أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - نص نثري: المظاهر














المزيد.....

نص نثري: المظاهر


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8835 - 2026 / 9 / 21 - 11:47
المحور: الادب والفن
    


في المدرسة الأولى، تعلّم أن القيمة لا تُقاس بما يرتديه، ولا بما يضعه على جسده من علاماتٍ تميّزه عن الآخرين. تعلّم أن الصدق قيمة، وأن الأمانة سلوك، وأن الرحمة موقف، وأن العدل لا يكتسب معناه من قائله، بل من أثره في حياة الآخرين. كان يتعلم أن الإنسان يُقرأ من أفعاله، لا من غلافه.
كبر وهو يظن أن ما في الداخل هو الذي يمنح الإنسان قيمته، وأن المظهر ليس أكثر من صورة عابرة لا تستطيع وحدها أن تكون شاهداً على صاحبها.
ثم خرج إلى الحياة.
هناك، بدأ يكتشف شيئاً آخر؛ فقد وجد أن الصورة قد تسبق الحقيقة، وأن الهيئة قد تمنح صاحبها ما لا تمنحه الأخلاق أحياناً. لم يعد السؤال دائماً: ماذا فعل؟ بل: كيف يبدو؟ ولم يعد الفعل هو البداية في إصدار الحكم، فقد تكفي صورة مألوفة لتمنح الثقة، أو صورة مختلفة لتفتح باب الشك.
وهنا بدأت المسافة تتسع بين ما تعلّمه في المدرسة وما وجده في الحياة.
فالمجتمع الذي علّمه أن الجوهر هو المقياس، أخذ يدرّبه من حيث لا يشعر على قراءة القشور. صار للمظهر سلطانه الصامت؛ يمنح بعض الوجوه حصانةً مسبقة، ويضع أخرى تحت المراقبة، لا بسبب فعلٍ ارتكبته، بل لأنها لم تشبه الصورة التي اعتادها الناس.
وهكذا يكبر الإنسان وهو يكتشف أن للصلاح شكلاً متداولاً، وأن بعض الصور تستطيع أن تتقدم على أصحابها، فتمنحهم براءةً قبل أن يُختبروا، بينما قد يتحول الاختلاف وحده إلى قرينةٍ لا تحتاج إلى دليل.
ولا يتوقف الأمر عند الكبار. فالطفل الذي يرى الثقة تُمنح لهيئةٍ بعينها، والمديح يُربط بمظهرٍ محدد، يتعلم شيئاً لم تقله له المدرسة: أن بإمكان الصورة أن تتحدث نيابةً عن صاحبها. ومع الوقت، قد يعرف شكل الصالح قبل أن يعرف معنى الصلاح.
ومن هنا يبدأ الخلل أكثر وضوحاً.
فقد يتعلم الإنسان كيف يحافظ على صورته أمام الآخرين أكثر مما يتعلم كيف يحافظ على ضميره في داخله؛ لأن الصورة تُرى، أما الضمير فلا يراه أحد. وقد يصبح إخفاء التناقض بين الظاهر والباطن نوعاً من المهارة الاجتماعية، لا لأن كل من يفعل ذلك مخادع، بل لأن المجتمع قد يكافئ الصورة قبل أن يسأل عن حقيقتها.
عندها تتراجع الأخلاق خطوةً أخرى.
فالرحمة لا تحتاج إلى هيئة كي تُعرف، والعدل لا يثبت بثوب، والصدق لا يحمل علامةً تدل عليه. إنما تظهر القيم حين يغيب التصفيق، وحين لا تكون هناك عينٌ تراقب، ولا جمهورٌ يمنح شهادةً بالصلاح.
لكن الخطر يبدأ حين يغادر المظهر حدوده الشخصية، ويدخل المجال العام بوصفه معياراً للحكم. عندها يتحول الرمز إلى سلطة، والمألوف إلى مرجع، والاختلاف إلى شبهة، ويصبح الإنسان مطالباً بأن يشبه الصورة قبل أن يُنظر إلى أثره.
وهنا تكمن المفارقة؛ فقد قضى سنواتٍ يتعلم أن الجوهر هو الأصل، ثم قضى سنواتٍ أخرى وهو يكتشف أن القشور هي التي تتقدم الصفوف.
وحين تبلغ الصورة هذه المنزلة، لا يعود الإنسان يُرى كما هو، بل كما تسمح له الصورة أن يكون. يصبح الظاهر شاهداً على باطن لم يُختبر، ويغدو المألوف أقرب إلى الحقيقة، لا لأنه كذلك، بل لأنه أكثر راحةً للعين.
وربما هنا تكمن المفارقة الأبعد؛ فالإنسان لا يكتفي بأن يُرى، بل يتعلم كيف يصنع ما يُرى منه، حتى يصبح الشكل أحياناً أكثر حضوراً من صاحبه، والرمز أكثر دلالةً من الفعل، والانطباع أكثر بقاءً من الحقيقة.
وفي مكانٍ ما بين ما تعلّمه عن الأخلاق وما وجده في الحياة، يظل السؤال واقفاً دون جواب: حين يصبح للجوهر مظهرٌ مطلوب، وللمظهر جوهرٌ مفترض، أيهما يبقى حاضراً حين تغيب العيون؟
ربما لا يظهر الإنسان حقاً إلا في تلك اللحظة التي لا يحتاج فيها إلى أن يثبت صورته لأحد.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين يسكن المكان: حوار في الوطن والهوية والذاكرة والفقد والوع ...
- حين يسكن المكان: حوار في الوطن والهوية والذاكرة والفقد والوع ...
- حين يصبح الطريق ذاكرة: تأملات في المجموعة القصصية ما تبقّى م ...
- نص نثري: حين صار ظلّاً
- قصة قصيرة: إلى حيث يمضي الطريق
- نص نثري: سماءٌ من طفولة
- نص نثري: الظل
- قصة قصيرة: صقيعُ الإهمال
- قصة قصيرة: جزاء الإحسان
- نص نثري: أشواق
- ما بين جناح الحر وأسراب الزرازير: تأملات في قصة وادي الجُفر ...
- نص نثري: إلى المجهول
- قصة قصيرة: أنتَ لستَ أبي
- نص نثري: مَن أكون؟
- اللحن الحزين
- قصة قصيرة: عظام الشاة
- قصة قصيرة: خيط في الظلام
- مهلاً أيها الصرح
- قصة قصيرة: الجسد الهامد
- الطريق الذي لا يصفق له أحد


المزيد.....




- ملك -الرعب- المتواضع!
- وزير الثقافة اللبناني: هناك مئات المواقع الأثرية بانتظار الا ...
- هدى ابراهيم الخميس..ثلاثون عامًا من الفن والثقافة بين الشرق ...
- أدباء العراق يستذكر صلاح القصب.. حارس التجريب المسرحي
- صُوّر بالكامل في القطاع.. -غزة 13- يحصد جائزة -نيتباك- في مه ...
- طهران تقرر إغلاق مركز اللغة الفرنسية التابع للسفارة بتهمة ال ...
- الرصاصة العكسية.. كيف روجت إسرائيل لفيلم -نازا- عبر تهديد صن ...
- إيران تغلق مركزا فرنسيا في طهران لمناهضته الثقافة الإسلامية ...
- -داخل سوريا-.. بودكاست جديد يقدم السردية السورية للعالم بالل ...
- صاغوا أبحاث طلاب غربيين لسنوات.. الذكاء الاصطناعي يعصف بـ-كت ...


المزيد.....

- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - نص نثري: المظاهر