أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حسن مدن - من سقراط إلى الذكاء الاصطناعي














المزيد.....

من سقراط إلى الذكاء الاصطناعي


حسن مدن

الحوار المتمدن-العدد: 8834 - 2026 / 9 / 20 - 10:39
المحور: قضايا ثقافية
    


في البدء كانت المعرفة نخبويّة، لا بمعنى أنها مقتصرة على الأذكياء والنابهين فحسب، وإنما تحديداً على أبناء الذوات منهم، إذ جرى النظر إلى المعرفة بوصفها ثروةً مثل المال، يجب ألّا يشاركهم فيها أحد من الرعيّة الذين كان محظوراً عليهم تلقي العلم، أو أقلها لم يكن بوسعهم تلقيه، لأنّ دونهم وذلك فراسخ.

وفي الأصل كانت المعرفة شفويّة، قبل دخول التدوين، فضلاً عن الطباعة التي أتت بعد ذلك بكثير، ونفاجأ حين نقرأ ما نقله أفلاطون عن سقراط، الذي كان يُعدّ متقدماً في نظرته مقارنة بنظرائه من فلاسفة الإغريق حينها، قوله إنّ الكتابة لا يمكن أن تعتبر ابتكاراً، لأنّها، في رأيه، لا تقدّم أي جديد، فنحن لا نفعل سوى تدوين ما نقول أو ما نفكر فيه، فالأحرف التي تصطف صفوفاً على الورق غير قادرة على الكلام، فهي لا تجيب عن سؤال من تلقاء نفسها، وليس بوسعها الاعتراض على ما نقول.

لا يصح الاستخفاف كلية بهذا الرأي، فلعلّ الكتابة تُقيّد تدفق الكلام الشفوي بالفعل وتؤطّره، ولكنها حفظت المعرفة ونقلتها عبر الأجيال، وهي، إلى ذلك، عمّمت المعرفة، فأخرجتها من دائرة النخبة المحتكرة لها لتغدو مشاعة لمن بوسعه فكّ الحروف. أكان سقراط يعبّر عن رأي النخبة الأرستقراطية في أثينا القديمة التي احتكرت حتى قيمة كبرى مثل الديمقراطية، وحرمت منها مَن تعدّهم رعاعاً؟ فمع أنّ الإغريق هم من صاغوا مفهوم الديمقراطية، ومن لغتهم دخلت هذه المفردة كل لغات العالم، لكنّها لم تكن الديمقراطية التي نعرفها اليوم ومن أجلها تقدّم التضحيات، لتكون أسلوب حياة في المجتمعات.

لم يقف هذا السعي الذي يمكن أن نسميه سلطوياً للاستحواذ على المعرفة عند حدود اليونان القديمة، وإنّما استمر طويلاً عبر التاريخ. ولعل هذا ما عناه عبد الفتاح كليطو حين قال في كتابه "من شرفة ابن رشد" ما مفاده إنّ الخطاب، كتابةً أو شفاهةً، ظلّ تحت سلطة من بيده المُلك، ومن ذلك أنّه كان يُعرف عن الأديب البريطاني تشارلز ديكنز محبته لأن يقرأ مؤلفاته أمام الآخرين، وعندما علمت بذلك ملكة بريطانيا، في زمنه، أرسلت له دعوة للمجيء إلى القصر رغبة في سماعه يقرأ.

لكن ديكنز أجابها بأنْ وجّه لها بطاقة دعوة لحضور القراءة. أتراه أراد أن يقول إنّ مكان المعرفة هو فضاء الحياة، لا قصور الملوك؟

فيكتور شكلوفسكي، أحد أبرز منظري الشكلانية الروسية، يرى أنّ التلفزيون بالذات شكّل انبعاثاً للكلمة التي كان سقراط يفضلها على الكتابة. انتقلت الكلمة المسموعة الحية المندفعة بثقل مجلدات مطبوعة إلى الشاشة. مع التلفزيون قرّرت الكلمة أن تبحث لنفسها عن جلساء في غرفنا.

ومع وسائل التواصل الاجتماعي حدث تحوّل آخر في علاقة الإنسان بالمعرفة، فلم تعد الكلمة تنتظر التلفزيون أو الصحيفة أو الكتاب لكي تصل إلى القارئ، وصار في وسع كل شخص تقريباً أن يكون منتجاً للمعلومة وناشراً لها في اللحظة نفسها. وهذه نقلة إيجابية بالتأكيد؛ لأنّها وسّعت إمكان الوصول إلى المصادر والأفكار والتجارب، وأتاحت لأصواتٍ كانت مهمّشة أو بعيدة عن مؤسسات النشر أن تجد طريقها إلى فضاءٍ عام واسع، لكنّ الوجه الآخر لهذه "الديمقراطية" المعلوماتية أنّ وفرة المعلومات لا تعني بالضرورة وفرة المعرفة؛ فقد اختلط الصحيح بالزائف، والمعلومة بالشائعة، وأصبح انتشار الفكرة في أحيان كثيرة أسرع من القدرة على التحقق منها.

ثم جاء الذكاء الاصطناعي ليخطو بالمسألة خطوة أبعد، فهو وإن كان لا ينتج المعرفة بالضرورة، فإنّه قد يساعد في إعادة صياغتها بصورة أفضل، لكن ذلك يضعنا أمام سؤال جديد: إذا كانت الكتابة قد حرّرت المعرفة من حدود الذاكرة الشفوية، والطباعة من احتكار المخطوط، ووسائل التواصل الاجتماعي من احتكار مؤسسات النشر، فهل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يحرّر المعرفة أكثر، أم أنّه قد ينقل احتكارها إلى جهة أخرى، تتحكم فيها، على طريقتها، على جري ما فعله المتحكمون فيها عبر التاريخ؟

بات الخطر اليوم أن تُغمر عقولنا بكم هائل من المعلومات، فلا نعرف أيّ المعلومات تستحق أن نصدّقها.



#حسن_مدن (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ما قالته هدى الشعراوي
- الجامع بين هشام شرابي وإدوارد سعيد
- رسائل نتنياهو من جبل الشيخ
- ذراع تولستوي
- مفكرة الكاتب
- في ذكرى المناضل البحريني علي دويغر
- ما لم يفهمه العميد
- أنعتذر من كتابٍ لم نقرأه؟
- احجار بورخيس
- لماذا يمقت ترامب عبدول؟
- كيف بدا المستقبل العربي؟
- (برواز شوق) بين عكّا وغزّة
- انتهاء عصر النخيل
- صوتها هي لا صوت أحد سواها
- جورج قرم
- أمّ كلثوم وهزيمة حزيران
- تحية سهير القلماوي لأستاذها
- (كولاج) أناييس نين
- ممداني في نيويورك... السيّد في ميشيغن
- طه حسين العربي


المزيد.....




- من النظارات الشمسية إلى قطع الليغو.. أغرب المفقودات في متنزه ...
- شاهد كيف ردت CNN على قرار ترامب حظر إعلامييها دخول البيت الأ ...
- -كفّ عن ذرف دموع التماسيح-.. وزير الخارجية الإيراني يرد على ...
- بيان مصري رسمي بعد هجمات الحوثيين على الرياض
- نتنياهو يلغي اجتماعه مع ماسك في تكساس ويختصر زيارته إلى الول ...
- عين الطفل قد تكشف تقلبات الانتباه المرتبطة باضطراب شائع
- إيمان كريم تشهد احتفالية “أوسكار قادرون بإختلاف” بمحافظة مطر ...
- تنفيذاً لتوجيهات وزيرة التنمية المحلية والبيئة.. إحالة أي وا ...
- حازم المنوفي: استقرار سوق الغذاء جزء أساسي من استقرار الدولة ...
- بعد تداول فيديو على مواقع التواصل.. «الطفولة والأمومة» يتدخل ...


المزيد.....

- ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري / حكمت الحاج
- الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي / كريم الوائلي
- تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة / كريم الوائلي
- التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت ... / كريم الوائلي
- أزمة التعليم في العرا ق / كريم الوائلي
- منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث / كريم الوائلي
- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حسن مدن - من سقراط إلى الذكاء الاصطناعي