عدي الراضي.
الحوار المتمدن-العدد: 8709 - 2026 / 5 / 18 - 02:51
المحور:
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
في سياق الإحتفاء بشهر التراث واليوم العالمي للمتاحف والذي سوف يتم هذه السنة تحت شعار " تراثنا ؛ جضارتنا "تأتي هذه المساهمة لاستحضار أحد أهم و أبر ز أشكال التراث الرعوي بجبال الأطلس بالمغرب ؛ المتمثل في حفلة "تالاسا" كذاكرة مجالية وثقافية مهددة بالنسيان.
شرع المغرب في الإحتفاء بشهرالتراث رسميا منذ سنة 2019 الذي يمتد من 18-أبريل كيوم للمواقع الأثرية إلى 18-ماي كيوم عالمي للمتاحف.، وتحرص وزارة الثقافة عبر مندوبيتها الإقليمية على القيام بانشطة ثقافية وندوات علمية تعرف بالتراث في جميع الجهات ؛ دون نسيان دور مراكز فضاءات الذاكرة التاريخية للمقاومة والتحريرفي هذا الصدد. مع إهمال المجتمع المدني
وشهر التراث مناسبة سنوية لاستحضار أهمية الذاكرة الجماعية ومكانة التراث في بناء الوعي المجتمعي وصون الهوية الثقافية. كما تتزامن هذه المناسبة مع تخليد اليوم العالمي للمتاحف، باعتباره محطة رمزية للتذكير بالدور المحوري الذي تضطلع به المتاحف، ليس فقط باعتبارها فضاءات لعرض التحف والمقتنيات، بل بوصفها مؤسسات حافظة لذاكرة الشعوب، وخزائن تحفظ نفائس البشريةوشواهدها الحضارية، وتؤدي وظيفة جوهرية في نقل المعارف والقيم بين الأجيال. ومن ثم ، فإن استحضا ر قضاياالتراث، المادي منه واللامادي، خلال هذه المناسبة يشكل دعوة إلى إعادة التفكير في سبل صونه والحفاظ عليه وتثمينه وربطه بأسئلة التنمية والهوية والتحولات المجتمعية.ولعل من أنسب النماذج المحلية التي يمكن من خلالها استجلاء هذه الإشكالية، واستحضار العلاقة المركبة بين الذاكرة
والهوية والتحول الاجتماعي، ما يعرف في الثقافة الأمازيغية المحلية بـ**"تالاسا"** أو "تالوسي"، والتي تعني بالعربية الجزازة، أي الموعد أو الموسم المخصص لجز صوف الأغنام. ولا يتعلق الأمرهنا بمجرد نشاط رعوي مرتبط بتدبير القطيع، بل بممارسة ثقافية متجذرة في النسق الاجتماعي والاقتصادي للمجتمعات الجبلية، تختزن أبعا دا رمزية وجماعيةعميقة، جعلت منها على امتداد أزمنة طويلة لحظة احتفالية جامعة تتقاطع فيها الوظيفة الاقتصادية مع البعد الاجتماعي والحمولة الثقافية. خاصة في الأزمنة الماضية التي تعد فيها الصوف مادة أساسية في صنع الملابس والأغطية لمواجهة برودة وزمهرير الشتاء. ويصادف هذا الموسم دخول الصيف لكي لاتؤثر عملية الجزازة على صحة الأغنام ؛ مادام أن الصوف يقيها من البرد ؛ ويجعلها تتكيف أكثر مع أجواء الفصل القارس. ومدة ثلاثة أشهر كافية لنمو الصوف على جلودها قبل تقلب حالة الجو ؛ وانتهاء دورة الانتجاع.
وفي قلب هذا الطقس يحضر "أجلام"، وهو الشخص المتخصص في جز الصوف، والذي يطلق عليه في تعبير فكاهي متداول محليا "حلاق الأغنام" ، في استعارة شعبية تختزل جانبا من روح الدعابة التي ترافق هذا الموعد الجماعي. وعملية الجز لا تتم في صمت ، بل كانت تؤثثها أهازيج وأغاني خاصة ، يرددها أجلام أو الحاضرون، ومن أشهرها هذا البيت الأمازيغي:
"أتا صبرأتخسي توضام العادة ، أد ناوي بوتزلين، أم إكس تاضوت، أتا صبرأتخسي."
ومعناه بالعربية: "عليك بالصبر أيها الشاة فقد حان الموعد وسيجز الجزاز صوفك بالمقص ؛ فاصبري الشاة.
ويكشف هذا البيت عن لغة شعرية بسيطة لكنها غنية بالدلالات، إذ تضفي على العمل اليومي بعدا احتفاليا وإنسانيا ، وتحول الفعل التقني إلى لحظة تواصل وجداني بين الإنسان ومحيطه الحيواني والطبيعي. وهذا المقال ليس سوى مدخل أولي وملخص مقتضب لموضوع أشمل يتناول "تالوسي" أو "تالاسا" باعتبارها تراثا أمازيغيا أصيلا يتجاو ز المجال الرعوي الضيق ليرتبط بمجمل البنيات المجالية والثقافية التي تشكلت عبرها الحياة التقليدية في جبال الأطلس بالمغرب.
غيرأن ذاكرة "تالاسا" لا تنحصر في مجال ثمجاط وحده الذي تم تناوله في مقال سابق ، بل تمتد لتشمل فضاءات رعوية أخرى تختزن بدورها حمولة تاريخية وأنثروبولوجية عميقة، من قبيل "أقا ن تاعرعارت" و**"تادوت ن ودي"** بسفوح جبل العياشي ، وهي مجالات ارتبطت عب ر أزمنة طويلة بتنقلات الرحل ومواسم الانتجاع الصيفي ، وشكلت فضاءات حاضنة لطقوس الجزازة وممارساتها الجماعية. وتكتسب
هذه الأمكنة قيمتها لا فقط من موقعها الطبيعي ضمن المسالك الرعوية التاريخية ، بل من
كونها خزانات للذاكرة الجماعية، تحتفظ في تضاريسها وأسمائها وأعرافها وآثا ر الاستقرار الموسمي فيها بشواهد دالة على عمق العلاقة التي نسجها الإنسان الجبلي مع محيطه الطبيعي، وعلى ما راكمته هذه العلاقة من تقاليد ومعارف وخبرات توارثتها الأجيال.
لقد كان موسم "تالاسا" يمثل لحظة زمنية كثيفة بالدلالات، تتقاطع فيها الأبعاد الاقتصادية المرتبطة بإعداد اللباس وتدبي رالموارد، والاجتماعية المتصلة بتعزيز الروابط داخل الجماعة، والثقافية المرتبطة بنقل الطقوس والتقاليد، بل وحتى الرمزية التي تستبطن معاني الخصب والاستمرارية والتجدد.
لم يعد التراث المادي واللامادي مجرد بقايا من الماضي أو مظاهر فولكلورية معزولة، بل أضحى خلال العقود الأخيرة في صلب الاهتمامات الوطنية والدولية، بوصفه رصيدا استراتيجيا يجمع بين الذاكرة والهوية من جهة، وإمكانات التنمية الاقتصادية والاجتماعية من جهة أخرى. وقد تبلو ر هذا الوعي في سياقات تاريخية معقدة، حيث شكل الدما ر الذي خلفتهالحربان العالميتان الأولى والثانية لحظة مفصلية كشفت هشاشة الموروث الثقافي الإنساني، وأبرزت الحاجة الملحة إلى صونه باعتباره تراث ا مشتر كا للإنسانية.
وتزامن ذلك مع صعود حركات التحر ر الوطني، التي جعلت من التراث أداة لإعادة بناء الهوية الجماعية ومقاومة آثار الهيمنة الاستعمارية، من خلال استعادة الذاكرة المحلية وإحياء العادات والتقاليد والممارسات الروحية واللغات باعتبارها مكونات أساسية للشخصية الحضارية للشعوب.
ومع تسارع وتيرة العولمة، برزت تحديات جديدة تمثلت في خطرتنميط الثقافات وذوبان الخصوصيات المحلية، الأمرالذي دفع المنتظم الدولي إلى إعادة الاعتبا ر للتنوع الثقافي بوصفه قيمة إنسانية كونية.
. وفي هذا السياق، لعبت منظمة اليونسكو دو را محور يا في مواكبة هذا التحول ، عبر وضع إطارات قانونية ومفاهيمية جديدة لحماية التراث الإنساني في شقيه المادي واللامادي، وإدراجه ضمن قوائم التراث العالمي باعتباره تراثا مشتركا للإنسانية. وقد شمل هذا الاعتراف الدولي العديد من المعالم والممارسات الثقافية عبر العالم، من بينها على الصعيد المغربي تسجيل مدينة فاس العتيقة ضمن التراث العالمي والموقع الأثري وليلي ، وساحة جامع الفناء باعتبارها فضا ء حيا للتراث الشفهي والفرجوي، إضافة إلى فن الملحون باعتباره تراث شفاهي وموسيقي أصيل يعكس عمق الذاكرة الثقافية المغربية، وهي نماذج تؤكد كيف يمكن للتراث، في بعديه المادي واللامادي، أن يتحول إلى رصيد إنساني مشترك تتقاسمه الشعوب و تساهم في صونه المؤسسات الدولية .
ومن بين النماذج الدالة على غنى هذا التراث المغربي بشقيه نذكر التراث الرعوي المنتشر والمعروف في مناطق متعددة بجبال الأطلس، حيث تتشكل ذاكرة جماعية مرتبطة بالمراعي والتنقلات الموسمية والطقوس الاجتماعية، وتشكل جز ءا من علاقة الإنسان بالمجال الطبيعي عبرالتاريخ.وضمن هذا التراث نذكر موسم "تالاسا" أو "الجزازة" وهي مناسبة رعوية بامتياز تشكل منظومة اجتماعية كاملة، تتقاطع فيها الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والرمزية، غيرأنها عرفت تحولات عميقة مع تراجع الاقتصاد التقليدي، وتغير أنماط العيش، وصعود الإنتاج الحديث ، مما أدى إلى تقلص وظائف هذا الموسم وتحوله في بعض السياقات إلى ممارسة احتفالية محدودة الدلالة.وفي سياق الحديث عن سبل إحياء هذا الموروث وتثمينه، لا بد من التنويه بالمبادرات الثقافية الراهنة، من بينها مهرجان"تالاسا" الذي احتضنته منطقة هبري بالأطلس، باعتباره خطوة مهمة في اتجاه تثمين هذا التراث وإعادة الاعتبار له في الوعي الجمعي والثقافي المغربي، وتحفيز البحث العلمي في مضامينه التاريخية والأنثروبولوجية و الرهان الحقيقي لا يكمن في الطابع الاحتفالي لهذه المبادرات، بل في تحويلها إلى مشاريع معرفية ومؤسساتية مستدامة، قادرة على توثيق هذا الموروث وأرشفته وإعادة إدماجه في السياسات الثقافية والتنموية..
ويُسجَّل، في هذا السياق، غيابُ تفاعلٍ فعّال للمجتمع المدني مع هذه المناسبة، وتفويتً هذه الفرصة الثمينة ، لاسيما في ظلّ الصلة الوثيقة بين صون التراث وتحقيق التنمية المستدامة. ومن ثمّ، فإنّ الأمر يقتضي تفعيلَ شراكاتٍ جادّة بين فعاليات المجتمع المدني ووزارة الثقافة وفضاءات الذاكرة التاريخية، قصد تعزيز التعريف بالموروث الثقافي والتحسيس بقيمته الحضارية والاقتصادية.
ولهذا من المفروض على الجمعيات الثقافية الجادّة ومراكز البحث ف العمل على إعداد برامج سنوية قائمة على البحث الميداني والتوثيق العلمي، تُعنى بتثمين التراث المادي واللامادي، باعتباره إرثًا حضاريًا مشتركًا للإنسانية جمعاء، وعنصرًا أساسيًا في بناء الهوية الثقافية وتعزيز الوعي التاريخي لدى الأجيال الصاعدة. كما من شأن هذه المبادرات أن تُسهم في تحويل التراث من مجرد ذاكرة رمزية إلى أداة أساسية للتنمية الثقافية والسياحية والاقتصادية، عبر تشجيع الدراسات الأكاديمية، وتنظيم التظاهرات الثقافية، وإحياء الذاكرة المحلية ضمن رؤية واضحة تهدف تحقيق مايعرف عالميا باقتصاد التراث..
ومن خلل كل هذه المعطيات تتضح وتظهر ضرورة إعادة قراءة التراث الرعوي لا بوصفه ماض بائد يرتبط بمرحلة تجاوزتها المجتمعات بل بوصفه ذاكرة حيّّة قابلة للفهم وإعادة التأويل، في إطا ر مقاربات متعددة التخصصات تجمع بين التاريخ والأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع والدراسات المجالية. إن شهر التراث وما يواكبه من احتفاء بالمتاحف يفتحان بابا واسعا لإعادة طرح سؤال جوهري: كيف يمكن صون التراث دون تجميده؟ وكيف يمكن تثمينه دون تفريغه من معناه ومحتواه التاريخي والإجتماعي والأنتروبولوجي العريق؟
إن الإجابة عن هذا السؤال تظل مرتبطة بقدرتنا على تحويل التراث إلى رافعة تنموية وثقافية في زمن
الرقمنة ،وباعتباره وجسرا يربط بين الماضي والمستقبل ؛ وبين الإنسان والمجال الذي يعيش فيه ؛ والمحيط الذي يتفاعل معه ؛ ، وبين التاريخ وتحولاته المستمرة والمتسارعة.
بقلم : عدي الراضي .
باحث في التاريخ والتراث.
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟