|
|
مراجعات: مراجعة كتاب: -مقدمة ل-ظاهراتية الإدراك عند ميرلو-بونتي: إعادة تقديم-
أكد الجبوري
الحوار المتمدن-العدد: 8830 - 2026 / 9 / 16 - 08:41
المحور:
الادب والفن
مراجعات: مراجعة كتاب: "مقدمة لـ"ظاهراتية الإدراك عند ميرلو-بونتي: إعادة تقديم"/ بقلم ألفارو غارسيا لينيرا/شعوب الجبوري - ت: من الألمانية أكد الجبوري
معلومات عامة عن الكتاب:
للمزيد. نوصي بالإطلاع على الكتاب: العنوان: مقدمة لـ"ظاهراتية الإدراك عند ميرلو-بونتي: إعادة تقديم" المؤلف: راجيف كوشيك الناشر: بالغرَيف ماكميلان رقم الكتاب الدولي المعياري: 13 : 978-3031513299 تاريخ الإصدار: 2024 نوع الغلاف: ورقي عدد الصفحات: 119 صفحة
الفهرس مقدمة ....................................................................................1 خطوط عامة للفصول
الفصل الأول: الوقائع والماهيات.................15 - الوقائع والماهيات في الموقف الطبيعي والموقف الظاهراتي (الفينومينولوجي) - رؤية للوقائع والماهيات وفقاً لـ "القاعدة الأولى" - التعليق الظاهراتي للحكم (الإيبوخيه)
الفصل الثاني: القصدية ..............................31 - تجاوز النزعة التمثيلية نحو مفهوم "الجسد الحيّ" - الدافعية والانبثاق غير المحفز للعالم - القصدية الإجرائية (أو الفاعلة)
الفصل الثالث: الاختزال غير التام...............49 - استحالة الاختزال الكامل - إشكالية الزمان والمكان - الوجود غير المكتمل
الفصل الرابع: الظاهراتية و"اللا-ظاهراتية"......61 - هل تُعد الظاهراتية علماً صارماً؟ - إعادة النظر في الظاهراتية والطبيعة - إعادة النظر في العلاقة بين الظاهراتية وعلم النفس - هل تفضي ظاهراتية ميرلو-بونتي إلى رؤية جديدة؟
- خاتمة:......................................................................................................87 - كلمة ختامية................................................................................................92
موجز تجريدي مبسط؛ يُعدّ كتاب راجيف كوشيك "مقدمة ميرلو-بونتي لـ "ظاهراتية الإدراك : إعادة تقديم". مؤلَّفاً موجزاً. ولكنه يحمل ثقلاً فكرياً كبيراً. وقد صاغ كوشيك دراسته بحيث تتبع البنية العامة لنص الفيلسوف الفرنسي ميرلو-بونتي (1908-1961)() الأصلي في "مقدمة ظاهراتية الإدراك". لما يقدمه ميرلو-بونتي من طرحٌ مُستفيضٌ ومُدعَّمٌ للحجج حول الدور الجوهري الذي يلعبه الإدراك في التجربة الإنسانية للعالم. (التي سيُشار إليها لاحقاً بـ "المقدمة").
إذ يضم الكتاب: مقدمةً توضح اهتمام كوشيك وأهدافه من "إعادة تقديم"؛ وأربعة فصول قصيرة؛ (وهي: "الوقائع والماهيات"، و"القصدية"، و"الاختزال غير التام"، و"الظاهراتية واللا-الظاهراتية"؛ حيث يحمل كل فصل عنواناً يعكس موضوعاً حدده كوشيك في قسمٍ ما من أقسام "المقدمة")؛ تليها ملاحظات ختامية؛ ثم خاتمة بعنوان "حول استمرار راهنية المقدمة في وقتنا الحاضر".
ونظراً لأن العمل يرتكز بشكل جوهري على فصل ("الاختزال غير التام" - الذي يتناول تأمل ميرلو-بونتي الشهير بأن "أهم درس يُستفاد من الاختزال هو استحالة تحقيق اختزال كامل"، ميرلو-بونتي)()، فإن كوشيك يتجاوز مجرد استعراض موضوعات "المقدمة"؛ إذ ينجح في نهاية المطاف -عبر هذا الكتاب الوجيز والذي يسهل قراءته- في تقديم نصٍ بالغ الأهمية ضمن الدراسات المعنية بفلسفة ميرلو-بونتي.
مقدمة لابد منها؛ في مقدمة عمله، يبرر كوشيك استخدامه لمصطلح "إعادة تقديم" في عنوان الكتاب؛ إذ لا يتمثل هدفه في طرح موضوعات محددة لدى ميرلو-بونتي مرة واحدة وإلى الأبد، بل يأمل في قراءة "المقدمة" في ضوء مجمل المتن الفلسفي لميرلو-بونتي (والأهم من ذلك، في ضوء السجالات الجوهرية التي لا تزال حية بقوة اليوم في الدراسات المعنية بفكر ميرلو-بونتي)، وذلك لتبيان الكيفية التي تعكس بها "المقدمة" تلك الموضوعات بالفعل. وعلاوة على ذلك، يضع كوشيك نصب عينيه مهمة طموحة؛ إذ يجادل بأن "المقدمة" تشكل بحد ذاتها مساهمة ظاهراتية هامة. "وهو أمر لا يثير الجدل في حد ذاته".
إذ تحظى أهميتها بتقدير واسع النطاق، حتى في سياق الاحتفاء بكتاب "ظاهراتية الإدراك"، كما أنها قد تساعد في حل التوتر الظاهر بين أعمال ميرلو-بونتي المبكرة وما يُعرف لاحقاً بـ "المنعطف الظاهراتي". وتُعد هذه الحجة الأخيرة هي المهمة الأكثر لفتاً للانتباه وطموحاً؛ ففي حقل الظاهراتية، وتحديداً في الدراسات المتخصصة في فكر ميرلو-بونتي، لا تزال مسألة ما إذا كانت موضوعات أعماله المتأخرة (مثل تلك الواردة في كتابه غير المكتمل "المرئي واللامرئي") تمثل استمراراً لتركيز مرحلته المبكرة أم قطيعة جذرية معه، مسألةً مفتوحة ومحل نقاش واسع.
ومنذ بداية عمله، لا يكتفي كوشيك باتخاذ موقف صريح ومباشر ضمن السجال القائل بأن الأعمال المتأخرة تمثل استمراراً منطقياً لموضوعات كانت قائمة بالفعل في أعمال ميرلو-بونتي؛ بل إنه يعزز حجته بقوة أكبر، مفترضاً أن جذور ما يسميه ميرلو-بونتي "الأنطولوجيا غير المباشرة"، والمصطلحات اللافتة في كتاب "المرئي واللامرئي" (مثل: الجسد/اللحم، والتشابك/التصالب، والجدلية الفائقة ، والانفتاح/التفتح )، كانت حاضرة ومُمهَّد لها بالفعل في "المقدمة"؛ ومن ثم، فإن تتبع نشأتها داخل "المقدمة" يتيح لنا الكشف عن الكيفية التي تشكل بها أنطولوجيا ميرلو-بونتي غير المباشرة امتداداً منطقياً لمجمل رحلته الفلسفية.
يُبرز كوشيك هذا الهدف تحديداً في ثنايا عمله؛ إذ يضع الفصل الرابع ("الاختزال غير المكتمل") -سواء في المقدمة أو في الكتاب ككل- بوصفه المحور الوظيفي والموضوعي للكتاب. ومما يعزز هذا المسعى أمران: - أولهما. اهتمام كوشيك بالأهمية المستمرة والانتشار الواسع لملاحظات ميرلو-بونتي حول استحالة "الاختزال الكامل". وحيث يشير كوشيك. يظل من أشهر الاقتباسات، سواء في المقدمة أو في كتاب "ظاهراتية الإدراك" بأسره، و - ثانيهما. حجم التأمل والاهتمام الذي يكرسه كوشيك لتفكيك التبعات الفلسفية لهذا الطرح.
لا يعني هذا أن الأقسام الأخرى من الكتاب تفتقر إلى العمق أو الثراء المعرفي؛ إذ يستهل كوشيك الكتاب بقوة في القسم الأول المعنون "الوقائع والماهيات"، حيث يعرض مناقشة ميرلو-بونتي لهذين المفهومين، وسرعان ما يحدد هذا التوتر بوصفه -في حد ذاته- سمةً جوهريةً في "المقدمة" بقدر ما هو كذلك في كتاب "ظاهراتية الإدراك". ومع ذلك، يشير كوشيك إلى أن التوتر بين الوقائع والماهيات لا يظل قائماً إلا من منظور "الموقف الطبيعي"؛ بل إنه يوضح أن "هذا (التناقض بين الوقائع والماهيات) لن يتبين كونه تناقضاً متأصلاً إلا من داخل الموقف الطبيعي"()
وينتقل الكاتب متجاوزاً هذا التوتر الظاهري ليُبيّن كيف يكشف ميرلو-بونتي النقاب عن هذا التناقض الكامن في الموقف الطبيعي، وفي الوقت نفسه يقر بطبيعته الجوهرية بالنسبة للفينومينولوجيا؛ إذ يرى أن ظهور هذا التوتر بوصفه توتراً يُعدّ رؤيةً جوهريةً خاصةً بالموقف الطبيعي، بينما يظل من الضروري -في آن واحد- الخروج من هذا الموقف الطبيعي كي نتمكن من إدراك هذا التناقض بوصفه تناقضاً. ولهذا السبب، يركز كوشيك -على وجه الخصوص- على ملاحظة ميرلو-بونتي القائلة بأن "الظاهراتية لا يمكن الولوج إليها إلا عبر منهج ظاهراتي".() ف في حين يرى كوشيك -للوهلة الأولى- أن تأمل ميرلو-بونتي هذا يبدو غريباً نوعاً ما، نظراً لموقف ميرلو-بونتي الرافض للمقولات الجاهزة التي قد تكتسي طابع "الموقف الطبيعي" إذا ما أصبحت مُسلَّماتٍ بديهية، إلا أنه يولي أهميةً لكون إصرار ميرلو-بونتي على ضرورة وجود منهج ظاهراتي يأتي عقب ملاحظاته بأن الظاهراتية "ظلت في طور السير" (أو في الطريق) لفترة طويلة"()،
إذ يُدشّن هذا الطرحُ منهجاً ظاهراتيًا "يعود للدخول في وعيٍ ساذجٍ يجد نفسه دائماً في خضمّ التدفق (أو في منتصف المسار). وهنا نلمح إشارةً إلى النقاش الذي سيلِي ذلك: فالظاهراتية هي دائماً "ظاهراتية بالنسبة لنا"، لكن هذا يعني أيضاً أنها تسير بالفعل نحو شيءٍ لا ندركه حالياً عن أنفسنا" ()..
وهكذا، يرى كوشيك أن ميرلو-بونتي قادرٌ على تأكيد أن الظاهراتية لا تُتاح إلا عبر منهج ظاهراتي، وفي الوقت ذاته يجادل بصرامةٍ ضد النزعة النفسانية؛ التي تتسم بها مناهج أخرى تدّعي الظاهراتية؛ فالقول بأن الظاهراتية لا يمكن الولوج إليها إلا عبر منهج ظاهراتي لا يعادل الإصرار على أن المنهج الظاهراتي يختزل الظاهراتية بأكملها في ذاته، بل إن إعادة اكتشاف المنهج الظاهراتي باستمرار هي التي تشكل جوهر تأملات كوشيك في هذا الكتاب.
ثم يتناول كوشيك مناقشة ميرلو-بونتي لمفهوم "القصدية" الواردة في "المقدمة"، مسلطاً الضوء على استعانة ميرلو-بونتي بمفهوم الفيلسوف وعالم الرياضيات النمساوي-الألماني إدموند هوسرل - (1859-1938)() عن "القصدية الإجرائية" ، وعلى الكيفية التي تتناول بها "المقدمة" المفاهيم الظاهراتية التقليدية للقصدية وتعيد صياغتها على وجه الخصوص.
يعترض ميرلو-بونتي باستمرار على التفسيرات التي تغلب الطابع الفكري أو الذهني البحت على القصدية، ويتجه بدلاً من ذلك نحو "القصدية الإجرائية" باعتبارها السبيل الأكثر خصوبة لتصور القصدية. وكما تشير الفيلسوفة ماريانا رويتر (1962- )(): "إن قصدية الفعل هي قصدية الأحكام وغيرها من عمليات الإثبات أو التعيين التي تتم طوعاً، في حين أن القصدية الإجرائية هي "تلك التي تُنتج الوحدة الطبيعية -التي تسبق الصياغة الحُكمية (أو القبل-حُكمية)- للعالم ولحياتنا" ().
ويوسع كوشيك نطاق هذه المناقشة، متناولاً مسألة "تشكّل العالم" في ضوء هذا التمييز بين أشكال القصدية. ويشير كوشيك إلى أن "هوسرل يرى أن القصدية لا تعيد تقديم العالم (أو تمثيله)، بل ’تُشكّله‘"()، مضيفاً أن "الوجه الرئيسي الذي تظهر فيه الظاهراتية بوصفها أمراً مفارقاً للمألوف (أو متناقضاً) يكمن في طابعها ’غير الطبيعي‘: فاكتشاف الذات المطلقة ليس اكتشافاً جديداً بمعنى أنه يضيف إلى مجالات بحثية أخرى، بل هو جديد بمعنى أنه يتجاوز تماماً كل ما هو مألوف لدينا" (). بطبيعة الحال، ثمة توتر كامن بين هاتين العبارتين يطبع أعمال ميرلو-بونتي، ويرى كوشيك أن "المقدمة" تبرز هذا التوتر وتضعه في الصدارة: فمن ناحية، تقوم القصدية "بتشكيل" العالم -كما أشار هوسرل- ويُعد الذات "المصدر المطلق"() للتجربة.
ومن ناحية أخرى، يتمحور اهتمام ميرلو-بونتي الرئيسي حول انخراط الذات في العالم؛ وكما هو معلوم، فإنه يولي أهمية بالغة -لا سيما في محاضراته حول "التأسيس" و"السلبية" وفي كتابه "المرئي واللامرئي"- لتشابك الذات مع التاريخ، وللعلاقة بين الذات والعالم (ويتجلى ذلك في طرحه الشهير لمفهومي "اللحم" و"التشابك المتبادل" أو "الكياسم" في كتاب "المرئي واللامرئي")(). ويستكشف كوشيك دلالة استخدام ميرلو-بونتي لمفهوم الذات بوصفها "المصدر المطلق"، مناقشاً كيف يفكك ميرلو-بونتي -في كتابه "الفيلسوف وظله"- معنى هذه "المطلقية". وكما يشير كوشيك: "لا أكون مطلقاً هنا إلا إذا ميزتُ نفسي عن الأشياء التي تتجلى لي"().
وهكذا، فحتى في سياق مناقشة ميرلو-بونتي للقصدية وللذات بوصفها "المصدر المطلق"، يضع كوشيك "المقدمة" في حوار مع ثيمات أعماله المتأخرة، ولا سيما مفهوم "الانفتاح" أو "الإنشطار" الجوهري لدى ميرلو-بونتي. في نهاية المطاف، يقود هذا "كوشيك" إلى مناقشة أشهر دروس "المقدمة"، وهي الفكرة القائلة بأن "أعظم درس في الاختزال هو استحالة الاختزال التام"().
وكما أشرتُ بإيجاز، يكرّس "كوشيك" حيزاً كبيراً من الكتاب لقراءة ملاحظة ميرلو-بونتي هذه في ضوء مجمل أعماله، متجاوزاً مجرد التركيز على "المقدمة" أو كتاب "ظاهراتية الإدراك". وسعياً لتحقيق هذا المسعى، يقرأ "كوشيك" ملاحظة ميرلو-بونتي من خلال ثيمة "الأنطولوجيا غير المكتملة" لدى الفيلسوف نفسه.
إذ يبدأ بتعريف مفهوم "الأنطولوجيا غير المباشرة"؛ ففي حين أقام البعض رابطاً بين أعمال الفيلسوف الألماني هايدغر (1889-1976)() في كتابه "الوجود والزمان" (1927)() وبين تحقيقاته الأنطولوجية اللاحقة، يرى "كوشيك" أن أنطولوجيا ميرلو-بونتي غير المباشرة تمثل تحولاً جذرياً عن مقاربة هايدغر للأنطولوجيا. فمن ناحية، يطرح هايدغر "أنطولوجيا أساسية"() تكمن خلف الوجود وتؤسس له، وتتخذها الظاهراتية هدفاً للكشف عنها؛ وهو أمر يرفضه ميرلو-بونتي، إذ أن ذلك من شأنه أن يرفع الطبيعة الجوهرية للوجود فوق مستوى الإدراك والتجربة المباشرة داخل العالم.
ولهذا السبب -وفقاً لـ "كوشيك"- يصر ميرلو-بونتي على "الأنطولوجيا غير المباشرة"؛ فبدلاً من البدء بـ "الوجود"، يجعل ميرلو-بونتي تجربتنا المباشرة وانخراطنا في العالم هما محور اهتمامه الأساسي دائماً. وهذه التجربة المباشرة هي التي تقود مباشرةً إلى المبادئ الأنطولوجية التي توجّه أعماله اللاحقة، ولا سيما مفهومي "اللحم"و"الانفتاح/الإنشطار". يُعد هذا المبدأ الأخير، على وجه الخصوص، محوراً رئيساً في دراسة كوشيك؛ فكما أشرتُ سابقاً، يرى ميرلو-بونتي أن "انفتاح الذات وانشطارها"عن العالم أمرٌ جوهريٌ لكي تتمكن الذات من الظهور بوصفها المصدر المطلق للتجربة.
ويعود ذلك إلى أن الانطلاق من وعيٍ أصليٍ - ذلك المفهوم الجوهري المتمثل في "لحم العالم" الذي استكشفه ميرلو-بونتي في كتابه "المرئي وغير المرئي" (1964)() دون أن يطوره بشكلٍ وافٍ - يمنح الأولوية للتجربة المباشرة والانخراط في العالم. فالوعي، بوصفه حالةً من الانفتاح والانشطار ، يتمايز عن العالم ومع ذلك يظل متجذراً فيه؛ وعلى النقيض من مفهوم الوعي الديكارتي المُشيَّأ (الذي حاول إدموند هوسرل - (1859-1938)() - النأي بنفسه عنه، وإن لم ينجح في ذلك تماماً من وجهة نظر ميرلو-بونتي)، فإن هذا الوعي - الذي ينخرط أولاً في العالم ويواصل التنقل بين قطبي الانخراط في الذات والانخراط في العالم - يرفض في نهاية المطاف الانفصال عن العالم.
وبالمثل، يتتبع كوشيك ملاحظات ميرلو-بونتي حول استحالة "الاختزال غير المكتمل" عبر أعماله اللاحقة، بما في ذلك المصطلح اللافت للنظر "الجدلية الفائقة" الذي طرحه ميرلو-بونتي في كتابه "المرئي واللامرئي". ويرتبط هذا الأمر ارتباطاً مباشراً بمسألة المنهج في الظاهراتية (الفينومينولوجيا)، وكذلك باستخدام كوشيك لمصطلح "إعادة التقديم".
وكما يشير كوشيك، فإن استحالة الاختزال التام لا تؤدي إلى التنصل من الظاهراتية أو رفضها بالضرورة، سواء بصفتها مسعىً فلسفياً أو طرحاً عملياً. بل إن عملية "إعادة التقديم" هذه -أي تلك الحاجة المستمرة لابتكار الظاهراتية وإعادة ابتكارها من جديد- تستحضر تأكيد كوشيك على مفهوم "ظاهراتية خاصة بنا"، وكذلك ملاحظة ميرلو-بونتي بأن الظاهراتية "تسير في طريقها منذ زمن طويل". ويعيد ميرلو-بونتي طرح هذه الفكرة في مقالته "الفيلسوف وظله" (1959)()، مشيراً إلى أن عجز هوسرل عن تحقيق الطموحات التي وضعها لنفسه في بداية اكتشافه للظاهراتية لا يُبطل إنجازاته ولا يقلل من شأنها، بل يُعد في حد ذاته أعظم إنجازاته.().
يقودنا هذا إلى بعض الجوانب التي يبلغ فيها تحليل "كوشيك" ذروة عمقه ونفاذ بصيرته؛ إذ يستكشف "كوشيك" -في الجزء الأخير من النص- تعاطي "ميرلو-بونتي" مع الفن والأدب، ولا سيما مع التحليل النفسي.
ومن خلال تناول ملاحظة أبداها الفيلسوف والمؤرخ الفلسفي الفرنسي "إميل بريهييه" (1876-1952)() إبان مرحلة مناقشة أطروحة "ميرلو-بونتي" حول "ظاهراتية الإدراك" (وهي مرحلة سبقت -كما يشير كوشيك- كتابة "المقدمة")، يطرح "كوشيك" تساؤلاً جوهرياً: "هل تفضي ظاهراتية ميرلو-بونتي إلى رواية؟"()
وبعبارة أخرى، يطرح "كوشيك" مسألة "الصرامة" في المنهج الظاهراتي، متسائلاً عما إذا كان ذلك الانشغال والتعاطي مع الأدب والفن -الذي يتخلل مجمل أعمال "ميرلو-بونتي"- ينتهي إلى تقديم منهج صارم قادر على تحقيق كافة غاياته، أم أنه يقصر عن ذلك ليصبح أقرب إلى الأدب منه إلى الفلسفة الرصينة.
والواقع أن "كوشيك" يتبنى الرأي الثاني؛ إذ يؤكد في ثنايا عمله أن تنوع المصادر التي يستند إليها "ميرلو-بونتي" يعزز من صرامته المنهجية، بدلاً من أن يهدد قدرة مشروعه على الصمود كمسعى فلسفي أصيل.
من بين المزايا العديدة التي تُرشِّح كتاب "مقدمة في كتاب ’ظاهراتية الإدراك‘ لميرلو-بونتي: إعادة تقديم" للتقدير، تبرز قدرة "كوشيك" اللافتة على محاكاة روح "المقدمة" في ثنايا العمل بأكمله؛ ولا يقتصر هذا على الجانب الهيكلي فحسب، بل يمتد ليشمل المضمون أيضاً.
فمن المعروف عن ميرلو-بونتي انخراطه العميق والمستمر مع مجالات معرفية أخرى، تشمل العلوم الطبيعية والإنسانية والفنون؛ ويسير كوشيك على النهج ذاته طوال هذا العمل، إذ يستجلي إشارات ميرلو-بونتي المرجعية ويتتبع أصولها ووظائفها عبر أعماله.
مع ذلك، لا يضع كوشيك نفسه في خانة الشارح فحسب، بل في موقع المحاور؛ فعلى الرغم من أسلوبه السلس والميسّر، يُعد عمله بلا شك مساهمةً هامة في الدراسات الأكاديمية حول ميرلو-بونتي، إذ يمكن القول بدقة أكبر إنه يطرح أطروحةً حول طبيعة "المقدمة" بدلاً من الاكتفاء بتقديم شرح "بسيط" لها (وهذا لا ينتقص بأي حال من الأعمال التي تتناول شرح ميرلو-بونتي، والتي تقدم بلا شك إسهامات قيّمة وهامة في هذا المجال البحثي بحد ذاتها).
في تقديري، يتمحور السؤال الجوهري في دراسة كوشيك حول ما إذا كانت قراءة "المقدمة" في ضوء مجمل أعمال ميرلو-بونتي تفضي إلى منظور جديد؛ سواء تعلق الأمر بـ "المقدمة" ذاتها أو بالفهم المتاح لدينا لمسار فلسفة ميرلو-بونتي وتطورها الناضج. ويبدو لي أن كوشيك قد نجح بامتياز في إبراز هذه التساؤلات، وخلص في النهاية إلى إجابة قاطعة بـ "نعم" على كلا السؤالين: فنعم، إن قراءة "المقدمة" من خلال أعمال ميرلو-بونتي "الناضجة" تؤدي بلا شك إلى فهم جديد لـ "المقدمة"، كما تثري فهمنا لمجمل أعمال ميرلو-بونتي بشكل عام.
علاوة على ذلك، يبدو أن كوشيك يشير إلى إمكانية عكس هذه العملية؛ إذ لا يقتصر الأمر على أن قراءة "المقدمة" (أو إعادة قراءتها) تزداد ثراءً عند فهمها عبر منظور أعمال ميرلو-بونتي، بل إن فهمنا لمجمل أعمال ميرلو-بونتي يغتني هو الآخر بالمثل من خلال مواصلة الحوار بينها وبين "المقدمة”.
الخلاصة: ختاماً، وبإيجاز، ونظراً لأنني استهلتُ هذه المراجعة بالتأمل في السجال الفكري الذي ينخرط فيه كوشيك -أي مسألة الاستمرارية أو الانقطاع في الانتقال من أعمال ميرلو-بونتي المبكرة إلى فلسفته اللاحقة "الناضجة"، كما نجد في كتاب "المرئي واللامرئي" أو في محاضرات "المؤسسة والسلبية" (1954-1955)()- يبدو من المناسب أن أختتم بتأملٍ مماثل.
يبدو لي أن كوشيك، من خلال نشره مؤخراً لهذا العمل المعنون بـ "إعادة تقديم"، قد أسدى خدمة جليلة للباحثين في فلسفة ميرلو-بونتي المنخرطين في هذا النقاش؛ إذ أثبت وجود استمرارية جوهرية تمتد عبر المسيرة الفلسفية لميرلو-بونتي بأكملها.
ومع ذلك، وفضلاً عن هذه المساهمة -التي تُعد مهمة بحد ذاتها- فقد أعاد كوشيك أيضاً إبراز قيمة "إعادة التقديم" ذاتها؛ فكما يشير في ثنايا عمله، تظل الظاهراتية (الفينومينولوجيا) في حالة تدفق مستمر، إذ تسبقنا وتتجاوزنا حتى ونحن نصل إليها من جديد في كل لقاءٍ متجددٍ معها.
وفي مسعاه الحالي لتسليط الضوء على أهمية عملية "إعادة التقديم" هذه (والتي يحق لنا تماماً أن نطلق عليها وصف "إعادة الابتكار")، أرى أن كوشيك قد تجاوز أيضاً ضرورة الالتزام الصارم بالترتيب الزمني عند التعامل مع أعمال ميرلو-بونتي.
فكما يذكرنا، لسنا ملزمين بالتقيد بتواريخ النشر الدقيقة عند قراءة أعمال ميرلو-بونتي؛ بل إن قراءة أعماله في ضوء بعضها البعض -تماماً كما هو الحال في الفائدة المرجوة من معاودة قراءتها واكتشافها من جديد- تتيح لنا استخلاص رؤىً وأفكارٍ هامة.
ورغم أنه يبدو جلياً -بالنسبة لي على الأقل- أن الموضوعات المطروحة في أعماله الناضجة تتصل اتصالاً وثيقاً بالموضوعات التي تخللت أعماله المبكرة، إلا أن تتبع هذا التطور عبر مدونته الفلسفية بأكملها يظل أمراً ذا قيمة كبيرة للدراسات المتعلقة بميرلو-بونتي.
ومن خلال تذكيرنا بهذه القيمة، يكون راجيف كوشيك قد قدم خدمة عظيمة لهذا الحقل البحثي، وهو أمر يستحق عليه كل تقدير وإشادة.
- نوصي القاريء بالإطلاع على الكتاب. لمزيد من الفائدة. لأهميته العلمية والإحاطة بمحتوياته المعرفية المثيرة الاهتمام. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ Copyright © 2026 المكان والتاريخ: طوكيـوـ 09/16/26 ـ الغرض: التواصل والتنمية الثقافية ـ العينة المستهدفة: القارئ بالعربية (المترجمة).
#أكد_الجبوري (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
قبضة الحوثيون على باب المندب/الغزالي الجبوري - ت: من الفرنسي
...
-
العراق. انفلات الفصائل بالهجوم على السعودية/الغزالي الجبوري
...
-
عبر قمة البريكس إيران تتحدى بالمواجهة/الغزالي الجبوري - ت: م
...
-
ترْويقَة: إلى بحر وطني/ بقلم خوسيه بلاثيذو سانسون* - ت: من ا
...
-
رْويقَة: قصيدة إلى العندليب/ بقلم جون كيتس* - ت: من الإنجليز
...
-
تحديات قمة -البريكس- على المحك في نيودلهي/الغزالي الجبوري -
...
-
تَرْويقَة: قصيدتان/بقلم كويزومي ياكومو* - ت: من اليابانية أك
...
-
تَرْويقَة: لا تسألني كيف يمضي الوقت/ بقلم خوسيه إميليو باتشي
...
-
تَرْويقَة: لا تسأليني كيف يمضي الوقت/ بقلم خوسيه إميليو باتس
...
-
مُوسِيقى: روبرت شومان - مدخل (7-17)/ إشبيليا الجبوري - ت: من
...
-
ألمانيا و أنتصار اليمين المتطرف/الغزالي الجبوري - ت: من الفر
...
-
المرأة الراعية لتشايكوفسكي/إشبيليا الجبوري - ت: من اليابانية
...
-
اليمن: من المعاناة المُتجاهلة إلى تجدد الحرب الأهلية/الغزالي
...
-
صراع الثقافة العلمية من تسويق اليقين (1-5)/ أبوذر الجبوري -
...
-
صراع الثقافة العلمية من تسويق اليقين/ أبوذر الجبوري - ت: من
...
-
الأوبرا: أوبرا -البوهيمية-/إشبيليا الجبوري - ت. من اليابانية
...
-
تَرْويقَة: قصيدتان + 2/ بقلم ألبرت فيرفي* - ت: من الألمانية
...
-
إضاءة: رحلة عزاء أوتار العازف الخالدة/ إشبيليا الجبوري - ت:
...
-
نيتشة والعدمية العملية: قيمة الفن ومأزق الوجود (12-15)/ إشبي
...
-
تَرْويقَة: الطيور/بقلم فريدريش فون شليغل* - ت: من الألمانية
المزيد.....
-
أصالة تعود إلى سوريا.. وصول أشعل الترند وبروفات تسبق ليلة دم
...
-
سيلين ديون تعود إلى المسرح الباريسي
-
تايلاند تهدي المكتبة الوطنية الروسية في بطرسبورغ نسخة من -تي
...
-
راستوغويف يستبعد أن يحل الذكاء الاصطناعي محل الملحنين
-
كشف أثري تاريخي في مصر يحل لغز حماية الحدود الغربية
-
مصر تنجح في استرداد قناع ذهبي أثري من سويسرا
-
التعليم العالي: فتح باب تقليل الاغتراب لطلاب الشهادات الفنية
...
-
روسيا.. مديرة معرض تريتياكوف تعلن إحياء المجلة الفنية
-
95 عاما من سحر العرائس.. مسرح أوبرازتسوف وصاحب العرض القياسي
...
-
فنانون ينسحبون من جولة المغني إد شيران احتجاجا على استبعاد م
...
المزيد.....
-
دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
رواية محاولة بقاء
/ الحسين افقير
-
رواية محلبة عم ابراهيم
/ الحسين افقير
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
-
ثلاثاءات عابر سبيل
/ السمّاح عبد الله
-
ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو
...
/ سلسبيل كريبع
-
قناديل الحكمة
/ د. خالد زغريت
-
حكاياتْ تَكاد تُنسى
/ فلاح العيفاري
المزيد.....
|