أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسن مدن - (برواز شوق) بين عكّا وغزّة














المزيد.....

(برواز شوق) بين عكّا وغزّة


حسن مدن

الحوار المتمدن-العدد: 8809 - 2026 / 8 / 26 - 10:03
المحور: الادب والفن
    


لم يُقدَّر لي، للأسف، أن أقرأ رواية "امرأة الرسالة"، للفلسطينية رجاء بكريّة، السابقة لروايتها التي بصددها هذه المقالة "برواز شوق". لكنّ من قرأوهما يجمعون على أنّهما تنتميان إلى عالم سردي واحد، فالشخصيتان الرئيسيتان، "نشوة ظافر" و"غسّان صقر"، تحضران فيهما، بصورة تجعل من "برواز شوق" استكمالاً لـ"امرأة الرسالة"، بل إنّ بعض من كتبوا عن الروايتَين تساءلوا عما إذا كان في ذهن الكاتبة رواية أخرى قادمة، تقول فيها أشياء أخرى لم تقلها بعد.

تتنقل "برواز شوق" (ناشرون وموزّعون، عمّان، 2025)، بين مدينتَي عكّا حيث تقيم "نشوة" الحاكية التي تسرد ما يدور، وغزّة التي ذهب إليها غسّان ليوثّق بالصور جرائم المحتلّ ضدّ أهلها، ليطلع العالم على الفظائع المرتكبة ضدّ الأبرياء، فنعيش تجاذباً بين عكّا، المكان الذي تريد نشوة أن يستقرّ فيه "غسّان"، حيث الحبّ والأسرة، وغزّة التي قصدها، كأنّه يستعيد حكاية الوطن الذي لا يستطيع الحبّ أن يعزل نفسه عنه، فلا نكون فقط إزاء تجوال بين عالمَي امرأة ورجل؛ امرأة تحاول أن تؤسّس أسرة وحياة، وهي تتابع حركة طفلهما القادم، وهو لما يزل في رحمها، ورجلها البعيد، وإنّما إزاء جرح يتجاوز حكايتهما، الجرح الفلسطيني إيّاه؛ شعب وجد وطنه وقد تحوّل إلى أجزاء، بفعل محتلّ استحوذ على الأرض، وأقام بين أجزائها متاريسَ وحدوداً.

لذا، لا يبدو اختيار الكاتبة عكّا من دون مغزى، كأنّها أرادت المقابلة بينها وبين غزّة المحتلّة. مدينتان تنتميان إلى الوطن نفسه: فلسطين، إحداهما باتت جزءاً من الأرض التي أقام عليها المحتلّ كيانه المدعو إسرائيل، والثانية رسمت لها الأقدار مساراً مختلفاً من الأوجاع المستمرّة حتّى الساعة، ولأنّ الكاتبة مقيمة في الأراضي الفلسطينية المحتلّة في 1948، فذلك يسّر لنا، نحن القرّاء، أن نقرأ وصفاً لتفاصيل رأتها بعينيها: "للمدن أسماء كثيرة، لكنّها لا تشبه عكّا في ذاكرتها (...) تُرى من يُعلّق الآخر على بابه، القلب أم الذاكرة حين تكون هكذا كلّ الأسماء التي أعرفها". هكذا كتبت رجاء بكريّة في مدخل الرواية، فاتحةً لنا الباب لقراءة المكان باعتباره ذاكرةً.

تبدأ أحداث الرواية بعودة "نشوة" في 2014 من لندن، التي أقامت فيها فترة مع عائلتها، إلى عكّا، المدينة التي استعصت على نابليون في حملته، فعاد خائباً، وهو ما كرّرته الكاتبة في أكثر من موضع في الرواية، وهي تحكي عن المدينة وتفاصيلها، فيصبح بيت الحبيب، "غسّان"، مكاناً أرادت "نشوة" أن تستعيد فيه ما انكسر، عادت ليس فقط لمجاورة من تحبّ، بل لتعود إلى الأصل، إلى النبع، بعد سنوات من النأي عنه، لكنّها حين أتت لم تجد الحبيب الذي خالت أنّه ينتظرها: "يا صدفاً لعينة... كم أنت لئيمة"، تقول الكاتبة على لسان نشوة، لكنّ الصدف اختارت التوقيت ليس أكثر. فـ"غسّان" كان سيذهب إلى غزّة في كلّ الأحوال، وفي غزّة التي يلعب فيها الجيش الإسرائيلي "برّاً وجوّاً، بحراً وشاطئاً"، يضيع "غسّان" "شأنه شأن البشر جميعاً هناك، ولا فرق بين رجل يمشي في الشارع أو مقاتل يختبئ في زقاق أو طفل يبحث عن رغيف خبز أو أمٍّ تعدّ من السمك الذي لفظه البحر وجبة العشاء".

تلد "نشوة" طفلهما الذي اختارت له اسم أبيه: "غسّان"، لكنّ الأب لم يعد من غزّة. هناك اختُطف في ظروف غامضة، وبعد طول انتظار ومعاناة، سيلتقي الزوجان في مدينة بعيدة بتدخّل جهات إنسانية، لتفاجأ نشوة بأنّ "غسّان" فقد ذاكرته، ربّما لهول ما تعرّض له من تعذيب. مع ذلك، لا تغلق الكاتبة قوس النهاية، حين تفاجئنا بأنّ لغماً وُضع في غرفة الفندق التي أقام فيها "غسّان" للقاء زوجته وابنه. نجا "غسّان" من الموت، "وبدا كأنّ الذاكرة تراجعت عن غيابها، وعلى غير انتظار تجلّت غزّة بتفاصيلها المشوّشة: بزّات أمن وعسكر، رشقات صاروخية، أجساد تسقط، دم يصبغ المشهد".

ليس السرد الشائق وحده ما يشدّنا في "برواز شوق". تشدّنا أيضاً لغة الكاتبة الشعريّة العذبة التي يعجز "البرواز" عن تقييدها، لا نسأم منها حتّى لو طالت، كما يدهشنا التطواف المرهف والذكي في الذات الأنثوية من منظور امرأة.



#حسن_مدن (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- انتهاء عصر النخيل
- صوتها هي لا صوت أحد سواها
- جورج قرم
- أمّ كلثوم وهزيمة حزيران
- تحية سهير القلماوي لأستاذها
- (كولاج) أناييس نين
- ممداني في نيويورك... السيّد في ميشيغن
- طه حسين العربي
- التواريخ الصغيرة
- قرية مانديلا
- ما قاله المفتي عن (نقد الفكر الديني)
- هجرة الكتب
- (جادك الغيث)
- حركات اجتماعية وليست مجتمعاً مدنيّاً
- على الطرف الثاني من المقعد
- مراسلات وديّة بين خصمين
- عبدالرحمن منيف والخوف من الجايات
- علي عبدالله خليفة.. كاتب الموال ودارسه
- حين يبوح الأدباء
- الجماعة ليست المجتمع


المزيد.....




- -بطاقة بوشكين-.. أكثر من 40% من مؤسساتها في الريف الروسي
- شفيدكوي: حظر -ماشا والدب- في أوكرانيا يُفقِر صغارها
- -فقدنا ملاكاً على الأرض-.. العالم الفني يودّع دوللي بارتون ب ...
- من شنغهاي إلى موسكو.. تشاو لي هونغ والأدب الصيني في معرض موس ...
- -جاسوس ومتمرد-.. القصة الغامضة وراء إعدام الشاعر الروسي نيقو ...
- تركيا.. نجم مسلسل -الأوراق المتساقطة- يعمل سائق شاحنة في أمر ...
- ماجدة موريس تكتب :الموسيقي والناس.. والقلعة 
- -حوار طال انتظاره-.. الإعلان عن برنامج مهرجان -متحف الإعلام- ...
- كيف ابتكر البلاشفة الصحافة المسموعة؟
- وفاة أيقونة موسيقى الريف -الكانتري- الأمريكية دوللي بارتون ع ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسن مدن - (برواز شوق) بين عكّا وغزّة