أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد نجيب السعد - في انتظار البرابرة: حين تحتاج الإمبراطورية إلى عدو قراءة في الخوف والسلطة والجسد والآخر في رواية ج. م. كوتزي/2















المزيد.....



في انتظار البرابرة: حين تحتاج الإمبراطورية إلى عدو قراءة في الخوف والسلطة والجسد والآخر في رواية ج. م. كوتزي/2


محمد نجيب السعد

الحوار المتمدن-العدد: 8835 - 2026 / 9 / 21 - 12:01
المحور: الادب والفن
    


الكولونيل جول: التعذيب وصناعة الحقيقة
يدخل الكولونيل جول عالم رواية في انتظار البرابرة محاطاً بعلامة تبدو صغيرة في البداية، لكنها سرعان ما تكتسب دلالة تكاد تختصر موقعه كله في الرواية: نظارته الداكنة. يلفت مظهره الحاكم لأنه غير مألوف في البلدة الحدودية، ولأن العدسات تخفي العينين اللتين يفترض أن تلتقيا بعيني الآخر أثناء الحديث. وليس ضرورياً أن نحول النظارة إلى رمز مغلق ذي معنى واحد، لكن من الصعب تجاهل المفارقة التي يصنعها كوتزي منذ اللقاء الأول: الرجل الذي جاء لكي يرى ما تخفيه الحدود عن الإمبراطورية يخفي عينيه عن الآخرين. إنه يبحث عن الحقيقة، لكنه لا يسمح لمن يقف أمامه بأن يرى النظرة التي يبحث بها عنها.
ومنذ ظهوره يتضح أن جول لا يشك في وجود الحقيقة التي جاء لاكتشافها. وهذه النقطة هي المدخل الضروري لفهم شخصيته. فالمحقق التقليدي يبدأ من واقعة ويحاول الوصول إلى تفسيرها، أما جول فيبدأ تقريباً من التفسير ثم يبحث عن الوقائع التي تؤكده. البرابرة يشكلون خطراً؛ إذاً لا بد من وجود معلومات عن هذا الخطر. الأسرى يعرفون شيئاً؛ وإذا أنكروا معرفتهم فإن الإنكار لا يهدم الفرضية، بل قد يتحول إلى دليل على أنهم يخفون ما يعرفونه. وهكذا لا يعود التحقيق طريقاً مفتوحاً يمكن أن يقود إلى نتائج مختلفة، بل يصبح طريقاً صُممت نهايته قبل أن يبدأ.
لهذا لا ينبغي فهم التعذيب في الرواية باعتباره انفجاراً سادياً منفصلاً عن عقل الدولة. إنه، في عالم جول، جزء من منهج للمعرفة. فالسلطة تريد أن تعرف: هل سيهاجم البرابرة؟ ماذا يخططون؟ أين يتحركون؟ من يتعاون معهم؟ وتفترض أن الإجابات موجودة داخل أجساد الأسرى، وأن المقاومة والصمت والكذب أغلفة ينبغي اختراقها للوصول إلى الحقيقة الموجودة تحتها. عندئذ يصبح الجسد أشبه بخزانة مغلقة، ويصبح الألم المفتاح الذي تعتقد السلطة أنه قادر على فتحها.
لكن المفارقة التي يكشفها كوتزي قاسية: كلما ازداد الألم، قلت قدرة الكلام الناتج عنه على أن يكون دليلاً موثوقاً على الحقيقة.
فالإنسان الذي يُعذب لا يتحدث بالضرورة لأنه وصل إلى لحظة يريد فيها قول الحقيقة؛ قد يتحدث لأنه يريد أن يتوقف الألم. وحين تصبح غاية الكلام إيقاف الألم، يستطيع المعذَّب أن يقول ما يظن أن المعذِّب يريد سماعه. بذلك تنتقل الحقيقة من ذاكرة الأسير إلى توقعاته عن رغبات جلاده: ماذا يريد مني؟ أي جواب سيجعله يتوقف؟ ما القصة التي ستقنعه؟
هنا تنقلب وظيفة التعذيب رأساً على عقب. بدلاً من أن يستخرج حقيقة كانت موجودة قبل الاستجواب، يبدأ في إنتاج خطاب يناسب توقعات المحقق.
وهذا هو الفخ المعرفي الذي تقع فيه الإمبراطورية. لقد جاءت تبحث عن أدلة على خطر البرابرة، واستخدمت وسائل تجعل الأسرى يقولون ما يؤكد وجود ذلك الخطر، ثم تعاملت مع الكلام المنتزع تحت الألم بوصفه دليلاً على أن افتراضها الأول كان صحيحاً. إنها دائرة مغلقة: الافتراض ينتج التحقيق، والتحقيق ينتج الاعتراف، والاعتراف يعيد تثبيت الافتراض.
ولهذا فإن السؤال الفلسفي الذي يطرحه جول ليس ببساطة: لماذا يعذب الإنسان إنساناً آخر؟ بل سؤال أكثر تحديداً: ماذا يحدث للحقيقة عندما تمتلك السلطة مسبقاً الجواب الذي تريد الحصول عليه؟
جول نفسه يقدم للحاكم تصوراً مرعباً لخبرة المحقق. فهو يدعي أنه يعرف متى يكذب الإنسان ومتى يصل إلى الحقيقة، وأن ثمة نبرة أو تحولاً يمكن للخبير أن يميزه. المهم هنا ليس مدى صحة هذا الادعاء من الناحية النفسية، بل الثقة التي يحملها: جول يعتقد أن لديه علماً بالحقيقة. ومن ثم لا يعود التعذيب، في وعيه، عملاً عشوائياً؛ إنه تقنية يمتلكها متخصص.
وهنا يقترب عالم كوتزي من أحد الأسئلة التي طرحها ميشيل فوكو في دراسته للعقاب: السلطة لا تعمل دائماً بوصفها قوة تمنع وتعاقب فحسب، بل تدخل أيضاً في إنتاج أنظمة للمعرفة، وتحدد الإجراءات التي تجعل قولاً ما مقبولاً باعتباره حقيقة. لكن كوتزي يضيف إلى هذه العلاقة شيئاً شديد المادية: الجسد نفسه يصبح الموقع الذي تريد السلطة أن تنتج فيه الحقيقة.
وهذا هو السبب في أن التعذيب يحتل مركز الرواية على الرغم من أن كوتزي لا يحول النص إلى سلسلة من المشاهد الاستعراضية للعنف. القضية ليست مقدار الدم الذي نراه، وإنما ما يعنيه أن يصبح الألم وسيلة للقراءة. جول يقرأ الجسد كما يقرأ المحقق وثيقة، لكن الوثيقة هنا تصرخ وتتألم ويمكن كسرها.
إنه يريد أن يجعل الجسد يتكلم.
وفي هذه النقطة تظهر الصلة العميقة بين جول والحاكم، على الرغم من اختلافهما الأخلاقي الكبير. فقد رأينا الحاكم يحاول قراءة الألواح القديمة، ثم يحاول لاحقاً قراءة جسد الفتاة والندوب التي تركها التعذيب. جول أيضاً قارئ، لكنه قارئ من نوع آخر. إنه لا ينتظر العلامة لكي تظهر؛ يستطيع أن يصنع العلامة التي سيقرأها.
وهذا فارق جوهري. الحاكم يقف أمام آثار التاريخ ويسأل ماذا تعني، بينما يترك جول آثاراً على الجسد ثم يحولها إلى جزء من المعرفة التي تنتجها المؤسسة. وهكذا تصبح الندبة في الرواية شيئاً مزدوجاً: إنها دليل على العنف، لكنها أيضاً بقايا عملية ادعت أنها تبحث عن الحقيقة.
ومن هنا نفهم لماذا تصبح الفتاة البربرية مهمة إلى هذا الحد. فحين تصل إلى الحاكم تكون قد خرجت من غرفة التحقيق، لكن التحقيق لم يخرج من جسدها. آثار السلطة موجودة في مشيتها وفي بصرها وفي الجسد الذي يحاول الحاكم أن يفهمه. لقد انتهت جلسة التعذيب زمنياً، لكن الكتابة التي تركتها السلطة ما تزال موجودة.
إن الجلاد يغادر الغرفة، أما الجسد فيحمل الغرفة معه.
وهذه واحدة من أكثر الأفكار قتامة في الرواية، لأن العنف لا يعود حدثاً له بداية ونهاية. إنه يستطيع أن يعيد تشكيل علاقة الإنسان بجسده، وعلاقة الآخرين بذلك الجسد، بل وعلاقة الزمن نفسه بالتجربة. الماضي لا يمضي كاملاً حين يترك أثره في اللحم.
لهذا كانت دراسة سوزان فان زانتن غالاغر للتعذيب في الرواية مهمة؛ فهي تلفت إلى أن كوتزي يضع الكتابة الأدبية نفسها أمام مشكلة تمثيل الألم. فالتعذيب يخلق تجربة قصوى يصعب نقلها إلى من لم يعشها، بينما تستطيع الرواية، إذا لم تكن حذرة، أن تحول ألم الآخر إلى مشهد يراقبه القارئ من مكان آمن. ولهذا يبدو اقتصاد كوتزي في الوصف الأخلاقي جزءاً من موقفه الفني: لا يريد أن يمنح القارئ متعة المشاهدة التي يمكن أن تحول إدانة العنف إلى شكل آخر من أشكال استهلاكه.
والتمييز هنا بالغ الأهمية. فهناك فرق بين رواية تكشف التعذيب ورواية تستعرض التعذيب. في الحالة الأولى يصبح الألم مشكلة أخلاقية للقارئ؛ وفي الثانية قد يصبح مشهداً. و كوتزي يعمل باستمرار ضد تحول الجسد المعذب إلى فرجة.
لكن الرواية تصل إلى ذروة هذه المسألة في المشهد الذي يعرض فيه الأسرى أمام الناس. هنا يخرج العنف من الغرفة المغلقة إلى الفضاء العام. لم يعد الأمر تحقيقاً سرياً بين محقق وأسير، بل أصبح طقساً سياسياً تشاهده الجماعة.
وتظهر كلمة عدو بوصفها لحظة حاسمة في هذا الطقس. فالأسرى لا يكفي أن يكونوا أسرى؛ يجب أن يُعطوا اسماً يحدد ما يجوز فعله بهم. وما إن يصبح الإنسان عدواً حتى تتغير علاقته بالقانون وبالجمهور وبالألم الذي يمكن إيقاعه عليه.
هنا تعود اللغة مرة أخرى إلى قلب العنف. فقبل الضربة توجد التسمية.
ويمكن أن نرى في هذا المشهد ما يجعل البرابرة مفهوماً سياسياً أكثر منه وصفاً إثنوغرافياً. لا يهم الإمبراطورية كثيراً أن تعرف كيف يسمي هؤلاء الناس أنفسهم؛ المهم هو الاسم الذي تمنحه هي لهم. فهي التي تقول برابرة، وهي التي تقول عدو، وهي التي تقول خطر. وكل اسم من هذه الأسماء يضيّق المسافة بين الإنسان والعقوبة التي ستقع عليه.
وهذا هو السبب في أن سؤال الرواية من هم البرابرة؟ لا يمكن الإجابة عنه بالبحث عن صفاتهم. البرابرة، داخل منطق الإمبراطورية، هم أولئك الذين تحتاج السلطة إلى أن تسميهم كذلك لكي تستطيع بناء هويتها المقابلة: نحن الحضارة لأنهم البرابرة، ونحن النظام لأنهم الفوضى، ونحن نحمي لأنهم يهددون.
وبذلك لا يصف مفهوم البربرية الآخر بقدر ما يصف حاجة الذات إلى الآخر.
هذه الفكرة تقودنا مرة أخرى إلى إدوارد سعيد، ولكن بصورة أكثر تحديداً مما فعلنا سابقاً. فالتمثيل ليس مرآة محايدة تنقل الآخر كما هو؛ إنه عملية اختيار وتنظيم وتسميات. والسلطة التي تملك وسائل إنتاج الصورة تستطيع أن تجعل صورتها عن الآخر أكثر حضوراً من الآخر نفسه. وفي رواية كوتزي يحدث شيء شديد الدلالة: نعرف خطاب الإمبراطورية عن البرابرة أكثر مما نعرف خطاب البرابرة عن أنفسهم.
وهذا الصمت ليس خللاً روائياً. لو أعطى كوتزي البرابرة فصولاً طويلة يشرحون فيها ثقافتهم ونظرتهم إلى الإمبراطورية، لتحولت الرواية إلى مواجهة بين روايتين واضحتين. لكنه يحرمنا من هذا الاطمئنان. نحن، مثل الحاكم، لا نملك الآخر كاملاً.
ومن ثم لا يسمح لنا النص بأن نستبدل معرفة الإمبراطورية الزائفة بمعرفة كاملة نمتلكها نحن. نستطيع أن نعرف أن صورة السلطة منحازة، لكننا لا نحصل في المقابل على موقع كلي المعرفة. وهذا التواضع المعرفي جزء أساسي من أخلاق الرواية.
فرفض صورة زائفة عن الآخر لا يعني أننا امتلكنا صورته الحقيقية.
ومن هنا يمكن فهم الصمت بوصفه قوة أيضاً. فحين لا يقول الآخر ما نريد سماعه، يضع حداً لسلطتنا عليه. لكن السلطة لا تحتمل هذا الحد بسهولة. جول يريد تحويل الصمت إلى كلام، ولذلك يصبح الألم أداة لكسر المنطقة التي لا يستطيع دخولها.
والتعذيب، بهذا المعنى، هو رفض جذري لحق الآخر في أن يبقى غير شفاف.
إنه يقول ضمنياً: لا يحق لك أن تحتفظ بشيء لا أعرفه.
وهنا تبلغ علاقة المعرفة بالسلطة أقصى صورها عنفاً. فالسلطة لا تريد فقط أن يطيع الجسد؛ تريد أن يصبح قابلاً للقراءة. تريد أسراره ونواياه وذاكرته ومستقبله. وإذا لم يمنحها الإنسان هذه الأشياء طوعاً، تحاول فتح الطريق إليها بالقوة.
لكن كوتزي يكشف المفارقة الأخيرة: عندما تفعل ذلك تدمر الشيء الذي أرادت معرفته.
فالكلام الذي ينتجه الألم لم يعد بالضرورة كلام الذات الحرة، وإنما كلام الجسد الذي يبحث عن مخرج من الألم. ولذلك فإن رغبة السلطة المطلقة في المعرفة تنتهي إلى إنتاج معرفة أقل موثوقية. وكلما ازدادت قوة الوسيلة التي تستخدمها لاستخراج الحقيقة، ازداد احتمال أن تسمع صدى رغباتها هي.
وهذا هو فشل جول العميق. قد ينجح في كسر الأجساد، لكنه لا يستطيع أن يبرهن بذلك أنه عرف البرابرة.
بل ربما يكون قد عرف شيئاً واحداً فقط: مقدار ما يستطيع الإنسان قوله عندما يريد أن يتوقف الألم.
ومن هنا تكتسب شخصية جول بعدها الفلسفي الحقيقي. إنه ليس فقط ممثل جهاز قمعي، بل تجسيد لوهم معرفي خطير: الاعتقاد بأن العالم لا بد أن يكون قابلاً للقراءة بالكامل، وأن الغموض دليل على الإخفاء، وأن الصمت دليل على المؤامرة، وأن القوة تستطيع إزالة الغموض.
الحاكم، على العكس، سيبدأ تدريجياً في تعلم درس أكثر إيلاماً: ربما تكون هناك أشياء لا يستطيع معرفتها.
وليس الفرق بينهما، إذن، أن أحدهما يعرف الحقيقة والآخر يجهلها، بل أن جول لا يحتمل حدود المعرفة، بينما يبدأ الحاكم، ببطء شديد، في اكتشاف هذه الحدود.
غير أن الإمبراطورية لا تستطيع بناء سياستها على الاعتراف بعدم المعرفة. فالدولة التي ترسل جيشاً تحتاج إلى عدو، والتي تعلن الطوارئ تحتاج إلى خطر، والتي تعذب أسيراً تحتاج إلى معلومة تبرر التعذيب. ولذلك لا يمكنها بسهولة أن تقول: لا نعرف.
إنها تحتاج إلى اليقين.
وحين لا تجده، تصنعه.
وهنا يصبح الخوف من البرابرة آلية ذاتية التغذية. الشك يؤدي إلى الاعتقال، والاعتقال إلى الاستجواب، والاستجواب إلى الاعتراف، والاعتراف إلى حملة عسكرية، والحملة نفسها تنتج مقاومة وعداءً جديدين يمكن استخدامهما لاحقاً دليلاً على أن الخطر كان موجوداً منذ البداية.
وهكذا تستطيع الإمبراطورية، وهي تحاول منع الحرب، أن تصنع الشروط التي تجعل الصراع أكثر احتمالاً.
وهذه المفارقة تمنح الرواية بعداً يتجاوز زمنها المباشر. لا لأنها تقدم قانوناً عاماً يصلح ميكانيكياً لكل دولة وكل حرب، وإنما لأنها تكشف آلية سياسية يمكن أن تتكرر: الخوف ينتج المعرفة التي تبرره، والمعرفة المنتجة تبرر العنف، والعنف ينتج واقعاً يبدو لاحقاً كأنه أثبت صحة الخوف الأول.
وهنا يصبح عنوان الرواية أكثر قتامة. فالإمبراطورية لا تنتظر البرابرة فقط؛ إنها، بطريقة ما، تنتج البرابرة الذين تنتظرهم.
فكل حملة عقابية، وكل اعتقال تعسفي، وكل جسد يحمل آثار الإهانة، يضيف سبباً جديداً للعداء. وحين يأتي الرد تستطيع السلطة أن تشير إليه قائلة: ألم نقل لكم إنهم برابرة؟
إنها نبوءة تعمل على تحقيق نفسها.
ومع ذلك، فإن كوتزي لا يسمح لنا بأن ننهي المسألة بإدانة جول وحده. لو كان كل الشر موجوداً في رجل يرتدي نظارة داكنة، لكانت الرواية أكثر راحة بكثير. يستطيع المجتمع عندئذ أن يطرد الجلاد ويعلن استعادة طهارته.
لكن جول موظف.
وهذه الحقيقة البسيطة ربما تكون أكثر إخافة من شخصيته. فهو لم يخترع الإمبراطورية، ولم يخترع المكتب الثالث، ولم يأت من فراغ. هناك مؤسسة أرسلته، ولغة تمنح عمله اسماً رسمياً، وسلطة تحميه، وأوامر تجعل أفعاله جزءاً من مهمة أوسع.
المشكلة، إذن، ليست وجود رجل شرير، وإنما وجود نظام يستطيع أن يحول القسوة إلى وظيفة.
وهنا يصبح الاختلاف بين جول والحاكم أكثر وضوحاً وأكثر التباساً في الوقت نفسه. كلاهما موظف في الإمبراطورية. أحدهما يمارس العنف، والآخر ينفر منه. لكن الرواية ستجبر الحاكم على اكتشاف أن النفور الأخلاقي وحده لا يخرجه من النظام.
عليه أن يختار.
واختياره سيقوده إلى الفتاة البربرية.
هناك، بعيداً عن غرفة التحقيق، سيحاول أن يفعل عكس ما فعله جول: أن يعيد إلى جسدها شيئاً مما سلبه التعذيب. سيغسل قدميها، يلمس الندوب، يتأمل عينيها، يسأل عن ذاكرتها، ويحاول فهمها.
لكن المفارقة التي تنتظره — وتنتظرنا — هي أن الرغبة في إنقاذ الآخر لا تعني بالضرورة أننا توقفنا عن تحويله إلى موضوع لرغباتنا وتفسيراتنا.
ولذلك ينبغي أن يكون القسم التالي مخصصاً بالكامل لهذه الشخصية التي تبدو صامتة، لكنها تقع في القلب الأخلاقي للرواية:
الفتاة البربرية: الجسد الذي كتبت عليه الإمبراطورية تاريخها.
إذا كان الكولونيل جول يمثل رغبة الإمبراطورية في انتزاع الحقيقة من الجسد، فإن الفتاة البربرية تمثل ما يبقى من الجسد بعد أن تمر عليه هذه الرغبة. إنها لا تدخل الرواية بوصفها شخصية تقدم نفسها للقارئ من خلال تاريخها وصوتها وذكرياتها، بل تصل إلينا وقد سبقها العنف إليها. نعرف آثار ما حدث لها قبل أن نعرفها، ونرى العلامات التي تركها التعذيب قبل أن نمتلك قصة واضحة عن المرأة التي تحملها. ولهذا فإن أول مأزق تضعنا فيه شخصيتها هو مأزق النظر نفسه: هل نستطيع أن نرى الفتاة، أم أننا لا نرى سوى ما فعلته الإمبراطورية بها؟
إنها واحدة من أكثر الاختيارات الفنية قسوة عند كوتزي. فالضحية لا تظهر أمامنا في حالة سابقة على العنف نستطيع أن نقارنها بحالتها اللاحقة. لا نعرفها قبل التعذيب ثم نشاهد ما صنعه بها. نلتقي بها وقد أصبحت آثار التعذيب جزءاً من الطريقة التي يراها بها الحاكم، وبالتالي جزءاً من الطريقة التي تصل بها إلى القارئ. وهذا يعني أن الإمبراطورية لا تؤذي جسدها فقط؛ إنها تتدخل حتى في شروط ظهورها داخل الحكاية.
فالجسد الذي كان ينبغي أن يكون جسدها أصبح أيضاً وثيقة عن جلاديها.
وهنا نستطيع العودة إلى العلاقة التي أشرنا إليها سابقاً بين الأثر والندبة. الحاكم مفتون بالبقايا التي يستخرجها من الأرض: ألواح وعلامات تركها أناس اختفوا، وهو يحاول أن يقرأ فيها تاريخاً لم يعد يستطيع الوصول إليه مباشرة. ثم تقف أمامه الفتاة، حاملة على جسدها نوعاً آخر من الآثار. ليست آثار حضارة غابرة، وإنما آثار عنف وقع منذ وقت قريب. وفي الحالتين يوجد شيء حدث ثم مضى، ولم يبق منه سوى علامة تحتاج إلى القراءة.
لكن الندبة تختلف جذرياً عن القطعة الأثرية.
فالقطعة لا تتألم عندما يتأملها الحاكم، ولا تنظر إليه وهو يحاول تفسيرها، ولا تستطيع أن ترفض تفسيره. أما الفتاة فذات حية، لها إرادة وذاكرة وصمت ونظرة. ولذلك فإن الخطأ الذي يوشك الحاكم أن يقع فيه هو أن يعامل العلامات الموجودة على جسدها بالطريقة نفسها التي يعامل بها العلامات المحفورة على الأشياء القديمة: بوصفها لغزاً موجوداً لكي يحله.
من هنا تكتسب طقوس غسل قدميها دلالتها الغريبة. الحاكم يغسل القدمين المصابتين ويدلكهما ويتأمل ما تركه التعذيب عليهما، ويتحول هذا الفعل المتكرر إلى واحد من أكثر مشاهد الرواية التباساً. فهو، من ناحية، فعل عناية واضح: رجل يعتني بجسد أصابه آخرون بالأذى. ويمكن أن يحمل كذلك رغبة في رد شيء من الكرامة إلى إنسان تعرض للإهانة. لكن كوتزي لا يسمح لهذا المعنى الإنساني بأن يستقر وحده؛ فالعناية تختلط بالرغبة، والرغبة بالذنب، والذنب بالفضول، والفضول بحاجة الحاكم إلى فهم ما حدث.
إنه يلمس الجسد لكي يعتني به، ولكنه يلمسه أيضاً لكي يقرأه.
وهنا يبدأ السؤال الأخلاقي الحقيقي.
فالجلاد والحاكم لا يقومان بالفعل نفسه، ولا ينبغي إطلاقاً مساواتهما. الأول يستخدم الألم لكي يكسر إرادة الآخر، والثاني يحاول تخفيف آثار الألم. لكن الرواية تكشف، من وراء هذا الاختلاف الأخلاقي الهائل، تشابهاً بنيوياً أكثر خفاء: كلا الرجلين يريد شيئاً من الفتاة. جول يريد منها حقيقة سياسية؛ والحاكم يريد منها حقيقة شخصية وأخلاقية. جول يسأل: ماذا تعرفين عن البرابرة؟ والحاكم، حتى عندما لا يصوغ سؤاله بهذه الطريقة، يكاد يسأل: ماذا حدث لك؟ ماذا تعني هذه العلامات؟ ماذا تشعرين تجاهي؟ وماذا يعني اعتنائي بك بالنسبة إلى الشخص الذي أريد أن أكونه؟
إنه اختلاف بين العنف والشفقة، بالتأكيد، لكنه يكشف أيضاً أن الآخر يستطيع أن يبقى موضوعاً لحاجاتنا حتى حين تكون حاجاتنا أخلاقية.
وهذا هو السبب في أن صمت الفتاة مهم إلى هذه الدرجة. فهي لا تقدم للحاكم الاعتراف الذي سيعيد ترتيب عالمه. لا تمنحه رواية كاملة يستطيع من خلالها أن يقول: الآن فهمت. إن كلامها محدود، وحضورها يحتفظ بمنطقة لا يستطيع الوصول إليها. وكلما حاول أن يعرفها ازدادت معرفته بحدود معرفته.
يمكن قراءة هذا الصمت، بالطبع، باعتباره أثراً من آثار الصدمة؛ لكن اختزاله في تفسير نفسي واحد سيكرر المشكلة نفسها التي تحذر منها الرواية. فالصمت يؤدي وظيفة سردية وأخلاقية أوسع: إنه يمنع الفتاة من أن تصبح شخصية مكشوفة تماماً أمام وعي الحاكم. ثمة شيء فيها لا يُمنح له، وبالتالي لا يُمنح لنا نحن أيضاً.
وهنا يصبح الصمت شكلاً من أشكال المقاومة المعرفية.
ليس المقصود أن الفتاة تختار في كل لحظة برنامجاً واعياً للمقاومة، وإنما أن الرواية تجعل عدم انكشافها الكامل حداً يقف عنده الحاكم والقارئ معاً. فهي لا توجد لكي تشرح لنا تجربة الضحية بصورة مريحة. ومن خلال هذا الامتناع يضع كوتزي القارئ أمام حقيقة أخلاقية صعبة: التعاطف مع إنسان لا يمنحنا الحق في امتلاك تجربته.
وهذا هو المكان الذي يمكن فيه أن تساعدنا فلسفة إيمانويل ليفيناس، بشرط ألا نفرضها على الرواية من الخارج. فالعلاقة الأخلاقية بالآخر، في جانب أساسي من فكر ليفيناس، تبدأ من رفض اختزاله إلى مجموع ما أعرفه عنه. الآخر يتجاوز الفكرة التي أصنعها عنه؛ ولذلك فإن معرفتي به لا تستنفده . وما يحدث للحاكم مع الفتاة هو، في أحد مستوياته، اكتشاف مؤلم لهذه الاستحالة: يستطيع أن يلمس جسدها، لكنه لا يستطيع أن يمتلك معنى الجسد؛ يستطيع أن يسألها، لكنه لا يستطيع أن يجبر تجربتها على أن تصبح شفافة أمامه من دون أن يعيد، بشكل مختلف تماماً، منطق السيطرة الذي يريد الابتعاد عنه.
لكن كوتزي يجعل المسألة أكثر تعقيداً بإدخال الرغبة الجنسية إلى العلاقة. فلو كانت علاقة الحاكم بالفتاة مجرد عطف إنساني، لاستطعنا وضعها بسهولة في مواجهة علاقة جول بها. لكن الرغبة تربك هذا التقابل. الحاكم يعتني بها، لكنه ينجذب إليها أيضاً، ومع ذلك تبدو رغبته فيها مختلفة عن علاقاته الجسدية الأخرى. ثمة شيء يعوق اكتمال الرغبة، وكأن جسد الفتاة لا يستطيع أن يظهر أمامه بوصفه جسداً حاضراً فقط، لأن الماضي مكتوب عليه.
كلما نظر إليها رأى ما حدث لها.
وهنا يتحول التعذيب إلى طرف ثالث داخل العلاقة. جول غير موجود في الغرفة، لكن آثاره موجودة. لقد ترك على الجسد كتابة لا يستطيع الحاكم تجاهلها، ولذلك فإن العلاقة بين الرجل والمرأة لا تبدأ من الصفر. ثمة تاريخ دخل الغرفة قبلهما.
بهذا المعنى، فإن السلطة تستطيع أن تبقى في الجسد حتى بعد مغادرة ممثليها. وهذا ربما أحد أكثر أشكال السيطرة قسوة: ألا ينتهي فعل الجلاد حين يتوقف عن لمس الضحية، بل يستمر في الطريقة التي يتحرك بها الجسد، وفي الذاكرة، وفي نظرات الآخرين إليه.
وتتضح هذه المسألة خصوصاً في إصابة عيني الفتاة. فالرؤية، التي كانت منذ ظهور نظارات جول الداكنة موضوعاً خفياً في الرواية، تعود هنا بصورة أشد إيلاماً. ثمة رجل يخفي عينيه خلف الزجاج الداكن، وثمة امرأة ترك التعذيب أثره في قدرتها على الإبصار، وثمة حاكم يقضي وقتاً طويلاً في النظر إليها ومحاولة معرفة ما لا يستطيع رؤيته.
الرواية كلها، بهذا المعنى، منشغلة بمن يرى من، وبمن يستطيع أن يعيد النظرة.
إن النظرة ليست بريئة بالضرورة. فقد تكون عناية، وقد تكون رغبة، وقد تكون فحصاً، وقد تكون مراقبة، وقد تكون محاولة للسيطرة. وحين ينظر الحاكم إلى جسد الفتاة، لا يستطيع دائماً أن يحدد أي نوع من النظر يمارسه. وهذا الارتباك هو جزء من أزمته.
لكن ثمة سؤالاً أشد إحراجاً: لماذا يهتم بها الحاكم أصلاً؟
هل لأنها إنسان تعرض للظلم؟ بالتأكيد يوجد هذا البعد. لكن لماذا هي تحديداً؟ لماذا يتحول جسدها إلى مركز لاهتمامه؟ وهل يمكن فصل اهتمامه بها عن حاجته إلى أن يرى نفسه نقيضاً لجول؟
هذه الأسئلة لا تلغي صدق تعاطفه، لكنها تمنعنا من تحويله إلى قديس. فربما تكون الفتاة، بالنسبة إليه، أكثر من ضحية يريد مساعدتها؛ ربما تصبح أيضاً مرآة لضميره. ومن خلال الاعتناء بها يحاول أن يثبت لنفسه أنه ليس مثل الرجال الذين عذبوها.
وهنا تظهر مشكلة أخلاقية شديدة الدقة: عندما نساعد الضحية لكي نشعر نحن بأننا صالحون، من أصبح مركز الفعل الأخلاقي؟ الضحية أم نحن؟
كوتزي لا يقدم إجابة قاطعة، لكنه يجعل الحاكم يشك في دوافعه باستمرار. وهذه القدرة على الشك هي التي تميزه عن جول. جول واثق. يعرف من هو العدو، ويعرف أين توجد الحقيقة، ويعرف كيف يصل إليها. أما الحاكم فيفقد يقينه شيئاً فشيئاً. لا يعرف تماماً لماذا يريد الفتاة، ولا لماذا يغسل قدميها، ولا لماذا لا يستطيع أن يشتهيها بالطريقة التي يشتهي بها غيرها، ولا ما الذي ينتظره منها.
وبهذا يصبح عدم المعرفة بداية أخلاقية محتملة.
ليس لأنه فضيلة في ذاته، بل لأنه يكسر الوهم الذي تقوم عليه السلطة: وهم أن الآخر قابل للمعرفة الكاملة. جول لا يستطيع أن يقول لا أعرف. الحاكم يبدأ في تعلم هذه العبارة، حتى عندما لا ينطق بها.
لكن الفتاة ليست موجودة فقط لكي تعلم الحاكم درساً أخلاقياً. وإذا قرأناها بهذه الطريقة نكون قد وقعنا في الفخ نفسه: نجعل وجودها تابعاً لتطور الرجل. ولهذا ينبغي أن نسأل عما تفعله هي، وعن اللحظات التي تظهر فيها إرادتها مستقلة عن رغباته.
ومن أهم هذه اللحظات رغبتها في العودة إلى قومها.
هنا تتغير بنية العلاقة. فالحاكم يستطيع أن يمنحها المأوى والطعام والعناية، لكنه لا يستطيع أن يجعل هذا المأوى وطناً لها. وهذا فارق حاسم. فالرحمة التي تمارس داخل فضاء الإمبراطورية لا تلغي حقيقة أن هذا الفضاء نفسه ليس فضاءها.
إنها تريد العودة.
وبمجرد أن تأخذ هذه الرغبة مأخذ الجد يبدأ الحاكم في الانتقال من العناية الخاصة إلى الفعل السياسي. فإعادة الفتاة إلى أهلها ليست كغسل قدميها. في الغرفة يستطيع أن يكون الرجل الرحيم من دون أن يتحدى بنية الإمبراطورية مباشرة، أما عبور الحدود معها فيعني أن يتحرك في فضاء قسمت الإمبراطورية العالم من خلاله إلى داخل وخارج.
وهنا يصبح الطريق مهماً بقدر أهمية الغاية.
فالرحلة إلى البرابرة ليست فقط رحلة لإعادة امرأة إلى قومها؛ إنها رحلة يخرج فيها الحاكم من الجغرافيا التي كانت تمنحه هويته. كان ينظر سابقاً من البلدة إلى ما وراء الحدود، والآن يتحرك جسده نفسه في ذلك الخارج. وما كان مساحة مجهولة في خريطة الإمبراطورية يصبح برداً وتعباً وجوعاً ومسافة يعيشها بنفسه.
وهكذا يتحول المكان من موضوع للمعرفة إلى تجربة للجسد.
وفي الرحلة تتغير العلاقة بينه وبين الفتاة أيضاً. فكلما اقتربت من عالمها أصبح أكثر وضوحاً أنها لا تنتمي إليه. لقد كان داخل البلدة صاحب السلطة والمأوى والقدرة على منحها ما تحتاج إليه؛ أما بعيداً عن البلدة فتبدأ هذه المواقع في التحرك. الفتاة التي ظهرت في عالمه بوصفها مشردة عاجزة تستعيد صلة بعالم لا يكون هو مركزه.
وهذه النقلة مهمة جداً، لأنها تكشف له أن الصورة التي عرفها عنها كانت مرتبطة بالسياق الذي وضعها فيه العنف الاستعماري. لقد رآها في حالة انكسار، فكاد يخلط بين تلك الحالة وبين حقيقتها كلها.
لكن الضحية ليست هي جرحها فقط.
هذه إحدى الأفكار التي ينبغي الحفاظ عليها في قراءة الفتاة. فالعنف يريد أن يجعل الإنسان مساوياً لما فعله به: هذه المرأة هي التي عُذبت، وهذا الرجل هو السجين، وهؤلاء هم المهزومون. أما استعادة الإنسانية فتبدأ حين ندرك أن ما وقع للإنسان، مهما كان فادحاً، لا يستنفد وجوده.
ولذلك فإن عودة الفتاة إلى قومها ليست مجرد حل لحبكة علاقتها بالحاكم؛ إنها، على مستوى أعمق، خروج من الرواية التي كان الآخرون يكتبونها عنها. الإمبراطورية كتبت على جسدها رواية العدو. والحاكم كاد أن يكتب عليها رواية الضحية التي يحتاج إلى إنقاذها. أما عودتها فتعيد فتح احتمال أن يكون لها وجود لا تحدده أي من هاتين الروايتين بالكامل.
ومن اللافت هنا أن كوتزي لا يمنحنا، بعد عودتها، فصلاً يخبرنا بالتفصيل ماذا حدث لها وكيف استأنفت حياتها. إنها تختفي إلى حد بعيد من مجال رؤية الراوي.
وقد يبدو ذلك نقصاً: لماذا لا يمنح الكاتب هذه الشخصية المهمة صوتاً أوسع؟
لكن يمكن قراءة الاختفاء بصورة أخرى. لو تابعها الحاكم سردياً حتى النهاية، لبقيت أسيرة نظرته. إن خروجها من مجال معرفته يعني أيضاً أن حياتها لم تعد متاحة له لكي يفسرها.
إنها تذهب إلى مكان لا يستطيع أن يتبعها إليه.
وهذا ربما يكون أول درس حقيقي يتلقاه في احترام حدود الآخر: أن يسمح له بأن يختفي من مجال نظره.
لكن المفارقة القاسية أن الحاكم، بعد أن يعيدها، سيعود إلى الإمبراطورية. وهو لا يعود الرجل نفسه. فقد عبر الحدود التي كانت تفصل العالمين، واتصل بأولئك الذين تصفهم المؤسسة بأنهم أعداء، وقام بفعل تستطيع السلطة أن تعيد تفسيره بلغة الخيانة والتعاون مع العدو.
وهكذا يحدث التحول الكبير: الرجل الذي كان يقرأ علامات التعذيب على جسد الفتاة سيصبح هو نفسه موضوعاً لسلطة جول.
سيتحول من الناظر إلى المنظور إليه، ومن الموظف إلى السجين، ومن الذي يسأل عن معنى الألم إلى الجسد الذي يعرف الألم من داخله.
لكن حتى هذه التجربة لن تمنحه حق القول إنه أصبح يعرف تجربة الفتاة كاملة. وهذا التفصيل أساسي في أخلاق الرواية. فالألم لا يعمل مثل لغة عالمية تجعل كل من تألم يعرف كل ألم آخر. الأجساد مختلفة، والسياقات مختلفة، والتاريخ الذي يحمل كل جسد مختلف.
ما سيتعلمه الحاكم ليس كيف شعرت الفتاة بصورة كاملة، وإنما شيئاً ربما يكون أكثر تواضعاً وأهمية: أن الجسد الذي كان ينظر إليه من الخارج لا يمكن اختزال تجربته إلى ما يستطيع الناظر فهمه.
وهنا نصل إلى ما يمكن تسميته أخلاق عدم الامتلاك في الرواية. فالعلاقة الأخلاقية بالآخر لا تبلغ كمالها حين أقول: الآن فهمتك تماماً، وإنما ربما تبدأ حين أستطيع أن أقول: ثمة شيء في تجربتك لا أستطيع امتلاكه، ومع ذلك فإن عدم قدرتي على امتلاكه لا يقلل من واجبي تجاهك.
وهذه النقطة تجعل الفتاة البربرية أكثر من شخصية في رواية عن الاستعمار. إنها تمتحن معنى التعاطف نفسه. هل نحتاج إلى أن نفهم ألم الآخر كاملاً لكي نعترف به؟ هل يجب أن يحكي لنا الضحية قصته بطريقة تقنعنا؟ هل يحتاج إلى أن يصبح شفافاً أمام وعينا حتى يستحق العدالة؟
جواب الرواية، كما يتشكل من بنائها لا من شعار مباشر، يبدو أقرب إلى النفي.
فالألم لا يحتاج إلى أن يصبح ملكاً لمعرفتنا لكي يكون حقيقياً.
وهنا يمكن أن نعيد النظر في طقس غسل القدمين الذي بدأنا منه. في البداية أراد الحاكم أن يقرأ العلامات. وفي النهاية سيضطر إلى قبول أن بعض العلامات لا تمنح قارئها معناها الكامل. وما يبدو فشلاً معرفياً قد يصبح تقدماً أخلاقياً: لم يعد الآخر لغزاً ينبغي حله قبل أن نعترف بإنسانيته.
ومن هذه الزاوية يمكن أن نقرأ الفتاة باعتبارها حداً تقف عنده سلطة اللغة نفسها. الإمبراطورية سمتها بربرية، وجول أراد انتزاع كلام منها، والحاكم أراد أن يفسر جسدها، والراوي يحاول أن يضع تجربته معها في كلمات، والقارئ يريد بدوره أن يعرف ماذا ترمز إليه. لكنها تقاوم كل هذه العمليات بوجود لا ينكشف كاملاً.
ولهذا ربما يكون السؤال النقدي الأكثر إنصافاً تجاهها ليس: ماذا تمثل الفتاة؟
بل: ما الذي ترفض الرواية أن تسمح لنا بامتلاكه عنها؟
عندئذ يتغير معنى صمتها. لا يعود فراغاً ينبغي للناقد أن يملأه، بل يصبح جزءاً من البنية الأخلاقية للرواية. وكأن كوتزي يذكرنا بأن الأدب نفسه، على الرغم من قدرته الهائلة على تخيل تجارب الآخرين، يجب أن يعرف أين تقف حدود هذه القدرة.
وهنا أيضاً نستطيع فهم تحذير سوزان فان زانتن غالاغر من المشكلة التي يطرحها التعذيب على الرواية بوصفها شكلاً تمثيلياً. فحين يكتب الروائي عن الألم، يواجه مفارقة: ينبغي أن يجعل القارئ يدرك حقيقة العنف، لكن عليه ألا يتصرف كما لو أن الكلمات استطاعت أن تستحوذ على التجربة الجسدية كاملة. ومن هنا يأتي تحفظ كوتزي، وصمته، والفجوات التي يتركها في قصة الفتاة.
إنها ليست عيوباً ينبغي ملؤها.
إنها جزء من المعنى.
وفي النهاية، لا تبقى الفتاة في الرواية باعتبارها المرأة التي أحبها الحاكم أو أنقذها أو فشل في فهمها. إنها تكشف حدود ثلاثة مشاريع مختلفة للسيطرة: مشروع الإمبراطورية التي تريد تعريف البربري، ومشروع المحقق الذي يريد استخراج الحقيقة، ومشروع الإنسان المتعاطف الذي يريد أن يعرف الآخر معرفة تمنحه هو راحة أخلاقية.
وإذا كان جول يمثل العبارة: سأجعلك تقول الحقيقة، فإن تجربة الحاكم مع الفتاة تقوده ببطء نحو موقف آخر: ربما لا أملك الحق في مطالبتك بأن تصبح مفهوماً بالكامل بالنسبة إليّ.
وبين هذين الموقفين تقع المسافة الأخلاقية التي تقطعها الرواية.
لكن كوتزي لن يترك هذا الاكتشاف في مستوى التأمل. فبعد أن قرأ الحاكم الألم على جسد الفتاة، ستدفعه الإمبراطورية إلى اختبار شيء من منطقها على جسده هو. وسننتقل بذلك من الجسد بوصفه نصاً يقرأه الآخر إلى الجسد بوصفه آخر مكان يستطيع الإنسان الاحتماء به عندما تسلبه السلطة اسمه ومنصبه وكرامته.
وهذا يقودنا إلى القسم التالي:
الجسد تحت السلطة: من مشاهدة التعذيب إلى اختباره
الهوامش
Susan Van Zanten Gallagher, “Torture and the Novel: J. M. Coetzee’s Waiting for the Barbarians,” Contemporary Literature, Vol. 29, No. 2, 1988, pp. 277–285.
Michael Valdez Moses, “The Mark of Empire: Writing, History, and Torture in Coetzee’s Waiting for the Barbarians,” The Kenyon Review, Vol. 15, No. 1, 1993, pp. 115–127.
Emmanuel Levinas, Totality and Infinity: An Essay on Exteriority, trans. Alphonso Lingis, Pittsburgh: Duquesne University Press, 1969.
وتستخدم أفكار ليفيناس هنا بوصفها أفقاً لفهم حدود تحويل الآخر إلى موضوع للمعرفة، لا باعتبار الرواية تطبيقاً مباشراً لفلسفته.
Gayatri Chakravorty Spivak, “Ethics and Politics in Tagore, Coetzee, and Certain Scenes of Teaching,” Diacritics, Vol. 32, Nos. 3–4, 2002, pp. 17–31.
وتفيد مقاربة سبيفاك الأوسع لأخلاقيات القراءة عند كوتزي في الحذر من تحويل الآخر إلى موضوع يمكن للصوت المهيمن استيعابه بالكامل.

Michel Foucault, Discipline and Punish: The Birth of the Prison, trans. Alan Sheridan, New York: Pantheon Books, 1977.
وتفيد إحالة فوكو هنا في تحليل الصلة بين الجسد والعقاب وإنتاج المعرفة، مع ضرورة الحفاظ على الاختلاف بين مشروع فوكو التاريخي والبناء التخييلي الخاص برواية كوتزي.
Edward W. Said, Orientalism, New York: Pantheon Books, 1978.
وتستخدم أفكار سعيد هنا لفهم علاقة التسمية والتمثيل بالسلطة، لا لمطابقة البرابرة آلياً مع موضوع الاستشراق التاريخي.



#محمد_نجيب_السعد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- في انتظار البرابرة: حين تحتاج الإمبراطورية إلى عدو قراءة في ...
- حين تصبح النغمة ذاكرة رقمية : أرشيف المقام العربي واستعادة ت ...
- حين تصبح النغمة ذاكرة رقمية أرشيف المقام العربي واستعادة تار ...
- نظريات القصة القصيرة/ 6* الواقعية والرواة في قصص توبياس وولف ...
- نادين كورديمر ومضات اليراع
- نهج معرفي للقصصية
- تشارلز مَي : نقد القصة القصيرة في الولايات المتحدة الأميركية
- لويزا ماريا غونزاليس رودريغيز التناص والكولاج في قصص بارثيلم ...
- فرحات افتخار الدين: سياسة الجسد: الديناميكيات الأنثوية في مج ...
- التقليلية في الشعر : مقدمة تعريفية
- القصة المايكرو
- قصص همنغواي القصيرة /3:
- حروف سوداء فوق صفحات بيض: أدب سكان استراليا الأصليون
- التقليلية الأدبية في القصة القصيرة الأميركية-5
- قصص همنغواي القصيرة/2
- قصص همنغواي القصيرة /1
- التقليلية الأدبية في القصة القصيرة الأميركية-4
- التقليلية الأدبية في القصة القصيرة الأميركية-3
- وداعاً للسلاح وعناقيد الغضب : تقليلية همنغواي وتكثيرية شتاين ...
- التقليلية الأدبية في القصة القصيرة الأميركية-1


المزيد.....




- ملك -الرعب- المتواضع!
- وزير الثقافة اللبناني: هناك مئات المواقع الأثرية بانتظار الا ...
- هدى ابراهيم الخميس..ثلاثون عامًا من الفن والثقافة بين الشرق ...
- أدباء العراق يستذكر صلاح القصب.. حارس التجريب المسرحي
- صُوّر بالكامل في القطاع.. -غزة 13- يحصد جائزة -نيتباك- في مه ...
- طهران تقرر إغلاق مركز اللغة الفرنسية التابع للسفارة بتهمة ال ...
- الرصاصة العكسية.. كيف روجت إسرائيل لفيلم -نازا- عبر تهديد صن ...
- إيران تغلق مركزا فرنسيا في طهران لمناهضته الثقافة الإسلامية ...
- -داخل سوريا-.. بودكاست جديد يقدم السردية السورية للعالم بالل ...
- صاغوا أبحاث طلاب غربيين لسنوات.. الذكاء الاصطناعي يعصف بـ-كت ...


المزيد.....

- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد نجيب السعد - في انتظار البرابرة: حين تحتاج الإمبراطورية إلى عدو قراءة في الخوف والسلطة والجسد والآخر في رواية ج. م. كوتزي/2