملازمة لتاريخ اليسار المغربي؟

وللإجابة عن هذا السؤال، تستحضر الذاكرة الشعبية المغربية حكاية رمزية بالغة الدلالة، هي حكاية فراخ طائر نقار الخشب المعروف أمازيغياً باسم "تنقب زوران"...

تزخر الثقافة الشعبية المغربية، وخاصة في المناطق الجبلية والأمازيغية، بحكايات رمزية تختزل تجارب إنسانية وسياسية عميقة. ومن بين هذه الحكايات قصة فراخ طائر نقار الخشب، المعروف أمازيغياً باسم "تنقب زوران". وتحكي الرواية الشعبية أن أم الفراخ كانت تحذر صغارها كلما غادرت العش من إصدار الأصوات، لأن الأفاعي قد تهتدي إلى مكانهم فتفترسهم. وكانت توصيهم قائلة: "الزموا الصمت حتى أعود".اليسار المغربي بين خطاب الوحدة وواقع الانشقاقات
تزخر الثقافة الشعبية المغربية، وخاصة في المناطق الجبلية والأمازيغية، بحكايات رمزية تختزل تجارب إنسانية وسياسية عميقة. ومن بين هذه الحكايات قصة فراخ طائر نقار الخشب، المعروف أمازيغياً باسم "تنقب زوران". وتحكي الرواية الشعبية أن أم الفراخ كانت تحذر صغارها كلما غادرت العش من إصدار الأصوات، لأن الأفاعي قد تهتدي إلى مكانهم فتفترسهم. وكانت توصيهم قائلة: "الزموا الصمت حتى أعود".
غير أن المفارقة تبدأ بمجرد مغادرة الأم للعش. فيرفع أحد الفراخ صوته قائلاً لإخوته: "لقد أوصتنا أمنا بالصمت". فيرد عليه الآخر مؤكداً الوصية نفسها، ثم يتدخل ثالث ورابع، فيتعالى الصخب شيئاً فشيئاً. وهكذا يتحول الحديث عن الصمت إلى سبب مباشر في ضياعه، وتصبح الوصية نفسها مدخلاً لنقيضها. فتسمع الأفاعي الضجيج وتهتدي إلى العش، فيقع ما كانت الأم تخشاه.
هذه الحكاية تبدو وكأنها كُتبت لوصف جزء مهم من تاريخ اليسار المغربي. فمنذ سبعينيات القرن الماضي إلى اليوم، يكاد لا يخلو خطاب يساري من الدعوة إلى الوحدة، ورص الصفوف، وتجاوز الخلافات، وبناء قطب ديمقراطي تقدمي قادر على التأثير في المجتمع والدولة. لكن المفارقة أن كثافة الحديث عن الوحدة لم تنتج وحدة، بل كثيراً ما واكبت موجات جديدة من الانشقاقات والتصدعات التنظيمية.
لقد أصبح الحديث عن الوحدة داخل اليسار المغربي يشبه إلى حد بعيد صياح فراخ "تنقب زوران". فكل تيار يدعو إلى الوحدة، لكنه يدعو إليها وفق تصوره الخاص، وكل تنظيم يطالب بتجاوز الخلافات، لكنه يتمسك بتأويله الخاص للتاريخ وللإيديولوجيا وللشرعية النضالية. وهكذا يتحول شعار الوحدة إلى موضوع للصراع بدل أن يكون أداة لتجاوزه.
منذ الانشقاقات التي عرفتها الحركة الاتحادية، مروراً بتشعبات اليسار الجديد، ووصولاً إلى تعدد التنظيمات الصغيرة والمتوسطة التي تحمل المرجعية نفسها تقريباً، ظل اليسار يعيش مفارقة غريبة: إجماع نظري على الوحدة يقابله تشرذم عملي متواصل. وكأن الوحدة أصبحت خطاباً رمزياً أكثر منها مشروعاً سياسياً قابلاً للتحقق.
إن أحد أسباب هذه المفارقة يكمن في أن النقاش حول الوحدة غالباً ما يركز على الشعارات أكثر مما يركز على الشروط الموضوعية للوحدة. فالفاعلون السياسيون يتحدثون كثيراً عن ضرورة الاندماج والتقارب، لكنهم أقل استعداداً لتقديم التنازلات الفكرية والتنظيمية التي تجعل ذلك ممكناً. وبدل أن تصبح الوحدة نتيجة لمسار من الثقة والعمل المشترك، تتحول إلى شعار يتنافس الجميع على احتكاره.
ولعل أحدث الأمثلة التي تعكس استمرار هذه الظاهرة ما يرتبط بمبادرة تشكيل "اليسار الجديد المتجدد". فقد انطلقت هذه المبادرة من تشخيص يكاد يحظى بالإجماع داخل العائلة اليسارية، ومفاده أن التشتت التنظيمي أضعف حضور اليسار في المجتمع وأفقده جزءاً كبيراً من قدرته على التأثير. ولذلك رفعت منذ بدايتها شعار التجديد والتجميع واستعادة المبادرة. غير أن مجرد طرح سؤال الوحدة أعاد إلى الواجهة النقاشات القديمة نفسها حول المرجعيات والأولويات وأساليب العمل وأشكال القيادة. وهنا تظهر المفارقة من جديد؛ فكل الأطراف تتحدث عن ضرورة الوحدة، لكن اختلافها حول كيفية تحقيقها يجعل النقاش حول الوحدة نفسه عاملاً من عوامل إنتاج التباعد. وكأن اليسار المغربي ما يزال يدور في الحلقة ذاتها: كلما ارتفعت الأصوات المنادية بالتوحيد، برزت حساسيات جديدة وتمايزات إضافية، فيتحول شعار الوحدة إلى مناسبة للكشف عن الاختلافات بدل تجاوزها.
ومن هنا تكتسب حكاية فراخ نقار الخشب دلالتها العميقة. فالمشكلة لم تكن في غياب معرفة الفراخ بوصية الأم، بل في تحويل الوصية إلى موضوع للثرثرة المستمرة. وكذلك الأمر بالنسبة لليسار المغربي؛ فالمشكلة ليست في نقص الوعي بأهمية الوحدة، بل في الإفراط في الحديث عنها دون بناء ممارسات وحدوية فعلية. فكلما ارتفع منسوب الخطاب حول الوحدة، ازداد ظهور الخلافات الكامنة، وبرزت الحساسيات التنظيمية والشخصية والإيديولوجية التي تؤدي إلى مزيد من التشظي.
لقد أثبتت التجارب السياسية في مختلف أنحاء العالم أن الوحدة لا تُبنى بالخطب والبيانات وحدها، بل بالممارسة المشتركة حول أهداف ملموسة. فالمناضلون الذين يخوضون معارك اجتماعية وديمقراطية مشتركة يكتشفون تدريجياً ما يجمعهم أكثر مما يفرقهم. أما حين يصبح النقاش منصباً باستمرار على سؤال الوحدة ذاته، فإن هذا السؤال يتحول إلى مصدر دائم للخلاف.
إن الدرس الذي يمكن استخلاصه من حكاية "تنقب زوران" هو أن الصمت لم يكن غاية في حد ذاته، بل كان وسيلة للحفاظ على العش. والوحدة السياسية ليست بدورها شعاراً مجرداً، بل وسيلة لتعزيز الفعالية السياسية وخدمة قضايا المجتمع. وعندما تتحول الوسيلة إلى موضوع دائم للجدل، تضيع الغاية الأصلية.
لذلك يمكن القول إن أزمة اليسار المغربي ليست أزمة وعي بأهمية الوحدة، بل أزمة تحويل هذا الوعي إلى ممارسة. فكما أن فراخ نقار الخشب ضيعت الصمت بسبب كثرة الحديث عنه، فإن اليسار كثيراً ما يبدد فرص الوحدة بسبب الإفراط في الحديث عنها. وبين صياح الفراخ الذي يجلب الأفاعي، وخطابات الوحدة التي تنتهي أحياناً إلى انشقاقات جديدة، تتجلى المفارقة نفسها: ليس كل من يتحدث عن الصمت يصمت، وليس كل من يتحدث عن الوحدة يوحد. وأحياناً يكون أقصر طريق إلى الوحدة هو التوقف عن جعلها شعاراً دائماً، والبدء في تحويلها إلى ممارسة يومية داخل النضال المشترك. ففراخ "تنقب زوران" لم تكن تحتاج إلى مزيد من التذكير بوصية أمها، بل كانت تحتاج إلى الالتزام بها؛ وكذلك اليسار المغربي لا يحتاج اليوم إلى خطابات جديدة حول الوحدة بقدر ما يحتاج إلى إرادة سياسية تجعلها واقعاً ملموساً.



#عدي_الراضي (هاشتاغ)       [email protected]#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الهجرة عبر التاريخ: قراءة أنثروبولوجية بين الماضي والحاضر
- بين الفرح والواجب: عندما تتحول المناسبات الاجتماعية إلى مصدر ...
- المغرب الفاسي ...عودة الفريق إلى منصة الألقاب.
- العنصرة: يوم رعوي يكشف الأبعاد الأنتروبولوجية الرعي والإنتجا ...
- يوم المقاومة وذكرى معركة أيت يعقوب : تزامن تاريخي يدعو إلى إ ...
- معركة آيت يعقوب: بين الإعتراف الرسمي وآفاق تخليد الذكرى المئ ...
- شهر التراث وضرورة تثمين -تالاسا- أو- الجزازة- كتعبير عن التر ...
- شهر التراث وضرورة تثمين -تالاسا- أو- الجزازة- كتعبير عن التر ...
- قرية تاعرعارت : مؤهلات السياحة الجبلية ورهانات التنمية الترا ...
- كيف نصنع لوجودنا معنى ؟
- من أجل استعادة الأسماء الأصلية لبحيرتي -إزلي وتيزليت -والموس ...
- هل يميز الدجاج الذهب من الذرة: قراءة ثقافية في الحكمة الأماز ...
- التنشيط الثقافي بين الترفيه الهادف وعبث التطفل.
- بين مسقط الرأس ومسقط القلب: مقاربة نفسية بعلاقة الإنسان بالم ...
- الشباب المغربي وسؤال القدوة : حين تخصب التفاهة وتجف القيم.
- أيت هرهور : البنية المجالية والتحولات السوسيو-تاريخية
- أضواء كاشفة على جوانب قاتمة من تاريخ قرية أفراسكو النائية.
- ثورة الملك والشعب قفزة نوعية في مسيرة الكفاح الوطني بالمغرب.
- الوضعية الاقتصادية والإجتماعية لقبائل الجنوب الشرقي بعد معرك ...
- قراءة في قصيدة -نسير في فوضى -للشاعرة فاطمة بورزى.


المزيد.....




- بعد إلغاء ترامب غاراته.. تقارير عن مساعي -الحوثيين- لعزل ساح ...
- ثلاث مؤسسات إعلامية أمريكية تعتزم مقاضاة إدارة ترامب بعد منع ...
- لجنة الانتخابات: 2.97 مليون فلسطيني يحق لهم الاقتراع في الان ...
- توقيف نجمة مسلسل -الطائر الرفراف- في مطار إسطنبول
- مستشار قاليباف يوضح كيف تدمج إيران الحرب والتفاوض في ملف واح ...
- -كونفيرس- تسحب إعلانا أثار غضبا لاستحضاره أقدم منظمة إرهابية ...
- مفاجأة مقلقة: الذكاء الاصطناعي -يشعر بالألم- وقد يؤذي البشر ...
- فيليبو: الفرنسيون بحاجة إلى خطة للحماية من ماكرون لا من -تهد ...
- الجيش الكندي ينشئ قوة أمنية جديدة لمقاتلات -إف-35- الأمريكية ...
- تحذيرات من كارثة بسبب الذكاء الاصطناعي.. وكيف تحمي حياتك الر ...


المزيد.....

- حوار الرفيق ع.الغني القباج مع جريدة -المناضل-ة- / عبد الغني القباج
- عن الجامعة والعنف الطلابي وأسبابه الحقيقية / مصطفى بن صالح
- بناء الأداة الثورية مهمة لا محيد عنها / وديع السرغيني
- غلاء الأسعار: البرجوازيون ينهبون الشعب / المناضل-ة
- دروس مصر2013 و تونس2021 : حول بعض القضايا السياسية / احمد المغربي
- الكتاب الأول - دراسات في الاقتصاد والمجتمع وحالة حقوق الإنسا ... / كاظم حبيب
- ردّا على انتقادات: -حيثما تكون الحريّة أكون-(1) / حمه الهمامي
- برنامجنا : مضمون النضال النقابي الفلاحي بالمغرب / النقابة الوطنية للفلاحين الصغار والمهنيين الغابويين
- المستعمرة المنسية: الصحراء الغربية المحتلة / سعاد الولي
- حول النموذج “التنموي” المزعوم في المغرب / عبدالله الحريف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المغرب العربي - عدي الراضي - اليسار في المغرب بين خطاب الوحدة وواقع الإنشقاقات.