أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - عدي الراضي - العنصرة: يوم رعوي يكشف الأبعاد الأنتروبولوجية الرعي والإنتجاع.















المزيد.....

العنصرة: يوم رعوي يكشف الأبعاد الأنتروبولوجية الرعي والإنتجاع.


عدي الراضي
باحث في التاريخ والتراث.

([email protected])


الحوار المتمدن-العدد: 8754 - 2026 / 7 / 2 - 18:24
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


"إهداء إلى كل الرعاة الذين حفظوا على هذا التراث جيلاً بعد جيل، وإلى ذاكرة قريتي أفراسكو وتاعرعارت، حيث تعلمت أن يوم العنصرة ليس مجرد احتفال، بل أسلوب حياة وذاكرة جماعية."
تعد العنصرة من أهم المناسبات السنوية التي حافظت عليها المجتمعات الأمازيغية الجبلية، باعتبارها محطة زمنية تتجاوز بعدها الاحتفالي لتشكل نظاماً اجتماعياً واقتصادياً وثقافياً متكاملاً ينظم العلاقة بين الإنسان والقطيع والمجال الطبيعي. فهي مناسبة ترتبط بالتقويم الفلاحي التقليدي، إذ تحل في الرابع والعشرين من يونيو الفلاحي، الموافق للسابع من يوليوز في التقويم الميلادي، وتعلن بداية مرحلة جديدة من الدورة الرعوية، حيث تستعد القبائل للانتقال الجماعي بقطعانها نحو المراعي الجبلية في إطار نظام الانتجاع الموسمي بين السهل، أو ما يعرف محلياً بـ"أزغار"، والجبل أو "ألمو". ويعد هذا الانتقال من أقدم أشكال التنظيم الاقتصادي بالمغرب، إذ لم يكن مجرد تنقل بحثاً عن الكلأ، بل كان ممارسة مؤطرة بأعراف دقيقة تضبط مواعيد الصعود والنزول، وتحدد حقوق الرعي وتقاسم الموارد المائية والمجالات الرعوية، بما يعكس وعياً بيئياً عميقاً راكمته المجتمعات الأمازيغية عبر قرون طويلة.
وتكتسب العنصرة أيضاً أهمية اقتصادية خاصة، لأنها تشكل الموعد السنوي لجز صوف الأغنام، وهي عملية تهيئ القطيع لفصل الصيف وتوفر المادة الأولية لصناعة الأغطية والزرابي والألبسة التقليدية التي شكلت على الدوام أحد أعمدة الاقتصاد الأسري بالمناطق الجبلية. ولا يقتصر جز الصوف على وظيفته الإنتاجية، بل يحمل دلالة رمزية باعتباره إعلاناً عن بداية دورة جديدة في حياة القطيع، ولذلك ارتبطت هذه العملية بأجواء احتفالية يشارك فيها أفراد الجماعة باعتبارها مناسبة للفرح وتجديد الحياة.
وتبرز العنصرة كذلك باعتبارها رأس السنة الرعوية، حيث كانت تمثل الموعد السنوي لتجديد الاتفاقيات والعقود المرتبطة بالرعي، خاصة تلك التي تبرم مع الرباع أو الراعي المكلف بحراسة القطعان ورعايتها. وكانت هذه العقود تنظم وفق الأعراف المحلية، فتحدد فيها الأجور، ومدة الرعي، وعدد رؤوس الماشية، والالتزامات المتبادلة بين المالك والراعي، وهو ما يعكس المكانة التي احتلها العرف الأمازيغي في تنظيم الحياة الاقتصادية والاجتماعية داخل القبيلة، قبل تدخل القوانين الحديثة.
ومن أبرز الطقوس التي تميز العنصرة ما يرتبط بالعلاج البيطري التقليدي، إذ كان الرعاة يشعلون النيران باستعمال بعض النباتات الجبلية العطرية والطبية، ثم تُمرَّر الأغنام والماعز وسط الدخان حتى تستنشقه، فيؤدي ذلك إلى العطس وطرد دودة تستقر في تجاويف الأنف وخياشيم الشياه، تعرف بالأمازيغية باسم "تامنا"، وهي يرقة ذبابة نغف الغنم، واسمها العلمي Oestrus ovis. وتسبب هذه الدودة مرضاً يعرف بالأمازيغية باسم "تيويگللت"، وهو من أكثر الأمراض التي كان الرعاة يخشونها، إذ تؤدي الإصابة به إلى اضطراب تنفس الحيوان وهزاله وفقدانه للتوازن، وقد تنتهي بنفوقه إذا لم تُتخذ الإجراءات العلاجية التقليدية في الوقت المناسب. ولهذا ارتبطت طقوس العنصرة بممارسة وقائية هدفها حماية القطيع من هذا المرض قبل الانتجاع الصيفي. ويكشف هذا الطقس عن معرفة بيطرية شعبية متراكمة، اعتمدت على الملاحظة الدقيقة لسلوك القطيع ودورة حياة هذه الذبابة، مما يعكس جانباً من التراث البيطري الأمازيغي الذي راكم خبرات ميدانية طويلة في رعاية الماشية.
وبعد الانتهاء من أعمال الانتجاع، وجز الصوف، والعناية بالقطيع، يتحول هذا اليوم إلى مناسبة للراحة واستعادة الأنفاس بالنسبة للرعاة الذين كانوا يقضون أشهراً طويلة في الأعمال الشاقة المرتبطة بتربية الماشية. ويعكس هذا الجانب إدراك المجتمع الأمازيغي لأهمية التوازن بين العمل والراحة، حيث تتحول العنصرة إلى فسحة زمنية لتجديد الطاقة والاستعداد لبداية الموسم الرعوي الجديد في المرتفعات.
وتأخذ الاحتفالات طابعاً جماعياً، فتقام الرقصات والأهازيج الشعبية التي تمجد العنصرة وتمجد الرعي والجبل والخصوبة، ويرتدي الأطفال والكبار أجمل ما لديهم من الملابس التقليدية، في مشهد يعكس الفرح الجماعي ويؤكد مكانة المناسبة داخل الذاكرة الثقافية للقبيلة. كما يتم إعداد أكلات خاصة احتفاءً بقدوم فصل الصيف الذي يمثل موسم الوفرة والخيرات، فتتحول الموائد إلى فضاءات لتقاسم النعم وتعزيز روابط التضامن والقرابة والجوار، وهو ما يمنح الطعام بعداً رمزياً يتجاوز وظيفته الغذائية ليصبح تعبيراً عن الشكر والابتهاج بدورة الطبيعة.
ومن منظور أنثروبولوجي، تمثل العنصرة طقس عبور تنتقل خلاله الجماعة من مرحلة إلى أخرى داخل السنة الرعوية، فهي تجمع بين الوظائف الاقتصادية والاجتماعية والصحية والرمزية في آن واحد. كما تكشف عن طبيعة العلاقة التي نسجها الإنسان الأمازيغي مع بيئته، حيث لم يكن الجبل مجرد فضاء للرعي، بل مجالاً للحياة ومصدراً للرزق، يقوم على التوازن بين الإنسان والطبيعة والماشية. وتبرز هذه المناسبة أيضاً استمرار عناصر من الموروث الرعوي القديم الذي حافظ على الكثير من طقوسه عبر الزمن، مع اندماجه داخل الثقافة الإسلامية المحلية دون أن يفقد جوهره المرتبط بتنظيم الزمن الرعوي ودورة الفصول.
ولا يمكن، بالنسبة لكاتب هذه السطور، الحديث عن العنصرة باعتبارها موضوعاً للبحث التاريخي والأنثروبولوجي فقط، بل هي أيضاً جزء من ذاكرة شخصية ما تزال تفاصيلها حية. فما زالت صور الطفولة بقريتنا الصغيرة أفراسكو تستحضر أجواء هذا العيد بما يرافقه من استعدادات وفرح جماعي وروائح الدخان المنبعثة من النباتات الجبلية، وأصوات الأغاني والرقصات الشعبية، وبهجة الأطفال وهم يرتدون أجمل ملابسهم. ثم تجدد هذا الارتباط خلال مرحلة الشباب، حين كنت أحرص، طوال سنوات الثمانينيات، على حضور مراسيم العنصرة بقرية تاعرعارت في قلب جبل العياشي، حيث أتيحت لي فرصة معايشة تفاصيل هذا الطقس الرعوي عن قرب، وملاحظة ممارساته ووظائفه الاجتماعية والرمزية. ولذلك فإن هذا المقال لا يستند فقط إلى المراجع التاريخية والقراءة الأنثروبولوجية، وإنما أيضاً إلى ذاكرة معيشة ومعاينة ميدانية، تجعل من العنصرة تراثاً حياً يستحق التوثيق والحفاظ عليه باعتباره جزءاً أصيلاً من الذاكرة الجماعية والثقافة الأمازيغية بالمغرب.
باحث في التاريخ والأنثروبولوجيا



#عدي_الراضي (هاشتاغ)       [email protected]#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- يوم المقاومة وذكرى معركة أيت يعقوب : تزامن تاريخي يدعو إلى إ ...
- معركة آيت يعقوب: بين الإعتراف الرسمي وآفاق تخليد الذكرى المئ ...
- شهر التراث وضرورة تثمين -تالاسا- أو- الجزازة- كتعبير عن التر ...
- شهر التراث وضرورة تثمين -تالاسا- أو- الجزازة- كتعبير عن التر ...
- قرية تاعرعارت : مؤهلات السياحة الجبلية ورهانات التنمية الترا ...
- كيف نصنع لوجودنا معنى ؟
- من أجل استعادة الأسماء الأصلية لبحيرتي -إزلي وتيزليت -والموس ...
- هل يميز الدجاج الذهب من الذرة: قراءة ثقافية في الحكمة الأماز ...
- التنشيط الثقافي بين الترفيه الهادف وعبث التطفل.
- بين مسقط الرأس ومسقط القلب: مقاربة نفسية بعلاقة الإنسان بالم ...
- الشباب المغربي وسؤال القدوة : حين تخصب التفاهة وتجف القيم.
- أيت هرهور : البنية المجالية والتحولات السوسيو-تاريخية
- أضواء كاشفة على جوانب قاتمة من تاريخ قرية أفراسكو النائية.
- ثورة الملك والشعب قفزة نوعية في مسيرة الكفاح الوطني بالمغرب.
- الوضعية الاقتصادية والإجتماعية لقبائل الجنوب الشرقي بعد معرك ...
- قراءة في قصيدة -نسير في فوضى -للشاعرة فاطمة بورزى.
- معركة -تحيانت-محطة نوعية في تاريخ مقاومة أيت حديدو للإستعمار ...
- التقاط الأخبار ؛بين سطور الأسفار؛ لإنارة عتمة تاريخ مجاط.
- -ثِمْجّاط-مجال الرعي ومنتجع الرحال.
- جيل مخضرم.


المزيد.....




- السعودية.. الأمن العام يعلن ضبط 6 وافدين مارسوا أفعالا منافي ...
- رغد صدام حسين تحسم الجدل حول حقيقة -الابنة السرية- لوالدها ف ...
- كيف يحمي لقاح الإنفلونزا القلب؟!.. طبيب روسي يجيب
- علاج مناعي يحقق اختراقا واعدا في مكافحة أخطر أورام الدماغ
- النميمة ليست عادة سيئة.. بل ميزة تطورية تعزز الرغبة في الإنج ...
- اتفاق ترامب مع إيران – نظرة جديدة للشرق الأوسط
- واشنطن تعرف أين يمكن أن يسقط صاروخ -أوريشنيك- الروسي التالي ...
- الولايات المتحدة تطوّر سلاحًا نوويًا جديدًا
- هل في تقارب الولايات المتحدة مع أوزبكستان خطر على روسيا والص ...
- عراقجي حول حوار -سنتكوم- مع دول عربية: الغرباء عاجزون والسلا ...


المزيد.....

- السيرة النبويّة والتشريع في الإسلام / نور الدين البوثوري
- قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964). / عبدالرؤوف بطيخ
- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان
- اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال ... / صباح علي السليمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - عدي الراضي - العنصرة: يوم رعوي يكشف الأبعاد الأنتروبولوجية الرعي والإنتجاع.