أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسن الشرع - البحر والفكر والموقف: ارتحال ومصير (2)















المزيد.....

البحر والفكر والموقف: ارتحال ومصير (2)


حسن الشرع

الحوار المتمدن-العدد: 8832 - 2026 / 9 / 18 - 18:47
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


الجزء الثاني: عود على بدء
سفينة بلا جواب
في الجزء الأول، تتبعنا أربع حالات تحولت فيها مواجهة الإنسان للبحر إلى حدث فاصل: نوح الذي أطاع أمرا فنجا، جلجامش الذي بحث عن خلود جسدي ففاته لكنه ناله نصا، وكولومبوس وماجلان اللذان جازفا بحساب محكم فغيرا خريطة العالم بثمن باهظ عبودية عند طرف،مقابل معرفة عند الطرف الآخر. أربع حالات، لكن قاسمها المشترك واحد: في كل منها، اكتمل شيء نجاة، أو خلود رمزي، أو معرفة، أو ثمن مدفوع بالكامل. المخاطرة أفضت دائما إلى نتيجة تستحق أن تروى.
فماذا لو أبحر إنسان بنفس الجرأة، ووثق رحلته بكل تفصيل... ولم يحدث شيء؟
قبل أن نصل إلى هذه الحالة، يستحق سلم اللغة الذي تبنياه في الجزء الاول ان يستحضر في حالته الرابعة والأخيرة: الاسترحال** ذلك الفعل الذي تفرضه ظروف قاهرة خارجية ، لكن تنفيذه يبقى بيد صاحبه؛ لا رحيل نوح المحض حيث الأمر خارج عن الإرادة كليا، ولا ارتحال كولومبوس الحاسم حيث الحساب والقرار من الفاعل وحده، بل مسافة وسطى بينهما تستحق حالة خاصة بها.
الحجاج الآباء: استرحال بين الاضطرار والقصد
عام 1620، أبحرت سفينة "مايفلاور" من إنجلترا نحو العالم الجديد، تحمل مجموعة من الانفصاليين البروتستانت الذين ضاقت بهم إنجلترا وهولندا معا - لا لأنهم اختاروا المغامرة، بل لأن البقاء نفسه أصبح مستحيلا على دينهم كما أرادوا ممارسته. هنا يظهر الفارق الدقيق الذي يستحق الاسترحال اسمه: الدافع الأول اضطراري بحت (اضطهاد لم يخلقوه ولم يطلبوه)، لكن الاستجابة له - بناء خطة، جمع مال، التفاوض على أرض، اختيار سفينة، تحديد وجهة كانت فعلا مكتسبا بامتياز، لا استسلاما سلبيا لمصير مفروض.
وهنا يكمن ما يجعل هذه الحالة اختبارا مثاليا لنظرية الكسب، ربما أوضح من نوح نفسه: الحجاج لم يؤمروا بالرحيل كما أمر نوح، ولم يخترعوا مبررا دينيا لاحقا كما فعل كولومبوس، انما وقفوا في المنطقة البينية بين الاثنين، حيث الضرورة تملي الوجهة العامة (الهروب)، لكن الإرادة تتولى كل تفصيل عملي بعدها. ومصير هذا الاسترحال، كسابقيه، جاء مزدوجا: نجاة جماعة صغيرة من اضطهاد فعلي من جهة، وبذرة استيطان ستتحول فيما بعد عبر أجيال لاحقة لا الحجاج أنفسهم ، إلى جزء من مشروع استعماري (كولينيالي) أوسع طال السكان الأصليين بثمن لم يكن في حسبان أولئك الهاربين من الاضطهاد أنفسهم.
هيردال: ارتحال بلا رهان
عام 1947، أبحر عالم الأنثروبولوجيا النرويجي تور هيردال بطوافة من خشب البلسا، سماها "كون-تيكي"، عبر المحيط الهادئ من بيرو حتى بولينيزيا، ليختبر فرضيته الخاصة: أن سكان الجزر البولينيزية ربما أتوا أصلا من أمريكا الجنوبية، لا من آسيا كما يرى الإجماع الأنثروبولوجي. الرحلة استغرقت مائة وواحدا وعشرين يوما، ونجحت تقنيا بامتياز الطوافة عبرت المحيط فعلا، ووثقها هيردال بالكامل: كتابا وفيلما وسجلات يومية دقيقة.
وهنا بيت القصيد: رحلة موثقة بالكامل، ومخاطرة حقيقية، لكن الرهان الوجودي فيها منخفض إلى درجة تكاد تلغيه. هيردال لم يكن مضطرا لعبور المحيط، ولا هاربا من شيء، ولم تكن ينتوي ان يفتتح عالما جديدا ، لقد كان يختبر فرضية أكاديمية بجسده وحسب. تعد تلك المخاطرة حقيقية من الناحية الجسدية، لكن غاب عنها ما كان حاضرا بقوة عند نوح (الفناء المفروض) أو كولومبوس (اللارجوع نحو المجهول القاتل): لا شيء كان يفقد فعليا لو غرقت (كون-تيكي) سوى حياة رجل اختار المخاطرة طواعية لإثبات صحة فرضية. والنتيجة توازي هذا الغياب تماما: فتحولت رحلة هيردال بأثر رجعي إلى ما يشبه عرضا برهانيا لم يثبت شيئا في النهاية. والواقع ان نتائج تحليل الجينوم التي أجريت لاحقا لم تؤيد ما ذهب اليه في فرضيته بل على العكس .الا ان ذلك لم ينتقص من جهوده ومغامرات. فمنهج العلم غالبا ما يعتمد على الشك والتجربة والبرهان من خلال المحاولات وليس التامل والانتظار الالهامي..وهذا ما ثبناه فلاسفة التنوير فبله بقرون.
هيردال مرة أخرى: ارتحال يحرق سؤاله
لم يتوقف هيردال عند هذا الدرس. بعد ثلاثين عاما، بنى سفينة من القصب على الطراز السومري المفترض في جنوب العراق، أسماها (دجلة)، وأبحر بها عام 1977 عبر الخليج العربي وبحر العرب حتى القرن الأفريقي، ليختبر فرضية أخرى: أن حضارات بلاد الرافدين ربما تواصلت بحريا مع وادي السند وشرق أفريقيا. السفينة صمدت وأبحرت فعلا - نجاح تقني كامل مرة أخرى.
لكن الحروب المشتعلة حينها في المنطقة (اليمن، إثيوبيا-الصومال، جيبوتي) منعت هيردال من إكمال مساره أو حتى الرسو الآمن. فماذا فعل؟ أحرق سفينته بيده، احتجاجا على الحروب التي حاصرته، قبل أن يصل إلى أي خلاصة بخصوص فرضيته الأصلية. الفرضية لم تثبت ولم تنف؛ استبدلت برمز احتجاجي سياسي حل محل أي جواب معرفي. النار التهمت السؤال نفسه قبل أن يجاب عنه.
هنا لابد من الرجوع الى تمييز الفيلسوف الفرنسي ألبير كامو بين العبث والتمرد*** إذ يرى كامو أن مواجهة الإنسان لكون بلا معنى مضمون قد تأخذ صورتين - الاستسلام (الانتحار أو اليأس)، أو التمرد الذي يخلق معنى رغم غياب الضمانة. حرق (دجلة) أقرب لاستسلام رمزي يدمر السؤال ذاته، لا تمردا عليه يستمر رغم غيابه. بعبارة تخص مقالنا: هذه عبثية مجهضة، لا عبثية أصيلة والفرق بينهما هو بالضبط الفرق بين رحلة تنتج فكرا ولو مؤلما، وأخرى تنتهي برماد لا يقرأ.
فلاسفة التنوير: فكر بلا سفينة
إذا كان هيردال يمثل النقيض الأخير لكل ما سبق - سفينة حقيقية، مخاطرة حقيقية، توثيق كامل، وفكر غائب - فإن غاليليو ونيوتن وديكارت وسبينوزا وبيكون يمثلون النقيض المعاكس تماما: فكرا بلا سفينة. لم يركب هؤلاء بحرا، ولم يخض أحدهم مخاطرة جسدية تقارب ما خاضه نوح أو كولومبوس أو حتى هيردال؛ ومع ذلك، أنتجوا من انقلابا معرفيا لم تنتجه كل السفن التي ناقشناها مجتمعة.
هذا التناقض الظاهري يفسره بدقة ما استعرناه من بلومنبرغ في فقرة كولومبوس: "المسافة التأملية" التي جعلت البحر عند فلاسفة التنوير موضوعا للرصد لا للخوض. ديكارت لم يحتج أن يغرق ليشك في يقين الحواس؛ يكفيه أن يتخيل بحرا هائجا كاستعارة عقلية للشك المنهجي. غاليليو لم يحتج أن يبحر ليقلب مركز الكون؛ يكفيه أن يرصد السماء من مرصده الثابت. الجرأة هنا جرأة ذهنية محضة - مخاطرة بيقين راسخ (سلطة الكنيسة، سلطة الحواس، سلطة الأرسطية) لا بجسد يواجه موجا.
والمفارقة الأعمق: عند هؤلاء وحدهم يتطابق الفكر مع الموقف تطابقا شبه كامل - فالموقف الفكري (الشك المنهجي عند ديكارت، مركزية الشمس عند غاليليو) هو نفسه المضمون المعرفي، لا عنصرا خارجيا قد يحمله أو يجهضه كما رأينا في كل الحالات البحرية السابقة. هنا لا "موقف سياسي يحرق سفينة الفكر كما فعل هيردال، ان الفكر والموقف كيان واحد لا يفترقان. وربما هذا بالضبط ما يفسر لماذا أنتج هؤلاء بلا مخاطرة جسدية واحدة أثرا يفوق في اتساعه كل عبور محيط ناقشناه: العلم الحديث نفسه، بمنهجه ويقينه الجديد، هو المصير الذي أفضى إليه ارتحالهم الذهني وحده.

هوامش
** الاسترحال: من وزن "استفعال"، ويحمل هنا معنى المغادرة التي تفرضها ظروف قاهرة خارجية دون أن تلغي إرادة منفذها - بين رحيل نوح المأمور به كليا وارتحال كولومبوس المخطط بإرادة حرة.
*** التمييز بين العبث والتمرد: الفيلسوف الفرنسي ألبير كامو (1913-1960)، الذي رأى أن مواجهة غياب المعنى الكوني
قد تفضي إلى استسلام يائس، أو إلى تمرد يخلق معنى رغم غيابه ، وهذا الثاني هو ما يعتبره كامو الموقف الإنساني الأصيل.



#حسن_الشرع (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- البحر والفكر والموقف: ارتحال ومصير (1)
- الفن بعين الطير (2)
- الفن بعين الطير (1)
- الجمال بعين الدودة
- رحلة الوعي والمعرفة: من صلابةالمادةالى هلامية المعنى وفضاء ا ...
- رحلة الوعي والمعرفة: من صلابةالمادةالى هلامية المعنى وفضاء ا ...
- رحلة الوعي والمعرفة: من صلابة المادة إلى هلامية المعنى وفضاء ...
- رحلة الوعي والمعرفة: من صلابة المادة إلى هلامية المعنى وفضاء ...
- رحلة الوعي والمعرفة: من صلابة المادة إلى هلامية المعنى وفضاء ...
- رحلة الوعي والمعرفة: من صلابة المادة إلى هلامية المعنى وفضاء ...
- أثر الحجر
- رحلة تفكيك الغباء وتفتيت السلوك: من الفرد والمؤسسة إلى الخوا ...
- رحلة تفكيك الغباء وتفتيت السلوك: من الفرد والمؤسسة إلى الخوا ...
- عوالم صوفية نغمية : سماع لا سماع وقراءة في النشأة والوجدان ( ...
- عوالم صوفية نغمية : سماع لا سماع و قراءة في النشأة والوجدان ...
- عوالم صوفية نغمية : سماع لا سماع و قراءة في النشأة والوجدان ...
- عوالم صوفية نغمية : سماع لا سماع و قراءة في النشأة والوجدان
- في كينونة الثقافة وما بعد التخصص (4)
- في كينونة الثقافة وما بعد التخصص (3)
- في كينونة الثقافة وما بعد التخصص(2)


المزيد.....




- -مهزلة-.. أوكرانيا تندد بإجراء الانتخابات في مناطق تحتلها رو ...
- شاهد.. بوتين يصوّت إلكترونياً بأول انتخابات برلمانية روسية م ...
- الحرس الثوري يوجه تهديدا جديدا للسفن بمضيق هرمز ويعلن استهدا ...
- أجانب برلين.. حضور متزايد وصوت غائب عن صناديق الاقتراع
- -سرقة مذهلة-.. نيويورك تايمز تفتح النار على أوبن إيه آي
- خديعة و-لعبة شطرنج- إسرائيلية مع حزب الله انتهت بالسيطرة على ...
- أسرة قبطان مصري لقي مصرعه بهجوم مسيّرات أوكرانية في البحر ال ...
- سوريا.. مدينة إنخل تتحول إلى ساحة اشتباك عشائري مفتوح يسفر ع ...
- الجيش الأمريكي ينقل طائرات MQ-9 من أفريقيا إلى أمريكا الجنوب ...
- علاقة مقلقة بين تلوث الهواء وزيادة السعال أثناء النوم


المزيد.....

- التطوع الرقمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- العمل التطوعى نماذج وتطبيقات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الطبيعة والتقليد / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسن الشرع - البحر والفكر والموقف: ارتحال ومصير (2)