أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - حقوق الانسان - عدي الراضي - بين الفرح والواجب: عندما تتحول المناسبات الاجتماعية إلى مصدر لإزعاج الآخرين.














المزيد.....

بين الفرح والواجب: عندما تتحول المناسبات الاجتماعية إلى مصدر لإزعاج الآخرين.


عدي الراضي
باحث في التاريخ والتراث.

([email protected])


الحوار المتمدن-العدد: 8769 - 2026 / 7 / 17 - 17:20
المحور: حقوق الانسان
    


ين الفرح والواجب: عندما تتحول المناسبات الاجتماعية إلى مصدر لإزعاج الآخرين
لا أحد يجادل في أن الأعراس، والعقائق، والإعذار، والعزاء، وغيرها من المناسبات الاجتماعية، تشكل جزءاً أصيلاً من الثقافة المغربية، وتعكس قيم التضامن وصلة الرحم والاحتفاء بالمناسبات السعيدة ومواساة الأسر في لحظات الحزن. غير أن ما يثير الانتباه في السنوات الأخيرة هو انتشار ممارسات جديدة داخل الأحياء الشعبية والإقامات السكنية والعمارات ذات الكثافة السكانية، أصبحت تحول هذه المناسبات من مصدر للفرح أو المواساة إلى مصدر للضجيج والإزعاج، بل وأحياناً إلى اعتداء غير مباشر على حق الآخرين في الراحة.
لقد أصبحت إقامة الخيام وسط الأزقة والشوارع بين المنازل مشهداً مألوفاً، حيث يتم احتلال الفضاء العمومي لساعات طويلة، بل لأيام في بعض الأحيان، مع نصب مكبرات الصوت واستقدام الفرق الموسيقية أو منسقي الموسيقى (DJ)، ليستمر الصخب إلى ساعات متأخرة من الليل، دون مراعاة لوجود مرضى، أو مسنين، أو أطفال رضع، أو عمال وموظفين يضطرون للاستيقاظ في ساعات مبكرة من أجل أداء أعمالهم.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: كيف يمكن لمريض يحتاج إلى الهدوء أن يقضي ليلة كاملة وسط الضجيج؟ وكيف يمكن لتلميذ أو طالب أو عامل أن يخلد إلى النوم استعداداً ليومه الموالي في ظل موسيقى تصدح حتى الفجر؟ إن حق الإنسان في الراحة لا يقل أهمية عن حق غيره في الاحتفال.
ولا يتعلق الأمر بالدعوة إلى منع الناس من الاحتفال، فالجميع يدرك أن كثيراً من الأسر المغربية ذات الدخل المحدود لا تستطيع تحمل تكاليف القاعات المخصصة للأفراح، ولذلك تلجأ إلى تنظيم مناسباتها داخل الحي. غير أن هذا الواقع الاجتماعي لا ينبغي أن يكون مبرراً للمساس بحقوق الجيران أو لتعطيل السير العادي للحياة اليومية. فالتوازن بين الحق في الاحتفال والحق في الراحة ممكن، إذا توفرت قواعد واضحة تحترم الجميع.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى تدخل السلطات المختصة، وفي مقدمتها وزارة الداخلية والجماعات الترابية، من أجل وضع إطار تنظيمي يحدد كيفية استغلال الفضاء العمومي، ويقنن أوقات إقامة الحفلات، بحيث تنتهي في ساعة معقولة، كالعاشرة أو الثانية عشرة ليلاً على أبعد تقدير، مع ضبط مستوى الصوت ومنع كل أشكال الإزعاج المفرط.
والمفارقة أن الظاهرة لا تقتصر على الأعراس والمناسبات السعيدة، بل امتدت أيضاً إلى بعض مراسم العزاء، حيث أصبحت تلاوة القرآن الكريم أو الأمداح النبوية تتم عبر مكبرات صوت قوية، فيتحول المقصود به السكينة والخشوع إلى مصدر إزعاج للجيران. فالقرآن الكريم لا يحتاج إلى مكبرات صوت تؤذي الناس، وكذلك الأمداح والذكر يمكن أن تؤدى بصوت طبيعي داخل فضاء المأتم، دون أن تفرض على الحي بأكمله.
إن احترام الشعائر الدينية لا يتعارض مع احترام راحة الآخرين، بل إن الإسلام نفسه نهى عن الإضرار بالناس، ورسخ قاعدة عظيمة تتمثل في قوله صلى الله عليه وسلم: "لا ضرر ولا ضرار". فليس من المقبول أن يتحول الاحتفال أو حتى العبادة إلى سبب لإلحاق الأذى بالغير.
والأكثر غرابة أن من يبدي اعتراضاً مهذباً على هذا الإزعاج يُتهم أحياناً بأنه لا يفرح لفرح الناس، أو أنه يعادي التقاليد، أو تجاوز حدوده. والحقيقة أن المطالبة باحترام القانون وحقوق الجيران ليست تجاوزاً، وإنما دفاع عن مبدأ التعايش المدني. أما التجاوز الحقيقي فهو فرض الضجيج على الآخرين، وإلزامهم قسراً بالمشاركة في مناسبة لا تخصهم.
إن المدن الحديثة تقوم على مبدأ التوازن بين الحقوق والواجبات، فلا يمكن أن يطغى حق فرد أو أسرة في الاحتفال على حق عشرات الأسر في النوم والراحة. كما أن التحضر لا يقاس فقط بالإسمنت والعمارات، بل يقاس أيضاً بمدى احترام المواطنين لبعضهم البعض، وإدراكهم أن الحرية الشخصية تقف عند حدود الإضرار بالآخرين.
لقد آن الأوان لفتح نقاش مجتمعي هادئ ومسؤول حول هذه الظواهر، بعيداً عن الاتهامات والمزايدات، لأن الهدف ليس محاربة الأفراح أو التضييق على الناس، وإنما ترسيخ ثقافة جديدة قوامها أن الفرح لا يكتمل إلا إذا كان محترماً لحقوق الجميع، وأن العبادة لا تؤتي مقاصدها إذا اقترنت بإيذاء الآخرين.
إعداد: عدي الراضي
باحث في التاريخ والتراث، ومهتم بالفكر السياسي



#عدي_الراضي (هاشتاغ)       [email protected]#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المغرب الفاسي ...عودة الفريق إلى منصة الألقاب.
- العنصرة: يوم رعوي يكشف الأبعاد الأنتروبولوجية الرعي والإنتجا ...
- يوم المقاومة وذكرى معركة أيت يعقوب : تزامن تاريخي يدعو إلى إ ...
- معركة آيت يعقوب: بين الإعتراف الرسمي وآفاق تخليد الذكرى المئ ...
- شهر التراث وضرورة تثمين -تالاسا- أو- الجزازة- كتعبير عن التر ...
- شهر التراث وضرورة تثمين -تالاسا- أو- الجزازة- كتعبير عن التر ...
- قرية تاعرعارت : مؤهلات السياحة الجبلية ورهانات التنمية الترا ...
- كيف نصنع لوجودنا معنى ؟
- من أجل استعادة الأسماء الأصلية لبحيرتي -إزلي وتيزليت -والموس ...
- هل يميز الدجاج الذهب من الذرة: قراءة ثقافية في الحكمة الأماز ...
- التنشيط الثقافي بين الترفيه الهادف وعبث التطفل.
- بين مسقط الرأس ومسقط القلب: مقاربة نفسية بعلاقة الإنسان بالم ...
- الشباب المغربي وسؤال القدوة : حين تخصب التفاهة وتجف القيم.
- أيت هرهور : البنية المجالية والتحولات السوسيو-تاريخية
- أضواء كاشفة على جوانب قاتمة من تاريخ قرية أفراسكو النائية.
- ثورة الملك والشعب قفزة نوعية في مسيرة الكفاح الوطني بالمغرب.
- الوضعية الاقتصادية والإجتماعية لقبائل الجنوب الشرقي بعد معرك ...
- قراءة في قصيدة -نسير في فوضى -للشاعرة فاطمة بورزى.
- معركة -تحيانت-محطة نوعية في تاريخ مقاومة أيت حديدو للإستعمار ...
- التقاط الأخبار ؛بين سطور الأسفار؛ لإنارة عتمة تاريخ مجاط.


المزيد.....




- طموح رئاسة الأمم المتحدة يعيد ماكي سال إلى السنغال
- آلاف الخريجين يتظاهرون في العراق للمطالبة بالتوظيف الحكومي
- القضاء العراقي يحكم بإعدام مسؤول ورشة تفخيخ عجلات داعش
- إيران: الهجمات الأمريكية على البنية التحتية المدنية ترقى إلى ...
- قتله ضربا.. الداخلية السعودية تعلن إعدام مواطن وتكشف تفاصيل ...
- غرفة تعذيب في قبو منزله.. قناة RT تكشف تفاصيل صادمة عن عقيد ...
- إيرواني: الهجمات الأمريكية على البنى التحتية المدنية في إيرا ...
- إيرواني: الهجمات الأمريكية العدوانية على إيران جرائم حرب
- تمهيد قانوني إسرائيلي لإنشاء سجون محاطة بالتماسيح لاحتجاز ال ...
- حملة ترمب لترحيل المهاجرين تعيد تشكيل الشرطة وتثير مخاوف حقو ...


المزيد.....

- اتفاقية جوانب حقوق الملكية الفكرية المتصلة بالتجارة وانعكاسا ... / محسن العربي
- مبدأ حق تقرير المصير والقانون الدولي / عبد الحسين شعبان
- حضور الإعلان العالمي لحقوق الانسان في الدساتير.. انحياز للقي ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- فلسفة حقوق الانسان بين الأصول التاريخية والأهمية المعاصرة / زهير الخويلدي
- المراة في الدساتير .. ثقافات مختلفة وضعيات متنوعة لحالة انسا ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- نجل الراحل يسار يروي قصة والده الدكتور محمد سلمان حسن في صرا ... / يسار محمد سلمان حسن
- الإستعراض الدوري الشامل بين مطرقة السياسة وسندان الحقوق .. ع ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- نطاق الشامل لحقوق الانسان / أشرف المجدول
- تضمين مفاهيم حقوق الإنسان في المناهج الدراسية / نزيهة التركى
- الكمائن الرمادية / مركز اريج لحقوق الانسان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - حقوق الانسان - عدي الراضي - بين الفرح والواجب: عندما تتحول المناسبات الاجتماعية إلى مصدر لإزعاج الآخرين.