عبدالرحمن محمد محمد
الحوار المتمدن-العدد: 8834 - 2026 / 9 / 20 - 14:33
المحور:
الادب والفن
مضى قرابة الأسبوعين على اليوم الذي حملت فيه وسائل إعلامية ووسائط التواصل الافتراضي خبر انتقال الكاتب والصحفي المصري السيد عبد الفتاح علي إلى جوار ربه.
كان الخبر موجعا وكانت الصفحات والمواقع تضج بالحديث عن وفاة رجل أقل ما يمكن أن يقال عنه أنه كان إنسانا بمعنى الكلمة، وصديقا صادقا للكرد في العالم أجمع.
تناقلت الوسائل الإعلامية الخبر وتبادل محبوه وذووه والوسط الثقافي والإعلامي العربي والمصري والكردي كذلك برقيات والتعازي والمواساة وكل رأى في رحيله مرارة الفقد ووجع الوداع الأخير وكأنه ابن بيته وفرد من أفراد أسرته.
السيد عبد الفتاح علي المولود عام 1973 عرف بصداقته للكرد وكان مقربا من الكرد في أجزاء كردستان والعالم، وكانت له العديد من الكتب القيمة والمؤلفات كان أهمها: “جلال طالباني.. رؤية مصرية ومعاصرة صحفية في دولة الشمس، ومغامرة صحفي مصري في دولة داعش”، وكان مشاركا ومحاورا في العشرات من الندوات والمؤتمرات والندوات الجوارية.
السيد عبد الفتاح علي لا تكفي صفحات قليلة للكتابة عنه، لكننا من باب الوفاء نقتطف بعض مما كتبه بعض أصدقائه الكرد عنه:
الكاتب والناقد عبد الوهاب بيراني كتب
لقد كان الراحل عبد الفتاح علي نموذجاً للمثقف الملتزم بقضايا شعوب المنطقة، وقد تجلى ذلك بوضوح في مواقفه الداعمة للشعب الكردي وقضيته العادلة، ولم يكن هذا الدعم مجرد كلام، بل ترجمه إلى أفعال من خلال عمله مديراً لدار نفرتيتي للطباعة والنشر، ومن خلال دوره كباحث أساسي في مركز نفرتيتي للدراسات الكردية بالقاهرة. وقد توجت هذه الجهود بحصوله على جائزة عثمان صبري للصداقة بين الشعوب عام 2013، تقديراً لدوره ومواقفه المؤيدة للشعب الكردي.
لقد كان لي شرف التواصل معه عبر تطبيق الزووم ووسائل التواصل الافتراضي، حيث دارت بيننا حوارات ونقاشات معمقة حول قضايا مصيرية تهم منطقتنا، مثل قضية روح آفا، وتأثير الإرهاب الداعشي على المنطقة، والفكر الديمقراطي الإنساني الذي اعتمد براديغما أخلاقية عالية. كما تركزت حواراتنا على طبيعة منشورات دار نفرتيتي، وإمكانية التعاون بينها وبين دار الأيقونة؛ ما يعكس حرصه الدائم على مد جسور التواصل الثقافي والمعرفي.
لقد كان السيد عبد الفتاح إنساناً عميق الثقافة، قريباً من قضايا الكرد وتراثهم السياسي، وصديقاً مخلصاً للشعب الكردي، مدافعاً عن قضيته في كل المحافل والمنابر الإعلامية، لقد كان يتمتع بعلاقات واسعة مع الأدباء والمثقفين الكرد، إلى جانب صلاته بعدد من القوى السياسية الكردستانية في أجزاء كردستان الأربعة، ولا سيما في روج آفا.
إن رحيله المبكر يمثل خسارة فادحة للكرد وللثقافة الإنسانية الجادة، وشخصياً، شعرت بعميق الحزن على رحيله، وخاصة أنه كان باحثاً أساسياً في مركز نفرتيتي للدراسات الكردية بالقاهرة، حيث كان منارة للفكر والتحليل الموضوعي.
رحم الله السيد عبد الفتاح علي، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أهله ومحبيه الصبر والسلوان. سيبقى اسمه وذكراه خالدة في وجدان كل من عرفه وأحبه، وفي سجلات الثقافة العربية والكردية.
ماذا كتب الكاتب الكردي مشعل أوصمان..؟
أما الكاتب الكردي مشعل أوصمان فكتب في مقال معنون “الكاتب والصحفي السيد عبد الفتاح علي.. حين تصبح الثقافة جسرا بين القاهرة وكردستان”: “بدأت علاقتي بالكاتب والصحفي المصري السيد عبد الفتاح علي عام 2018، ولم تكن معرفتي به مجرد علاقة عابرة بين كاتب كردي وصحفي عربي، بل تحولت مع مرور الوقت إلى صداقة ثقافية وإنسانية جمعتنا خلالها أحاديث كثيرة عن الأدب والكتاب الكردي وعن مسؤولية المثقف في حفظ ذاكرة شعبه وصون منجزه الثقافي.
وقد التقيت به عدة مرات في قامشلو وكانت لقاءاتنا مناسبة للحديث عن الأدب والثقافة والشأن الكردي وعن الكتب والمشاريع التي تشغلنا. وتبادلنا خلال تلك اللقاءات الكتب أيضا فأهداني مؤلفاته، وكنت أبادله بإهدائه كتبي، ومنها كتبي الثلاثة التي كانت قد صدرت آنذاك في دهوك. وكانت تلك الإهداءات أكثر من مجرد تبادل للكتب، فقد كانت تعبيرا عن صداقة ثقافية تقوم على القراءة والحوار والاهتمام المتبادل. وكان لي شرف اللقاء به في عاصمة إقليم كردستان هولير بتاريخ 17/3/2023 ضمن مناسبة تكريمه من قبل اتحاد كتاب كردستان سوريا، تقديرا لجهوده واهتمامه بالثقافة الكردية.
لم يكن ذلك اللقاء الأول بيننا لكنه كان مميزا بالنسبة لي فقد جمعنا هذه المرة فضاء كردستان وكانت فرصة للحديث بصورة أوسع عن الكتاب والمشاريع الثقافية وعن أهمية توثيق الذاكرة الصحفية والثقافية الكردية. وخلال أحاديثنا حدثته عن مشروعي البحثي حول الصحافة الكردية المكتوبة في جنوب غربي كردستان في النصف الثاني من القرن العشرين، وهو مشروع كنت أعمل عليه وأطمح إلى إخراجه في كتاب. وقد أبدى اهتماما كبيرا بالمشروع ووعدني بأن تتولى دار نفرتيتي للنشر والدراسات والترجمة طباعته ونشره.
بقي ذلك الوعد عزيزا على قلبي؛ لأنه جاء من شخص كان يؤمن بأهمية توثيق الذاكرة الصحفية والثقافية الكردية، لكن القدر كان أسرع من الوعد.
ومع ذلك ظل ذلك الوعد بالنسبة لي شاهدا على اهتمامه الحقيقي بالثقافة الكردية؛ فلم يكن ينظر إلى الكتاب الكردي بوصفه مادة للنشر فحسب بل كان يدرك أن وراء كل كتاب ذاكرة شعب وتجربة جيل وأصواتا قد تضيع إن لم تجد من يوثقها ويحفظها. وكان هذا الاهتمام جزءا من مشروعه الثقافي الأوسع.
فمن خلال مركز القاهرة للدراسات الكردية الذي أسسه عام 2013، عمل على التعريف بالتاريخ والثقافة والقضية الكردية، فيما شكلت دار نفرتيتي امتدادا عمليا لهذا المشروع عبر نشر الكتب والدراسات والأعمال المتعلقة بالشأن الكردي وإيصالها إلى القارئ العربي.
وفي مجال التأليف ترك السيد عبد الفتاح علي أعمالا تعكس اهتمامه بالشأن الكردي وتجربته الصحفية ومن أبرزها «جلال طالباني رؤية مصرية» و «معاصرة صحفية في دولة الشمس».
لكن تجربته في نظري لا تختصر في مؤلفاته وحدها فقيمته الثقافية تكمن أيضا في المساحة التي حاول أن يفتحها للآخرين.
كان يؤمن بأن الكاتب الكردي يحتاج إلى من يعرف به خارج حدود لغته وجغرافيته، وأن القاهرة تستطيع أن تكون جسرا يصل من خلاله الكتاب الكردي إلى القارئ العربي.
ومنذ عام 2020، كنت ألمس في أحاديثه اهتماما حقيقيا بالمثقفين الكرد ولا سيما بالنتاج الثقافي القادم من كردستان سوريا.
كان يسأل عن الكتب والمشاريع والكتاب ويستمع باهتمام ويشجع على مواصلة العمل.
لذلك بقيت لقاءاتنا في قامشلو ثم لقاؤنا المميز في هولير والكتب التي تبادلناها والحديث الذي دار بيننا حول كتاب «الصحافة الكردية المكتوبة في جنوب غربي كردستان في النصف الثاني من القرن العشرين»، من الذكريات الثقافية التي أعتز بها.
قد لا يكون الكتاب قد صدر عن طريقه كما كنا نتمنى، لكن ذلك الوعد نفسه أصبح جزءا من حكاية الكتاب وجزءا من شهادتي على رجل رأى في توثيق الصحافة الكردية حفظا لذاكرة ثقافية تستحق أن تصل إلى الأجيال القادمة.
السيد عبد الفتاح علي لم يكن مجرد صحفي كتب عن الكرد بل كان مثقفا عربيا حاول أن يجعل من القاهرة جسرا للثقافة الكردية وأن يفتح أمام الكتاب الكردي نافذة نحو القارئ العربي. وهكذا تبقى بعض العلاقات أكبر من حدود اللقاء وبعض الكتب أبقى من أصحابها وبعض الوعود تظل حاضرة في الذاكرة لأنها تترك أثرا إنسانيا وثقافيا لا ينسى”.
كيف عبرت الكاتبة والناشطة ليلى موسى عن ألمها..؟!
أما الكاتبة والناشطة الكردية ليلى موسى والمقيمة في مصر وبحكم قربها من الكاتب القدير السيد فقالت: “لقد ترك رحيل الكاتب والصديق المصري العزيز السيد عبد الفتاح حزناً عميقاً في نفوس أصدقائه وزملائه، ليس فقط لأنهم فقدوا كاتباً ومثقفاً صاحب موقف، بل لأنهم فقدوا إنساناً كان حاضراً في علاقاته ومواقفه بصدق ووفاء نادرين.
كان الفقيد قريباً من الناس، وفياً لأصدقائه، ولم يكن يتعامل مع القضايا التي يؤمن بها من بعيد، بل كان يعيشها ويمنحها جزءاً من وقته وجهده ووجدانه.
وبالنسبة إلى أصدقائه الكرد، كان الرحيل أكثر إيلاماً، لأن السيد عبد الفتاح لم يكن مجرد صديق عابر للشعب الكردي، وإنما كان واحداً من الأصوات العربية التي آمنت، في وقت مبكر، بأن العلاقة بين العرب والكرد يجب أن تُبنى على المعرفة والاحترام والعيش المشترك والاعتراف المتبادل. ولهذا سيترك غيابه فراغاً حقيقياً لدى كل من عرفه أو عمل معه أو تابع مواقفه وكتاباته.
لقد مثّل الراحل السيد عبد الفتاح، بالنسبة إلى القضية الكردية، صوتاً عربياً صادقاً دافع عن حقوق الشعب الكردي انطلاقاً من قناعة إنسانية وفكرية، لا من حسابات سياسية أو مصالح عابرة.
وكان الفقيد يرى أن الدفاع عن حقوق الكرد لا يتعارض مع الانتماء العربي، بل يعبّر عن فهم أعمق لمعنى العدالة والتعايش، وعن إيمان بأن العرب والكرد شعبان جمعتهما الجغرافيا والتاريخ والمصير المشترك، وأن مستقبلهما يجب أن يقوم على الشراكة لا الصراع.
وتجلّت هذه المواقف في كتاباته ومشاركاته ولقاءاته، وفي حضوره الدائم إلى جانب أصدقائه الكرد، وفي حرصه على تعريف القارئ العربي بتاريخهم وقضاياهم وتطلعاتهم، بعيداً عن الصور النمطية والأحكام المسبقة.
ولإيصال رسالته الإنسانية في مناصرة قضية الشعب الكردي وحقوقه العادلة، عمل الفقيد دون ملل أو كلل، من خلال مركز القاهرة للدراسات الكردية ودار نشر نفرتيتي، على التعريف بالقضية الكردية وإبراز القواسم المشتركة التي تجمع الشعب الكردي مع غيره من الشعوب، وعلى وجه الخصوص الشعب العربي، والتاريخ الطويل الذي يجمع الكرد والمصريين. وقد تجسّد ذلك من خلال إقامة الفعاليات الثقافية والندوات الفكرية، وترجمة ونشر الكتب، والمشاركة في المعارض الدولية في العالم العربي.
ولعل أجمل ما تركه السيد عبد الفتاح أنه لم يتعامل مع القضية الكردية بوصفها قضية شعب آخر، وإنما بوصفها قضية عدالة وحقوق إنسان. ولهذا سيبقى اسمه حاضراً في ذاكرة أصدقائه، وفي ذاكرة كل من عرف مواقفه الصادقة تجاه الشعب الكردي.
ربما كنا في السابق نشيد بأسماء شخصيات محدودة جداً آمنت، في وقت مبكر، بالقضية الكردية، لكن ما قدّمه الراحل السيد عبد الفتاح، إلى جانب أصدقائه وزملائه الآخرين، من دعم ومساندة ومناصرة للقضية الكردية، أسّس أرضية متينة لهذه العلاقة، وترك إرثاً غنياً من الكتابات والمؤلفات التي أسهمت في لفت انتباه عشرات الباحثين والأكاديميين في المعاهد والجامعات المصرية إلى القضية الكردية، ودفع بعضهم إلى تقديم أطروحات ودراسات حول الشعب الكردي وقضاياه”.
وبفضل جهوده وجهود زملائه، نعتز اليوم بوصول القضية الكردية إلى شريحة واسعة من العالم العربي، وبأنها أصبحت حاضرة في الأوساط الثقافية والأكاديمية المصرية والعربية بصورة أوسع مما كانت عليه في السابق. إن رحيل السيد عبد الفتاح لا يعني نهاية هذه المسيرة، بل يضع أمامنا مسؤولية استكمال ما بدأه هو ورفاقه، والبناء على الإرث الذي تركوه لنا، من خلال مواصلة دعم ومساندة ومناصرة قضايا الشعوب العادلة، وتعزيز المعرفة المتبادلة، وتقريب المسافات بين الشعوب، وترسيخ علاقات تقوم على الاحترام والشراكة والإنسانية.
رحم الله السيد عبد الفتاح، الذي توفي بتاريخ الثالث من شهر أيلول الجاري وألهم أسرته وأصدقاءه ومحبيه الصبر والسلوان، وسيبقى وفياً في ذاكرة كل من عرفه، كما ستبقى مواقفه وإسهاماته شاهدة على إنسان آمن بأن العدالة لا تتجزأ، وأن نصرة حقوق الشعوب تبدأ من المعرفة والصدق والوقوف إلى جانب الحق.
#عبدالرحمن_محمد_محمد (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟