أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - السياحة والرحلات - عدي الراضي - قرية تاعرعارت : مؤهلات السياحة الجبلية ورهانات التنمية الترابية بجبل العياشي.














المزيد.....

قرية تاعرعارت : مؤهلات السياحة الجبلية ورهانات التنمية الترابية بجبل العياشي.


عدي الراضي
باحث في التاريخ والتراث.

([email protected])


الحوار المتمدن-العدد: 8696 - 2026 / 5 / 3 - 01:49
المحور: السياحة والرحلات
    


تُعدّ السياحة الجبلية اليوم أحد أهم الرهانات التنموية القادرة على إحداث تحول نوعي في بعض مناطق العالم القروي، خاصة تلك الواقعة عند سفوح القمم الكبرى، لما تزخر به من مؤهلات طبيعية ومجالية وثقافية قابلة للتثمين ضمن رؤية تنموية مستدامة. وفي هذا السياق، تبرز قرية تاعرعارت باعتبارها نموذجًا واعدًا يمكن أن يتحول إلى قطب حقيقي للسياحة الجبلية والإيكولوجية، بالنظر إلى موقعها الاستراتيجي في قلب كتلة جبل العياشي، المصنف ضمن أعلى القمم الجبلية بالمغرب، وما يوفره هذا الموقع من إمكانات كبيرة لاستقطاب هواة التسلق والمغامرة والاستكشاف.
إن تزايد الإقبال، خاصة في صفوف الشباب، على رياضات الطبيعة، وعلى رأسها تسلق الجبال والمشي الجبلي، يفتح أمام هذه المنطقة آفاقًا واسعة للاندماج في دينامية السياحة البديلة؛ وهي سياحة تقوم على استثمار المؤهلات البيئية والخصوصيات المحلية، بدل الاقتصار على الأنماط السياحية التقليدية. وتتميز تاعرعارت بكونها المنفذ الأقرب والمسلك الأسهل نسبيًا لبلوغ قمة العياشي، ما يمنحها أفضلية تنافسية واضحة مقارنة ببعض المسالك الأخرى، ويجعلها مؤهلة لتكون نقطة انطلاق رئيسية للرحلات الجبلية المنظمة.
كما أن توفر القرية على دار للضيافة، إلى جانب وجود مرشدين محليين ذوي معرفة دقيقة بالمسالك والتضاريس والمجال الجبلي، يشكل قاعدة أساسية لتطوير عرض سياحي منظم وآمن، قادر على تلبية حاجيات الزوار، سواء تعلق الأمر بالمبتدئين أو بالمتسلقين ذوي الخبرة. فالتنمية السياحية لا تقوم فقط على وجود المؤهل الطبيعي، بل تحتاج أيضًا إلى بنية استقبال ملائمة، وتأطير بشري مؤهل، وتسويق ترابي فعال يبرز خصوصية المجال ويصنع له هوية بصرية وسياحية مميزة.
ولا تقتصر المؤهلات الجغرافية للمنطقة على قمة العياشي وحدها؛ إذ يمكن للزائر أيضًا خوض تجربة صعود جبل ماوضفود المطل على القرية من جهتها الجنوبية، والذي يشكل معبرًا تاريخيًا وطبيعيًا بالغ الأهمية، إذ يربط بين تافيلالت وغريس وزيز وملوية العليا عبر فج "تيزي ن ماوضفود". وهذه المسالك الجبلية القديمة ليست مجرد ممرات طبيعية، بل هي شواهد على تاريخ طويل من التنقل والتبادل البشري والتجاري، ويمكن إدماجها ضمن مسارات للسياحة الثقافية والاستكشافية. كما يمكن الوصول إلى العياشي أيضًا عبر هذا الفج انطلاقًا من قرية أفراسكو، وهو ما يسمح بإعداد مسارات متنوعة للتسلق والمشي الطويل، ويعزز جاذبية المنطقة لدى مختلف الفئات.
ومن زاوية التنمية الترابية، فإن ما يمنح تاعرعارت قيمة مضافة حقيقية هو بعدها التاريخي والتراثي. فالقرية تحتضن آثارًا ذات حمولة تاريخية مهمة، من بينها "توريرت ن اوعيرم"، التي يرجح أنها كانت قلعة حصينة خلال العهدين المرابطي والموحدي، ما يجعلها موردًا تراثيًا قابلًا للتثمين ضمن مشروع للسياحة الثقافية. فالتجارب السياحية الأكثر نجاحًا عالميًا هي تلك التي تجمع بين البعد الطبيعي والعمق التاريخي والرمزي للمكان.
كما أن المروج والمراعي الصيفية التي كانت تحتضن قديمًا طقوسًا جماعية مثل حفلات الجز "تالوسي" واحتفالات العنصرة، تمثل بدورها ذاكرة جماعية حية يمكن إعادة إحيائها وتوظيفها ضمن مهرجانات موسمية أو تظاهرات ثقافية، بما يربط التنمية السياحية بالتراث اللامادي. وحتى أسماء المواقع المحلية، مثل "أقا ن تاعرعارت" و**"تداوت ن ودي"**، تحمل دلالات جغرافية وتاريخية تعكس أهمية هذا الجبل في الانتجاع والرعي والتنقل الموسمي عبر القرون.
غير أن الحديث عن تحويل هذه المؤهلات إلى رافعة تنموية حقيقية يظل مشروطًا بتوفير البنيات التحتية الأساسية، وفي مقدمتها الولوجية. فالمفتاح السحري لتحقيق هذا المبتغى يتمثل، أساسًا، في فك العزلة عن المنطقة عبر تجويد الشبكة الطرقية وتأهيل المسالك المؤدية إلى القرية، خاصة انطلاقًا من تونفيت وأوديم. فإشكالية الولوج تشكل اليوم أحد أبرز التحديات المجالية التي تحد من انفتاح المنطقة على محيطها، وتقلص من قدرتها على استقطاب الزوار والمستثمرين. ذلك أن التنمية السياحية، مهما توفرت لها من مؤهلات طبيعية وتراثية، تبقى مرتبطة بشكل وثيق بجودة البنيات التحتية الأساسية، وفي مقدمتها الطرق والمسالك الجبلية المعبدة والآمنة.
إن تحسين الربط الطرقي لا يعني فقط تسهيل حركة السياح والمتسلقين، بل يشكل مدخلًا أساسيًا لإدماج المنطقة ضمن الدينامية الاقتصادية والسياحية للجهة، وربطها بمختلف المسارات السياحية الجبلية، بما يحولها من مجال شبه معزول إلى فضاء منفتح وقادر على المنافسة والاستقطاب.
إن الرهان الحقيقي اليوم لا يكمن فقط في التعريف بهذه المؤهلات، بل في بلورة استراتيجية متكاملة للتسويق السياحي الترابي تقوم على التوثيق الرقمي، وإنتاج محتوى بصري احترافي، وتنظيم تظاهرات رياضية جبلية، وربط شراكات مع جمعيات التسلق الوطنية والدولية، إلى جانب تثمين الرأسمال البشري المحلي وتأهيله لمواكبة هذه الدينامية.
فحين يُحسن استثمار المجال، يمكن لتاعرعارت أن تتحول من قرية جبلية ظلت لسنوات حبيسة العزلة والتهميش، إلى وجهة سياحية متخصصة في التسلق الجبلي والسياحة الإيكولوجية والثقافية، بما يخلق دينامية اقتصادية محلية، ويوفر فرص دخل للسكان، ويجعل من الجبل رافعة حقيقية للتنمية، بدل أن يظل مجرد فضاء هامشي تختزن تضاريسه إمكانات كبيرة لم تُستثمر بعد.



#عدي_الراضي (هاشتاغ)       [email protected]#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كيف نصنع لوجودنا معنى ؟
- من أجل استعادة الأسماء الأصلية لبحيرتي -إزلي وتيزليت -والموس ...
- هل يميز الدجاج الذهب من الذرة: قراءة ثقافية في الحكمة الأماز ...
- التنشيط الثقافي بين الترفيه الهادف وعبث التطفل.
- بين مسقط الرأس ومسقط القلب: مقاربة نفسية بعلاقة الإنسان بالم ...
- الشباب المغربي وسؤال القدوة : حين تخصب التفاهة وتجف القيم.
- أيت هرهور : البنية المجالية والتحولات السوسيو-تاريخية
- أضواء كاشفة على جوانب قاتمة من تاريخ قرية أفراسكو النائية.
- ثورة الملك والشعب قفزة نوعية في مسيرة الكفاح الوطني بالمغرب.
- الوضعية الاقتصادية والإجتماعية لقبائل الجنوب الشرقي بعد معرك ...
- قراءة في قصيدة -نسير في فوضى -للشاعرة فاطمة بورزى.
- معركة -تحيانت-محطة نوعية في تاريخ مقاومة أيت حديدو للإستعمار ...
- التقاط الأخبار ؛بين سطور الأسفار؛ لإنارة عتمة تاريخ مجاط.
- -ثِمْجّاط-مجال الرعي ومنتجع الرحال.
- جيل مخضرم.
- -زلاغ -و-ثغاط-أعلام أمازيغية تحرس مدينة فاس.
- شظايا جسد متفتت.
- جسور من الاوراق.
- أشاوس المقاومة المنسيون من رجال أيت حديدو الشجعان:عادين وعرا ...
- القنديل الوامض في عتمة تاريخ قرية أفراسكو الغامض.


المزيد.....




- ترامب يتوجه إلى الصين في زيارة تطغى عليها خلافات بشأن حرب إي ...
- ألمانيا ـ تقدم جديد لحزب البديل وتراجع حاد في تأييد المستشار ...
- حوار مع الرئيس إيمانويل ماكرون في ختام قمة -أفريكا فوروارد- ...
- أبرز الملفات التي تناولها ماكرون في لقاء خاص مع فرانس24
- حرب الشرق الأوسط: ما هي الخيارات المطروحة أمام ترامب بعد الر ...
- حصري: الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يُعلّق على السياسة الفر ...
- صراع من أجل شهيق.. منع -الأكسجين- يهدد حياة الآلاف بغزة
- ويلات سدي تيمان تلاحق طفلة مسنة وحفيدتيها بغزة
- عمار العقاد للجزيرة: نخشى تعرض والدتي وشقيقتي لانتهاكات الاح ...
- زيارة ترمب للصين.. هل تُعقّد المشهد الإيراني أم تفتح باب الح ...


المزيد.....

- قلعة الكهف / محمد عبد الكريم يوسف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - السياحة والرحلات - عدي الراضي - قرية تاعرعارت : مؤهلات السياحة الجبلية ورهانات التنمية الترابية بجبل العياشي.