أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسن الشرع - جدلية الغالب والمغلوب: الحق والأخلاق (1)














المزيد.....

جدلية الغالب والمغلوب: الحق والأخلاق (1)


حسن الشرع

الحوار المتمدن-العدد: 8834 - 2026 / 9 / 20 - 00:47
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


من القدرة إلى الحق
ليست المشكلة في أن ينتصر الإنسان على الإنسان، فقد عرف التاريخ الغلبة منذ أن عرف الإنسان الخوف والرغبة والحدود والملك. المشكلة تبدأ في اللحظة التي لا تعود فيها الغلبة مجرد واقعة، لكنها تطلب لنفسها اسمًا آخر هو الحق.
فالإنسان يستطيع أن يفعل أشياء كثيرة لأن بإمكانه ذلك، لكن القدرة على الفعل ليست، في ذاتها، دليلًا على الحق في الفعل. وبين الجملتين مسافة تبدو قصيرة في اللغة، لكنها تكاد تكون كل المسافة التي تفصل الأخلاق عن القوة:
ما أستطيع فعله، وما يحق لي فعله، ليسا شيئًا واحدًا.
من هذه المسافة الصغيرة تبدأ الحكاية الكبرى.
فالسيف يستطيع أن يفتح بابًا، لكنه لا يستطيع وحده أن يثبت أن الدخول كان حقًا. والجيش يستطيع أن يدخل مدينة، لكنه لا يستطيع بمجرد الدخول أن يثبت حقه في امتلاكها. كما تستطيع السلطة أن تضع قانونًا، لكن مجرد وضع القانون لن يكون كافيًا لإثبات عدالته. فضلًا عن أن الزمن يستطيع أن يجعل الواقعة قديمة، لكنه لا يملك، لمجرد قدمها، أن يجعلها عادلة.
وهنا ربما تكمن أقدم المفارقات وأشدها حضورًا في التاريخ: القوة لا تريد أن تظهر عارية، إذ إنها تحتاج بعد أن تنتصر، إلى أن ترتدي لغةً أخلاقية.
لا تكتفي بأن تقول: أنا الأقوى؛ بل تقول: أنا الأحق. لا تقول: أخذت؛ بل تقول: استعدت. ولا تقول: حكمت، بل تقول: حررت أو قوّمت أو حميت أو أصلحت. وهكذا تبدأ المسافة بين الواقعة وتفسيرها في التضاؤل، حتى يبدو ما حدث وكأنه ما كان ينبغي أن يحدث أصلًا...
لكن كيف ينتقل الواقع إلى القيمة؟ وكيف يتحول ما حدث إلى ما يجب أن يكون؟ وكيف تنتقل اليد التي أمسكت بالسيف إلى اليد التي تكتب القانون، ثم إلى اليد التي تكتب التاريخ، ثم إلى الذاكرة التي تقول للأجيال التالية: كان الأمر حقًا منذ البداية؟
هنا تبدأ جدلية الغالب والمغلوب. الجواب يحتاج قدرًا من الجهد وردحًا من الزمن، ثم لغة للوصف والتوصيف.
الحق قبل أن يصبح قانونًا
قبل أن يكون للحق محكمة أو دولة أو وثيقة، ثمة سؤال أكثر بدائية وأشد عمقًا: ما الذي يجعل شيئًا ما حقًا؟
فإذا كان الحق هو ما أستطيع انتزاعه، صار الأقوى أحق لا لأنه أعدل، بل لأنه أقوى. وإذا كان ما يملكه الإنسان يصبح حقًا بمجرد امتلاكه، فإن الغلبة لا تنتهي بانتهاء المعركة، إنها تنتقل إلى تعريف الأشياء نفسها. تكون إذًا الملكية هي المحور والأساس.
وهنا ينبغي التمييز بين الواقع والحق،
فالواقع يخبر بما حدث. أما الحق فيتساءل عما إذا كان ما حدث جديرًا بأن يكون معيارًا لما ينبغي أن يحدث. ولذلك يستطيع التاريخ أن يسجل أن مدينةً غُزيت، أو شعبًا أُخضع، أو أرضًا انتقلت إلى سلطان جديد، دون أن يكون هذا التسجيل حكمًا أخلاقيًا على الفعل.
إن الخلط بينهما يشبه الخلط بين الخريطة والأرض: الخريطة قد تكون دقيقة في وصف ما هو قائم، لكنها لا تمنح الجبل حقًا في أن يكون في المكان الذي هو فيه.
ولعل الأخلاق، في أبسط أوصافها وأعمقها، هي وعي الإنسان بأن القدرة ليست ترخيصًا.
ولهذا لا يكفي أن يكون السؤال: من انتصر؟ بل ينبغي أن يكون: ما الذي انتصر فيه؟ وهل انتصرت القوة وحدها، أم انتصر معها ادعاء بأن القوة كانت محقة؟
العدل والملك: من يؤسس لمن؟
لعل واحدة من أكثر العبارات اختصارًا لهذه المعضلة القول بأن: (العدل أساس الملك).
ففي هذه الصيغة يكون العدل سابقًا على السلطة من الناحية المعيارية؛ أي إن الملك لا يصبح جديرًا بالاستمرار لأنه ملك، بل لأنه يقوم على معيار لا يصنعه الملك لنفسه. لكن يكفي أن نقلب ترتيب الكلمات: (الملك أساس العدل).حتى تنقلب البنية كلها.
لن أقتبسها من فيلسوف، ولا من فقيه، ولا من رجل قانون! إنما سأستعير نصًا من شاعر، وأعرف كم أجازف، لكن لا بأس، فأنا أعرف أيضًا أن أعذب الشعر أكذبه! مع هذا وذاك، فليس الشعراء وحدهم قد يكذبون، بل إن الساسة والملوك يجيدون الكذب بما يزيد؛ والفرق ما يروح كفة الشعر كما ورد في الاثر المروي
(إن من البيان لسحراً، وإن من العلم جهلاً، وإن من الشعر حكماً، وإن من القول عيالاً) وما يقابله من سياسة وعبودية ووهن اخلاقي.
بلند الحيدري شاعر عراقي رائد من بين ماكتب في ديوانه (حوار الأبعاد الثلاثة):

القاعة ذات القاعة
بكراسيها
وبصوت مناديها
بعيون كلاب الصيد المغروزة في لحم أضاحيها
نفس الياقات البيضاء
ونفس الأحذية اللماعه
والزمن المتخثر في الساعة
ما زال كما
صه ..لا تحك
واللوحة ما زالت ذات اللوحة منذ العهد التركي
العدل أساس الملك
ماذا ؟
العدل أساس الملك
صه لا تحك
كذب كذب كذب كذب
الملك أساس العدل
أن تملك سكينا تملك حقك في قتلي
صه لا تحك
ما أكذبهم ما ألعنهم
العدل أساس الملك
أو شك أن أضحك لولا أني
أترسب في الظن
فأوشك أن ابكي
صه لا تحك لا تحك
لم يعد العدل معيارًا يحاكم السلطة، بل أصبحت السلطة هي التي تحدد ما يسمى عدلًا. عندئذ لا يعود السؤال: هل الحكم عادل؟ بل يصبح: ما دامت السلطة قد حكمت، فذلك هو العدل.
هذه ليست لعبة لغوية. إنها واحدة من أخطر التحولات التي يمكن أن تحدث في وعي الإنسان السياسي والأخلاقي: أن يصبح مصدر المعيار هو الشيء الذي كان يفترض أن يخضع للمعيار.
وفي التراث الديني والفلسفي تتخذ المسألة عمقًا آخر؛ فالحق والملك من الألفاظ التي ارتبطت في التصور الإسلامي بأسماء الله وصفاته، ولذلك لا يمكن ببساطة نقل إطلاق الملك الإلهي إلى الإنسان. فالملك البشري، مهما اتسع، يظل محدودًا بالزمن والموت والمسؤولية، بينما الملك الإلهي ليس امتدادًا لسلطة بشرية أكبر، بل تصورًا مختلفًا جذريًا للسيادة.
ومن هنا يصبح الإنسان، حين يملك، في موضع امتحان لا في موضع تأليه.
إن السؤال الأخلاقي ليس: هل يملك؟
بل إنه : ماذا يفعل بقدرته على الملك؟
وهنا تبدأ القوة في مواجهة صورتها.



#حسن_الشرع (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- البحر والفكر والموقف: ارتحال ومصير (2)
- البحر والفكر والموقف: ارتحال ومصير (1)
- الفن بعين الطير (2)
- الفن بعين الطير (1)
- الجمال بعين الدودة
- رحلة الوعي والمعرفة: من صلابةالمادةالى هلامية المعنى وفضاء ا ...
- رحلة الوعي والمعرفة: من صلابةالمادةالى هلامية المعنى وفضاء ا ...
- رحلة الوعي والمعرفة: من صلابة المادة إلى هلامية المعنى وفضاء ...
- رحلة الوعي والمعرفة: من صلابة المادة إلى هلامية المعنى وفضاء ...
- رحلة الوعي والمعرفة: من صلابة المادة إلى هلامية المعنى وفضاء ...
- رحلة الوعي والمعرفة: من صلابة المادة إلى هلامية المعنى وفضاء ...
- أثر الحجر
- رحلة تفكيك الغباء وتفتيت السلوك: من الفرد والمؤسسة إلى الخوا ...
- رحلة تفكيك الغباء وتفتيت السلوك: من الفرد والمؤسسة إلى الخوا ...
- عوالم صوفية نغمية : سماع لا سماع وقراءة في النشأة والوجدان ( ...
- عوالم صوفية نغمية : سماع لا سماع و قراءة في النشأة والوجدان ...
- عوالم صوفية نغمية : سماع لا سماع و قراءة في النشأة والوجدان ...
- عوالم صوفية نغمية : سماع لا سماع و قراءة في النشأة والوجدان
- في كينونة الثقافة وما بعد التخصص (4)
- في كينونة الثقافة وما بعد التخصص (3)


المزيد.....




- -التحالف-: اعتراض وتدمير صاروخ باليستي أطلقه الحوثيون نحو ال ...
- فيديو مزعوم لـ-هجوم حوثي على مطار الرياض-.. هذه حقيقته
- تركيا تقترح على روسيا وأوكرانيا آلية لتصدير الحبوب عبر البحر ...
- بعد دخان وانفجارات قرب مطار الرياض.. الحوثيون يعلنون استهداف ...
- كوريا الشمالية ترفض قرار الوكالة الدولية للطاقة الذرية وتتعه ...
- سوريا.. توقيف رئيس أركان الحرس الجمهوري لدى النظام السابق لل ...
- فيتسو: فشل استراتيجية أوكرانيا يدفع البعض في الغرب للتصعيد ب ...
- فيدان: اقتراح شروط جديدة للوصول إلى اتفاق بين إيران والولايا ...
- انفجارات قرب مطار الرياض والحوثيون يعلنون الهجوم على -أهداف ...
- ما وراء الخبر.. هدنة السودان تصطدم بميدان لا يعترف بالوسطاء ...


المزيد.....

- التطوع الرقمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- العمل التطوعى نماذج وتطبيقات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الطبيعة والتقليد / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسن الشرع - جدلية الغالب والمغلوب: الحق والأخلاق (1)