أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زياد الزبيدي - عندما تصبح القوة إستعراضاً: قراءة في صور ترامب والهشاشة التي تخفيها














المزيد.....

عندما تصبح القوة إستعراضاً: قراءة في صور ترامب والهشاشة التي تخفيها


زياد الزبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 8832 - 2026 / 9 / 18 - 00:08
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


18 أيلول سبتمبر 2026

في السادس والعشرين من تموز يوليو 2026، وفي وقت كان فيه القتال بين الولايات المتحدة وإيران يمر بمرحلة هدوء نسبي، نشر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على منصته «تروث سوشيال» سلسلة من الصور المولّدة بالذكاء الإصطناعي. الصورة الأولى تحمل عنواناً بارزاً باللون الأحمر: «ضربة على خارك». تظهر فيها مقاتلات أمريكية تحلق فوق جزيرة خارك، المحطة الرئيسية لتصدير النفط الإيراني، وسط إنفجارات هائلة وألسنة لهب تلتهم خزانات النفط والمنشآت الصناعية، بينما تتصاعد أعمدة الدخان الأسود في سماء ملتهبة. أما الصور التالية، فتحمل عبارة واحدة متكررة: «الناقلة صارت لنا الآن». وفيها يظهر ترامب واقفاً ببدلة رسمية وربطة عنق حمراء على ظهر سفينة تحمل علماً إيرانياً، ممسكاً بعلم أمريكي ضخم، محاطاً بجنود أمريكيين مسلحين، بينما يقفز رجال بثياب بيضاء ولحى، كناية عن طاقم السفينة الإيرانيين، إلى مياه البحر في مشهد مذلّ ومهين.

هذه الصور ليست تقارير عسكرية، ولا مشاهد من عملية حقيقية. هي رسائل بصرية مُصطنعة بالكامل، مصممة بعناية لتؤدي وظيفة محددة: تعظيم الذات إلى أقصى درجاتها، وإهانة الطرف الآخر بأبشع الصور النمطية الممكنة. السفينة الإيرانية تتحول إلى غنيمة، والرجال الإيرانيون يتحولون إلى كائنات مذعورة هاربة، بينما يقف الرئيس الأمريكي في مركز المشهد كمنتصر مطلق.

هذا الأسلوب ليس جديداً في تاريخ الدعاية والحرب النفسية. يذكر بتقنيات كلاسيكية أستُخدمت في أنظمة شمولية، وعلى رأسها أساليب جوزيف غوبلز، وزير الدعاية النازي، الذي أدرك مبكراً أن الصورة والعاطفة أقوى تأثيراً من الحجة المنطقية. كان غوبلز يبني الفخر الوطني على إذلال الخصم، ويحوّل الصراع السياسي إلى دراما بصرية تُشعر الجمهور بالتفوق والإحتقار في آن واحد. الفرق اليوم أن الأدوات أصبحت أرخص وأسرع وأكثر شخصية، بفضل الذكاء الإصطناعي ووسائل التواصل الإجتماعي التي تسمح للقائد بالوصول المباشر إلى جمهوره دون وساطة إعلامية تقليدية. لكن النتيجة النفسية على المتلقي تبقى متشابهة إلى حد بعيد: شعور بالفوقية لدى طرف، وإزدراء مبرر لدى الطرف نفسه تجاه الآخر.

ما يستحق التوقف عنده ليس فقط المحتوى السياسي لهذه الصور، بل ما تكشفه عن طبيعة الخطاب نفسه. العظمة الظاهرة، والإصرار على تصوير النفس في وضع المنتصر الدائم، والحاجة إلى مشهد بصري يُذل فيه الخصم، كلها سلوكيات تبدو للوهلة الأولى تعبيراً عن قوة وثقة عالية بالنفس. غير أن القراءة الطبية-السلوكية، حتى من خارج تخصص الطب النفسي، ترى فيها شيئاً مختلفاً تماماً.

كثير من الأطباء، بحكم تدريبهم على ملاحظة الأنماط السريرية، يدركون أن السلوك التعويضي الصاخب غالباً ما يخفي هشاشة داخلية. كلما إزداد الإستعراض الخارجي للتفوق، إزداد إحتمال وجود شعور بالنقص أو عدم الثقة الراسخة بالذات. الحاجة المستمرة إلى تأكيد العظمة، والحساسية المفرطة تجاه أي نقد أو تراجع، وصعوبة الإعتراف بالخطأ ولو كان واضحاً، وصياغة كل حدث على أنه إنتصار شخصي، كلها مؤشرات شائعة في الممارسة الطبية على أن الثقة الظاهرة قد تكون دفاعاً نفسياً أكثر مما هي شعور مستقر بالذات. في هذه الحالة، لا تعكس الصور قوة داخلية متماسكة، بل محاولة متكررة لترميم صورة الذات أمام الذات أولاً، ثم أمام الجمهور. الإستعراض هنا ليس رفاهية سياسية، بل حاجة نفسية تعكس حالة النرجسية التي يعاني منها ترامب.

وهنا يبرز سؤال عملي لا يمكن تجاهله: أين المستشارون؟ وأين الجهاز الرئاسي الذي يتقاضى رواتب عالية ليقدّم النصح الموضوعي؟ الإجابة ليست معقدة، لكنها تكشف خللاً هيكلياً. في البيئات التي تُكافئ الولاء أكثر من الصراحة، يصبح المستشار أمام خيارين واضحين: إما أن يتكيّف مع الأسلوب السائد ويبرره، أو أن يخرج من الدائرة تماماً. الرئيس الذي يعتمد على الإستعراض الدرامي كأداة أساسية في الحكم والتواصل نادراً ما يرحّب بمن يذكّره بأن هذا الإستعراض قد يكون مؤشراً على ضعف لا على قوة. ومع مرور الوقت، تتشكل دائرة ضيقة من المستشارين الذين إما يقتنعون بالأسلوب أو يفضلون الصمت حفاظاً على مواقعهم. النتيجة أن الخطاب يستمر بلا تصحيح جوهري، والصور تتوالى، والجمهور ينقسم بين من يرى فيها حزماً وطنياً ضرورياً، ومن يراها عرضاً باهظ التكلفة لمرض نفسي غير معلن.

في زمن الأزمات الدولية المعقدة، تحتاج القيادة إلى أكثر من القدرة على فرض الإرادة أو السيطرة على الدورة الإعلامية اليومية. تحتاج إلى ثقة داخلية لا تضطر إلى إذلال الآخرين كي تثبت وجودها، ولا تحتاج إلى مشاهد بصرية مُفتعلة كي تشعر بأنها قوية. الصور التي نُشرت في ذلك اليوم من يوليو تكشف، ربما أكثر مما أراد صاحبها، أن القوة الحقيقية لا تحتاج إلى كل هذا الضجيج البصري، ولا إلى تحويل الخصم إلى كاريكاتير مذلّ. القوة الهادئة لا تصرخ، ولا تستعرض، ولا تبني شرعيتها على إهانة الآخر.



#زياد_الزبيدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ألكسندر دوغين - صراع روسيا من أجل السيادة الاقتصادية - إسترا ...
- المجر بين بروكسل وموسكو: ماذا غيّر بيتر ماديار؟
- وعد بلفور وفلسطين - كيف باعها من لا يملك لمن لا يستحق
- ألكسندر دوغين - صراع روسيا من أجل السيادة الاقتصادية - إما إ ...
- جون ميرشايمر: لماذا تتجه أوكرانيا نحو الهزيمة؟
- حذّر وخدع: كيف جعل السنوار إسرائيل ترى 7 أكتوبر ولا تصدّقه؟
- إضاءة على كتاب: كيف جرى تسويق الإبادة الجماعية
- ألكسندر دوغين No Kings - Yes! Jokers - ! صراع على مستقبل الغ ...
- نقطة التحول في الحرب: معركة سلافيانسك وكراماتورسك تعادل ستال ...
- «الحرب على الإرهاب» بعد ربع قرن: هل تحتاج أميركا إلى عدو دائ ...
- ألكسندر دوغين - لا يمكن التوصل إلى إتفاق مع الغرب، ولذلك على ...
- جون ميرشايمر: الوعد الكاذب للسلاح النووي التكتيكي... عندما ي ...
- ألكسندر دوغين - الإنسان المتفرد عند يوليوس إيفولا
- هل تتحول روسيا إلى «الشريك الأصغر» للصين؟
- الصهيونية الليبرالية في مرآة كيتلين جونستون
- من باب المندب إلى القطب الشمالي: حين تعود الجغرافيا لتصنع طر ...
- بين الحياد المستحيل و«إقتصاد الحرب»: لماذا يقترب رأس المال ا ...
- ألكسندر دوغين و«الحرب الحضارية» ضد الغرب
- تركيا بين الناتو وروسيا: حدود الإستقلالية الإستراتيجية وصراع ...
- ستة أشهر من الحرب على إيران: كيف إنقلب الرهان الأمريكي على إ ...


المزيد.....




- كوريا الشمالية: رصد زيادة -مفاجئة- في النشاط الزلزالي بموقع ...
- بعد تهديدات -البديل- بترحيلهم.. القلق يخيّم على السوريين في ...
- طهران تستدعي السفير الألماني للاحتجاج على -تدخلات وتصريحات غ ...
- بسبب -كلنا من سبتة-.. مبابي في وضعية الدفاع أمام هجمات الانت ...
- ترامب يعلن عن إنشاء قاعدة عسكرية أمريكية قريبا في بولندا
- دونيتسك: مقتل 3 أشخاص وإصابة 10 آخرين جراء هجمات أوكرانية
- فون دير لاين: الاتحاد الأوروبي يمنح 3.3 مليار يورو لأوكرانيا ...
- متحدثة سابقة باسم زيلينسكي تتحدث عن سبيل وحيد ينقذ أوكرانيا ...
- ترامب وهيغسيث يصدران أوامر جديدة بشأن الوجود العسكري الأمريك ...
- السيسي يحذر المصريين: ما حدث في 2011 لم ينته بعد.. ومصر النا ...


المزيد.....

- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زياد الزبيدي - عندما تصبح القوة إستعراضاً: قراءة في صور ترامب والهشاشة التي تخفيها