|
|
نبيل المنشار ومملكة الحواجب المعقودة
الحسان عشاق
روائي وكاتب صحفي
الحوار المتمدن-العدد: 8829 - 2026 / 9 / 15 - 16:20
المحور:
الادب والفن
خيوط الشمس الأولى تتسرب كثيفة عبر الزجاج المغبر لواجهة عمالة إقليم نهبستان، مكسورة الأطراف كخيوط ذهب شاحب تعانق جدرانا ملطخة برطوبة الإحباط. وقف نبيل المنشار ببذلته الرمادية التي أكل القماش المترهل أطرافها، ورافقته طيلة سنوات البطالة الطويلة كظل هزيل، يقلب بيمناه المرتجفة قرار تعيينه الجديد في ديوان العامل. كان جلد الكف يحس بخشونة الورق، بينما كان نبض شرايينه يتوهم أفقا رحبا ومطرا صيفيا سينعش أرضا طال جفافها. في أيامه الأولى، كان دفتر ملاحظاته صفحة بيضاء تتلقى رجع الصدى. تمد الأرملة أصابعها الملتوية بطلبها المبحوح، فيرفع رأسه مستمعا لترددات الحزن الدفينة في نبرتها. لكن الإدارة لم تكن مجرد جدران خرسانية صامتة وجداول وقتية مرسومة بالحبر، كانت كائنا أفعوانيا يلتهم رقة القلوب ببطء شديد، ويفرز سمومه البيروقراطية اللزجة في عروق الوافدين الجدد بصمت مطبق، مطبق كقبور المنسيين. لم ينقلب نبيل على عقبيه في ليلة وضحاها كبرق خاطف، بدأ التحول كهمس خافت يشبه نبتة سامة تشق طريقها بين صخور الروح. مع تكدس الملفات فوق المكتب الخشبي المتهالك، كانت الأكوام ترتفع يوما بعد يوم كرماد يدفن الجمر. وفي الشهر الثالث، وأمام طوابير الانتظار التي تمد أطرافها في الممرات المظلمة كأفعى بلا نهاية، استبدل همسه بصمت مدروس؛ صار يبرر بطء حركته بأنه درع واق للمؤسسة ضد فوضى العاصفة. حين وقفت أمامه تلك الأرملة المسنة، ماسكة بورقة صفراء مهترئة كخريف عمر أفرغته الريح، لم يتحرك فيه سوى برود غريب يشبه حد السكين تنغرس في شحم العجين. أشار بإبهامه نحو الخارج دون أن يرفع عينيه عن طاولته. وفي تلك اللحظة بالذات، صوتها يرتد خائبا عن الجدران، راودته نشوة خفية ومفزعة تشبه طعم الدم على شفة جرح قديم؛ نشوة من يظن أنه يحوز، بتوقيعه الصامت، صك البقاء الإلهي. لم يكن الانتقال من الرقة إلى القسوة يحدث في فراغ، كانت أروقة العمالة بمثابة مختبر كيميائي هادئ. في الركن المظلم من الطابق السفلي، تنبعث رائحة الأوراق القديمة والرطوبة، كان نبيل يقضي ساعات طويلة يراقب حركات الموظفين القدامى وهم يطأطئون الرؤوس. لاحظ كيف كانت الإدارة تكافئ اللين المذل وتعاقب الاستقامة المفرطة. أدرك تدريجيا أن الصرامة ليست في تطبيق القانون بحذافيره، بل في فن إظهار السوط لمن لا سند له، وانحناء الظهر لمن يملك مفاتيح الترقي. بدأ يقلد نبرة العامل القديم في مخاطبة الحراس، ويتقن تلك النظرة الجانبية التي تلجم الأسئلة قبل أن تولد على شفاه المرتفقين. روحه تفرغ من محتواها الإنساني شيئا فشيئا، لتتحول إلى مستودع بارد للقرارات الجافة، معتبرا أن كل توقيع معطل يضعه على مسافة أبعد من شبح فقره القديم. التفت حول نبيل جوقة من الملمعين الذين أهالوا عليه ألقابا براقة كالصدأ، سموه رجل الإقليم الثاني وصانع القرار الحقيقي. صدق المسرحية المزيفة التي حبكتها المصالح، وامتد غروره الطفولي ليتطاول على الكيانات الراسخة، فدخل في صدامات عنيفة مع رؤساء الجماعات النافذة. في ذروة الاحتقان، اقتحم الحاج المعاطي، رئيس إحدى الجماعات البارزة، مكتبه دون استئذان، واضعا كفه الخشنة على الطاولة كحجر ثقيل: • إلى متى ستستمر في تعطيل رخص استثماراتنا وتلوي ذراع المستثمرين...؟ لست أنت من تحكم الإقليم! انتفض نبيل بملامح تقطر صقيعا، وببرود متعجرف يرتجف تحته خوف خفي: • حدد كلامك يا سي المعاطي، هنا عمالة الإقليم وليست مقهى جماعتك... غادر المعاطي مزبدا وغاضبا كعاصفة هوجاء: • ستدفع ثمن الحواجب المعقودة غاليا يا نبيل... وسط الصمت المهيب داخل قاعة الاجتماعات الكبرى، وقف عبد السلام، الموظف القديم المعروف بنظافة الكف واستماتته النادرة، حاملا ملفا ثقيلا ينوء به عزم الرجال: • إلى متى ستستمر في طمس الملفات يا سي نبيل...؟ توقيعاتك لا تخدم سوى جيوب المقاولين، بينما ينام البائسون على الأرصفة! انتفض نبيل ناظرا إليه شزرا، وباحتقار يخفي هلعا متسلقا كاللبلاب في الأعماق: • تتدخل فيما لا يعنيك وتتحدث بهذه الوقاحة...؟ مكانك الأرشيف المظلم لا منصات النقاش... فرد عبد السلام بهدوء مرير ينقط كقطرات المطر على صخر: • يمكنك أن تنقلني إلى أظلم قبو، لكنك لن تستطيع إسكات صوت الحق. عروش الورق يحرقها شرار الحقيقة...
غادر القاعة برأس مرفوع كشجرة زيتون تتحدى العاصفة، تاركا خلفه صدى خطوات توقظ الضمائر الميتة. لم تكن سناء مجرد موظفة نفعية عابرة، بل كانت امرأة تتقن قراءة خارطة الظلال، وتعرف كيف تدار دواليب السلطة بخفة ودهاء الأفعى الحريرية. في استراحة القهوة المهجورة، اقتربت من نبيل بنبرتها الهادئة التي تشبه خرير الماء الراكد تحت الجليد: • الجميع يخشى حواجبك المعقودة يا نبيل، لكن السلطة وحدها لا تأكل الخبز ولا تضمن البقاء. الذكاء الحقيقي يقتضي أن نعرف متى نلين كالحرير، ومتى نقسو على من لا سند له... كلماتها كانت تداعب غروره الدفين كنسيم صيفي مسموم، وتزرع في ذهنه قناعة خفية بأن التنازلات الصغيرة للنافذين هي ضريبة العرش. ومن جهتها، كانت حليمة، رئيسة الجمعية النسائية، تجيد لعب دور الحاضنة الاجتماعية، تمد له يد المديح الثقيل مقابل تمرير دعم استثنائي لجمعيتها. هكذا وجد نبيل نفسه شيئا فشيئا محاطا بشبكة مصلحية محكمة تعزله عن نبض الأرض وواقع الناس، وكأنه ينسج سجنا لنفسه بخيوط من حرير وهمي. دفعته المكابرة المجنونة إلى الهروب إلى الأمام غير مبال بالمنعطفات الخطرة. في ليلة ممطرة تعزف فيها ريح الشتاء على زجاج النوافذ الحزين كأنين أرواح ضائعة، التقى سرا بأحد كبار المقاولين النافذين في مقهى معتم خلفي، متفقين على تمرير رخصة مشروع عقاري ضخم على أنقاض مساحة خضراء مخصصة لمتنفس المواطنين، مقابل عقار مسجل باسم أحد أقاربه كرشوة مقننة تلبس ثوب القانون. لم يكن يعلم أن سناء، التي رافقت خطاه عن بعد بعينين ثاقبتين، تراقب المشهد من زاوية مظلمة، لا لتخونه في تلك اللحظة، بل لتؤمن خط الرجعة كبحار يراقب سفينته تتجه نحو الصخر. فقد التقطت صورة واضحة للوثائق المتبادلة، مدركة أن الغرق قادم لا محالة، وأن عليها الاحتفاظ بسلاح دامي يحميها وحدها حين تنقلب الطاولة على الجميع. أمام الباب الخلفي للعمالة، حيث تتكدس أرواح البؤساء، اعتادت فاطمة، أرملة مقهورة تعيل أطفالها الأيتام كعصافير فقدت أعشاشها، أن تفرش عربة صغيرة لبيع الحلوى. وحين اقتربت منه تستجدي توقيعا بسيطا يقيها برد الشارع، خرج نبيل متأبطا عنجهيته الظاهرة. لم يصغ لندائها، نظر إليها بنظرة فاحصة يقطر منها الاستعلاء، ثم مال نحوها بابتسامة صفراء لا تخلو من إيحاءات رخيصة: • التوقيعات يا امرأة لا تمنح هكذا في العراء... إن أردت أن يوقع نبيل المنشار لك، فعليك أن تعرفي كيف ترضي السلطان خلف الكواليس... فهمت فاطمة المعنى الدنيء الذي يقطر من الكلمات، فشرعت تبعد يديه اللتين امتدتا نحوها بجرأة، وانهالت عليه بالدعاء والصراخ المقهور الذي مزق صمت الممر: • اتق الله يا سي نبيل! أما يكفيك جبروتك حتى تمتد يدك لأعراض العباد...؟ وفي تلك اللحظة بالذات، كان صحفي محلي مستقل ومشاكس، يتردد على محيط العمالة لتقصي شكايات الباعة المقهورين، يرصد المشهد بعدسة هاتفه المثبت بعناية من زاوية مخفية. لم تكن صدفة عابرة، كانت كاميرا تقتنص الموت البطيء لهيبة السلطة. وفي غضون ساعات، انتشر الفيديو كالنار في الهشيم على منصات التواصل الاجتماعي، لتتهاوى آخر خطوط الدفاع الوهمية حول نبيل كقلاع من رمل أمام مد البحار. لم تعد فاطمة الزهراء (الزوجة) قادرة على تحمل نظرات الجيران المريبة وهمسات المحيطين التي تشبه طعنات الخناجر في الظهر. وحين دخل نبيل شقته شاردا كشبح ضائع، وجدها جالسة في عتمة الصالون الباردة، وأمامها هاتفه المفتوح على رسائل الفضيحة كجرح مفتوح ينزف. وقفت مواجهة إياه، لا بدموع عابرة، بل بركان تراكم لسنوات طويلة من الخذلان المكتوم والوجع الخفي: • كنت أظن أنني متزوجة من رجل يحمل اسما شريفا في الدولة... لم يجرؤ على رفع عينيه لينظر في وجهها المهشم بالخيبة؛ وما إن غادرت باب الشقة بدموع الأطفال وحقائبهم المبعثرة، حتى تلقى اتصالا قاطعا من أخيه الأكبر، الصوت الذي طالما حمله باحترام وتبجيل كتاج فوق الرأس: • لقد أطفأت نور وجهنا يا نبيل.. كنا نباهي بك أمام القبيلة... عاش نبيل أسبوعا يحيطه جدار من الصمت الكثيف بعد انتشار الفيديو؛ فالموظفون في الممرات لم يعودوا ينظرون إليه بخوف، بل بنظرات باردة تختلط فيها الشماتة بالفضول الفاجر. يبدو المكتب غريبا وباردا، وخلت الكراسي الوثيرة من طوابير زوار الأمس. دخلت عليه سناء للمرة الأولى بلا ابتسامة ماكرة، بل بملامح باردة ومحايدة كتمثال من جليد: • العمالة فتحت تحقيقا داخليا صارما يا نبيل.. والعامل قدور الشارف غاضب جدا ليس فقط بسبب الفعل...وإنما بسبب الشكايات والتظلمات الساكنة أدرك نبيل حينها أن المملكة الورقية التي بناها شيدت على رمال متحركة، وأن الأصدقاء والمقربين لم يكونوا سوى طفيليات تقتات على هالة الكرسي لا على محبة الشخص. لم تكن فضيحة الفيديو سوى الصاعقة التي فجرت بركانا دفينا راكمته شهور من التعسف والصد الممنهج. ففي صباح شتوي بارد تشطبه الرياح، تفاجأت عمالة نهبستان بصوت هتافات جماعية ضخمة تهز الأرجاء كزلزال بشري؛ فقد تقاطر المئات من سكان الأرياف والمناطق الجبلية النائية، من الذين أذاقهم نبيل طعم القسوة والتعالي وأغلق في وجوههم الأبواب تحت ذريعة التسلسل الإداري. رفع المحتجون لافتات تندد بـمملكة الحواجب المعقودة وبجبروت الإدارة. وقف شيخ طاعن في السن من دواوير الهامش البعيدة، يحمل ملفا ورقيا مهترئا كأنه يرفع راية استسلام مهشمة، وهو يصرخ بصوت مرتعش يملؤه قهر السنين: • جئنا لنقول لهم إننا بشر لسنا أرقاما جوفاء في دفاترهم... طردونا من أبواب المؤسسة العمومية كأننا أغراب في وطننا! تجمع المتظاهرون أمام الباب الرئيسي للعمالة، مطالبين برحيل رموز الفساد ومحاسبة كل من تلاعب بحقوق البسطاء، وكان وقع الأقدام الغاضبة يشبه طبول حرب عارمة توشك أن تلتهم ما تبقى من أوهام الهيمنة. في قاعة الاجتماعات الكبرى، حيث تتكدس الملفات التقنية المعقدة، كان يفترض بنبيل المنشار أن يناقش الكوادر الإدارية بحصافة العارف. غير أن احتكاكه المباشر بملفات الاستثمار الشائكة أزاح الستار عن هشاشته المطلقة؛ إذ أبان جهلا مدقعا بأبسط قواعد سير العمل وتدبير المرافق العمومية. ولأن عورته التقنية بدت واضحة كالشمس أمام أطر المديرية، لجأ إلى سلاحه الوحيد: التعالي المفتعل. فكلما حاصره مهندس تقني بأسئلة دقيقة، كان يرتجف داخليا كشجرة خاوية قبل أن يرتفع صوته بغتة كالرعد الزائف، ضاربا بكفه الخشن على الطاولة بحدة مصطنعة ليرهب الحاضرين ويغطي بضجيجه الأجوف فراغ حجته. صار صراخه مادة للتهكم السامت في أروقة الإدارة، ممهدا الطريق لسقوطه المدوي تحت وطأة عجز فاضح. لم تكن سيطرة نبيل تقتصر على أبواب المكاتب، بل امتدت نحو مؤسسات الرعاية الاجتماعية. في أحد الأيام القائظة، وتحت ذريعة إعادة هيكلة تدبير المؤسسات، استدعى نبيل بمعية مساعدته سناء السيدة مريم، رئيسة جمعية دار العجزة المحلية، وهي امرأة عُرفت بنظافة الكف واستماتتها في حماية نزلاء تلك الدار. اجتمعا بها في مكتب جانبي، حيث تولت سناء تمهيد الأرض بابتسامة صفراء: • الجمعية تحتاج إلى نفس إداري جديد يا سيدتي، ومصلحة الإقليم تقتضي شراكة تضمن اندماجا تاما مع توجيهات الديوان.. والسي نبيل هو من يمسك بمفاتيح الدعم. فهم نبيل الإشارة كوحش يتربص بفريسته، فاستند إلى كرسيه بصلف: • باختصار يا مريم، الدعم المالي لن يمر ولا صفقة تسيير ستجد طريقها نحو التنفيذ، إلا إذا انخرطت في صف الموالين ورفع تقارير طائعة. لكن السيدة مريم لم تكن من طينة المرتزقة؛ انتصبت بقامتها المرتجفة وردت بصوت يقطر عزة وكرامة: • جئت لأطلب حقوق مسنين أكل الدهر عليهم وشرب، لا لأبيع ضميري في أسواقكم الرخيصة! لجأ نبيل إلى أبشع أساليب الشطط، وأصدر في غضون أربع وعشرين ساعة قرارا جائرا بإقالتها الفورية وتعيين وجوه موالية لتمرير الصفقات المشبوهة ونهب لقمة العجزة. من خلف نافذة مكتبه المغلقة بإحكام كقبر زجاجي، كان نبيل يراقب بحرقة وهلع مجنون حشود المحتجين. في تلك اللحظة، فتح الباب بقوة مدوية ودخل العامل قدور الشارف بغضب عارم: • هل رأيت ما صنعته يداك بغرورك الأعمى؟ الغضب اليوم ليس موجها ضدي، انما ضدك أنت وتصرفاتك الرعناء. الإدارة لن تحمي موظفا استبدل خدمة الشعب بالتعجرف. غادر العامل المكتب بخطوات ثقيلة، وفي الغرفة المجاورة، كان الموظفون الذين كانوا يمسحون أحذيته بالأمس يتهامسون متبرئين منه، ليدرك أن المؤسسة قررت التضحية به فورا لامتصاص غضب الشارع. في الليلة التي سبقت انفجار العاصفة الكبرى، دعاه المقاول النافذ إلى عشاء فاخر في فيلا معزولة خارج المدينة، تتلألأ فيها الأنوار الفارهة وتتطاير روائح الشواء الفاخر. دخل نبيل معتقدا أنه ما زال شريكا في السلطة والقرار، ليصدم ببرود الاستقبال. كان الجلساء يتجاذبون أطراف الحديث عنه كمن يتحدثون عن أداة استهلكت وانتهت صلاحيتها. حين حاول نبيل أن يفرض هيبته المعهودة ويذكرهم بخدماته الجليلة وتوقيعاته التي حمت مشاريعهم، رشف المقاول كأسه بهدوء مقيت وقال دون أن يرفع عينيه نحوه: • يا سي نبيل، الأداة التي تفقد حدها ويراها الجميع مسلخا للفقراء لا تصلح، انما ترمى في سلة المهملات لئلا تفسد البضاعة كلها. العمالة لم تعد تحتمل ضجيجك، وسعادة العامل يبحث عن كبش فداء نظيف لتبرئة الساحة. شعر نبيل أن الأرض تميد به؛ لم يكونوا قد طردوه فحسب، بل نزعوا عنه حتى وهم الأهمية. أدرك بتوهج حارق أن كل تلك الولاءات المزيفة لم تكن سوى عباءة قذرة يسترون بها عوراتهم، وأنه تحول إلى مجرد مخلب كبريت أحرقت لتدفئة مصالحهم ثم ألقي في الرماد. في خضم الهلع الأعمى الذي خلفته الاحتجاجات، قامت سناء بخيانته علانية. حين شمت ريح السفينة وهي تغرق، تسللت إلى مكتبه في عتمة الليل، واستلت نسخا أصلية من ملفات الصفقات المخفية وأدلة التواطؤ لتسلمها مباشرة إلى جهات التحقيق العليا، ناظرة إليه ببرود مسرحي فاجر: • كل يبتغي النجاة بجلده يا سي نبيل.. الإدارة أضخم بكثير من أن تتحمل وزر طيشك. لم تكن طعنات السقوط تقتصر على المؤسسة، بل تجلت في وجوه من أذاقهم مرارة الوعود. ظهر يونس الشاب الجامعي: • أعطيتني وهما وبعتني سرابا يا سي نبيل.. أين مستقبلي الذي أضَعته على عتبات مكتبك؟ ولم يكد يستفيق من صدمة يونس، حتى طرق الحاج التهامي بابه بعنف قاس مطالبا بإيجار الأشهر المتأخرة ومحاردا بالديون، لتتداعى جدران حياته دفعة واحدة كبيت من كرتون. في غمرة العزلة التي ضربت حوله بعد تخلي الجميع، وقبل أن يقرر الرحيل إلى الصحراء، وردته رسالة نصية قصيرة من رقم مجهول تحتوي على صورة قديمة له رفقة أول أيامه بالعمالة؛ يوم كان يمسك بقرار تعيينه ووجهه يقطر براءة وأملاً. قادته خطاه المرتجفة نحو مقهى شعبي مهجور في أطراف نهبستان، حيث كان ينتظره عبد السلام (الموظف الذي طرده سابقا بجبروت). لم يكن في عيني عبد السلام أي شفاء غليل أو تشمت، بل كان يحدق به نظرة فاحصة تشبه مرآة حقيقية لا ترحم: • أتدرون يا نبيل لماذا سقطت هذا السقوط المروع؟ لأنك لم تكن قويا حقا؛ القوي الحقيقي يحمي الضعيف بسلطته، أما أنت فاستقويت بالضعيف على نفسك حتى خسرت الاثنين معا. لقد تركت كرسيك يبتلع إنسانك قطرة قطرة حتى أصبحت شبحا يكرهه حتى الظل الذي يمشي خلفه. صعقته الكلمات كصفعة أيقظت موات روحه. لم يجرؤ على الرد؛ فكل دفاعاته البيروقراطية تهاوت، ووجد نفسه عاجزا حتى عن اختلاق كذبة واحدة يبرر بها لروحه سنوات التوحش الإداري. بعد أسابيع من التحقيقات الماراثونية، صدر القرار الإداري بإنهاء توقيفه المؤقت، ولكن... بصفة موظف بلا صلاحيات تذكر، وبنقل تأديبي صامت إلى قبو منسي في المصلحة الخلفية بعمالة نهبستان. جلس على مكتب خشبي متآكل في زاوية معتمة لا تهتدي إليها شمس الصباح، يحيط به ركام السجلات الصفراء المغبرة كأكوام من الرفات. وحين فتح أول درج وجده خاويا إلا من غبار الأيام، داهمه شعور مفزع بالغربة الداخلية، فحدث نفسه بمرارة ممزقة: هل كنت أنا حقا ذلك الرجل الذي كان يرتجف أمامه الكبار؟ في منتصف إحدى الليالي الموحشة، وقف طويلا أمام مرآة الحمام المكسورة جزئيا، يتأمل وجهه الشاحب وعينيه الغائرتين وشيب رأسه. لم يعد يرى فيها ذلك الشاب الطموح ولا الطاغية المغرور، بل كائنا غريبا تماما خلقته أطماع الكرسي وغطرسة السلطة. أغمض عينيه، فراحت أشباح الضحايا تتقافز في روابي الذاكرة المتعبة؛ وجه الأرملة المكسورة، فاطمة، يونس، عبد السلام، السيدة مريم، والزوجة المنهكة. أدرك بوعي مرعب أن أكبر غربة يعانيها الإنسان هي الاغتراب المطلق عن الذات. أجهش بالبكاء للمرة الأولى منذ سنوات، دموعا حارقة لم تفلح أبدا في غسل أدران روحه الملوثة. تحت وطأة النظرات الجانبية القاسية في الشارع، وهمسات الموظفين الحادة، أيقن نبيل أن الإبقاء على وجوده في إقليم نهبستان أصبح أشبه بالبقاء داخل غرفة ضغط توشك على الانفجار. في صباح بارد كصقيع الموت، سحب من جيبه ورقة بيضاء ناصعة، وخط بقلم مرتعش طلبا رسميا للانتقال إلى مصلحة هامشية نائية في إقليم صحراوي بعيد وناقص الخدمات. وقف أمام مكتب العامل الجديد واضعا طلبه بيدي ترتجفان، فوقع المسؤول دون أن ينبس بكلمة اعتراض واحدة، كمن يوقع على قرار نفي جنائزي لميت ينتظر الدفن في الرمال. حمل حقيبته البسيطة الممزقة، وامتلك تذكرة قطار متجهة نحو الجنوب السحيق إلى إقليم وجعستان ، الرمال الصفراء الممتدة والريح الصامتة. وحين تحرك القطار مخترقا عتمة الليل الحالك، نظر عبر زجاج النافذة المعتم إلى أضواء إقليم نهبستان وهي تبتعد حتى غابت في الأفق الأبدي، مدركا أن مملكة الحواجب المعقودة انطوت صفحتها للأبد، تاركة إياه معلقا بين رماد الماضي ووحشة طريق لا رجعة منه.
#الحسان_عشاق (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الحاج بوعديس شيخ الموائد المجانية
-
سمفونية النهيق في مواجهة عقم الكراسي
-
رحلة عباس هاجوج الاخيرة
-
شهرزاد لم تسكت عن الكلام المباح
-
إمبراطورية باعقيلوش الكلامية
-
مكتبة السندباد وشاشات الهاتف النقال
-
طرقات على الجلد الميت
-
أمير الدبابير وراعي الدودة
-
دبيب النمل ووهج الصيف الحارق
-
أنفاس الياسمين المتمردة
-
حين تشترى الأصوات وتفقد الأوطان
-
من وهج الشاشة الى مداد القلم
-
عَبرات فوق قبر أمي
-
المكي بولهموز يطارد السراب
-
زوجة على وشك السقوط
-
حارسة المرمى وحارسة الذاكرة
-
سمفونية الفناء: ترنيمة السقوط الأخير
-
ابن تاشفين تراتيل الذاكرة ومقبرة الحنين
-
ارتجاف المطرقة في فراغ الروح
-
ضفائر الطين وكحل الغياب
المزيد.....
-
-شبكات-.. فيلم -نازا- يغضب إسرائيل وقميص الزلزولي يثير جدلا
...
-
الممثل الويلزي ماثيو ريس يدخل تاريخ جوائز إيمي بفوز مزدوج
-
مخرج فيلم -نازا- يتهم الإعلام الإسرائيلي بتجاهل مقتل المدنيي
...
-
زاخاروفا: إغلاق معهد غوته لا ينهي العلاقات الثقافية مع ألمان
...
-
تكريم الممثل مايكل جي فوكس بجائزة -بوب هوب- للعمل الإنساني
-
جلسات الاستئناف في قضية سعد لمجرد تنطلق الخميس في فرنسا
-
من مادوكس إلى زاهارا وفيفيان.. أبناء أنجلينا جولي وبراد بيت
...
-
عبد الإله سباهي: نشكر روسيا على جمع الشباب في مهرجان دولي
-
ردود فعل غاضبة جدا في إسرائيل على فيلم -نازا-.. ما أهمها ولم
...
-
دار -ليتفوند- تعرض أول سيرة مطبوعة لإيفان الرهيب في مزاد
المزيد.....
-
دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
رواية محاولة بقاء
/ الحسين افقير
-
رواية محلبة عم ابراهيم
/ الحسين افقير
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
-
ثلاثاءات عابر سبيل
/ السمّاح عبد الله
-
ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو
...
/ سلسبيل كريبع
-
قناديل الحكمة
/ د. خالد زغريت
-
حكاياتْ تَكاد تُنسى
/ فلاح العيفاري
المزيد.....
|