أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - مراد سليمان علو - الهجرة إلى الهند















المزيد.....


الهجرة إلى الهند


مراد سليمان علو
شاعر وكاتب

(Murad Hakrash)


الحوار المتمدن-العدد: 8828 - 2026 / 9 / 14 - 14:11
المحور: اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق
    


لأننا مساكين مثل معظم الهنود، ونوافق مثلهم على ما يقال لنا، أمراً كان أو تمراً، أطالب بالهجرة الفورية إلى الهند.
ولأننا مثل أغلبية الهنود لا نجيد التحدث، ولا التكلم بلسان من يخاطبنا، ولا نفهم أحياناً ما يقوله الآخرون لنا إلا بعد أن ينتهي الحديث ويغادر صاحبه، أطالب حكومة الهند بالسماح لنا بالهجرة إليها.
أحب الهند والهنود واللغة الهندية، لأن القديس في بعض الاستعمالات الهندية يسمى فقيرا بمعنى الزاهد أو المتنسك، والفقير عندنا، في الكرمانجية، قديس.
وهذه وحدها قرابة ثقافية تكفي لأن نطالب بجواز سفر هندي جماعي فوري.
وقد يقول أحدهم إن هذه ليست قرابة، وإن التشابه بين الكلمات لا يعني شيئاً، وهذا صحيح، لكن منذ متى أصبحنا نحن الأيزيديين نحتاج إلى دليل لكي نصدق ما نريد تصديقه؟
باحث في الشأن الأيزيدي ـ هكذا مكتوب على صفحته الفيسبوكية ـ قال ذات يوم:
"إن عشيرة القيران أصلهم من الهند".
أعجبني الأمر وعلقت على منشوره أقول:
"أكول ليش أحب الأفلام الهندية!".
كنت بهذا التعليق أشجعه على تحليله، حسب ظني، باعتباري قيرانياً قحاً، ولكنه فهم الأمر بالقلوب ـ مشعول الصفحة ـ وقام بحظري؛ ولهذا أصر على تسمية أمثاله بالنص ردن.
مسكين أنا! على كل حال، كلامه وما يكتبه من خرط ليس مهماً، ولا مفيداً، فهو كغيره من عشرات الكتاب النص ردن الذين يزينون صفحاتهم بعبارة: (باحث في الشأن الأيزيدي (، بينما لا يفهم من الأيزيدياتي مقدار حبة خردلة.
وكأن الأيزيدية ديانة جديدة ظهرت بالأمس، وتحتاج إلى موظف علاقات عامة، وإلى كتاب تعريفي، وإلى لجنة تفسير، وإلى واحد يشرح لنا أقوال أنبيائنا ورسلناـ علما ليس لدينا لا نبي ولا رسول ـ وآخر يحدد لنا أصلنا، وثالث يكتشف لنا المكان الذي كنا فيه قبل أن نولد.
كلما ظهر تشابه بين كلمة أيزيدية، أيزيدي، أيزي... الخ، وكلمة في لغة بعيدة، صاح أحدهم: وجدنا الأصل!
وإذا وجد شبهاً بين طقس عندنا وطقس عند شعب آخر قال: وجدنا الدليل!
وإذا قرأ في كتاب قديم اسمًا يشبه اسمنا قليلاً، أعلن أن المسألة حُسمت، وأن الأيزيديين جاؤوا من هناك، أو من هنا، أو من كوكب آخر، وبقي علينا فقط أن نبحث عن تذاكر الطائرة.
أنا لا أعرف لماذا نصرّ دائماً على أن يكون لنا أصل واحد، واضح، عظيم، بعيد، ومليء بالأبطال. ربما لأننا لا نحتمل فكرة أن التاريخ أكثر تعقيداً من منشور على فيسبوك. وربما لأن الإنسان، حين يخاف من حاضره، يبدأ بتجميل ماضيه.
وهذه ليست مشكلة أيزيدية وحدها. شعوب كثيرة فعلت ذلك. كل شعب تقريباً لديه حكاية عن كونه الأقدم، والأول، والأكثر حضارة، والأكثر بطولة، وكأن التاريخ مسابقة عالمية، والفائز فيها يحصل على كأس من الذهب، لكن التاريخ ليس كذلك. التاريخ ليس فلماً هندياً، مع أنني أحب الأفلام الهندية.
مرة ذكرت في نص لي أن أمنيتي أن أرى وألتقي بأميتاب باتشان في أمسية ثقافية، وهو يقرأ من أشعار والده الشاعر. لا أدري، ولكن يبدو أن حب الهند والهنود عالق في جينات البعض منا، وربما بسبب الانغماس في مشاهدة الأفلام السينمائية الهندية في السبعينات والثمانينات، حين كانت الشاشة الفضية نافذتنا الوحيدة على العالم.
ولهذا، لو هاجرت عشيرتي، أو نصف عشيرتي، أو ربع عشيرتي إلى الهند يوماً، فسأكون أول واحد فيهم. بل سأكون مسؤولاً عن استقبال القادمين الجدد في المطار، مثلما استقبلت في مطار دوسلدروف عند هجرتني إلى ألمانيا.
وسأقول لهم، أهلاً بكم في وطنكم الأصلي! ثم أسألهم، هل أخذتم معكم أوراق إثبات الأصل الهندي؟ فإذا قالوا لا، سأقول لهم بالفم المليء:
لا مشكلة. سنجد باحثاً أيزيدياً يكتب لنا واحداً. وهم بالعشرات.
أن تشاهد فيلماً هندياً قديماً يشبه الهجرة إلى الهند. نعم شاهد فيلماً واحداً من أفلام السبعينات، المليئة بالألوان والألحان والدموع والخيانات والآباء الغائبين والأمهات المقدسات والأشرار الذين يضحكون بطريقة لا يضحك بها أي إنسان طبيعي، ولن تتوقف عن مشاهدة أفلام بوليوود بعد ذلك.
في السينما الهندية لا شيء صغير.
الحب كبير.
الفقر كبير.
الحزن كبير.
الانتقام كبير.
الأم أكبر من الجميع.
والبطل يستطيع أن يركض وراء القطار، ويصعد ينقذ بطلة الفلم من أيدي الأشرار على متن القطار، ثم يقاتل عشرة رجال، ثم يغني، ثم يعود إلى البيت وكأنه لم يفعل شيئاً.
وهذا يناسبنا نحن الأيزيديين. فنحن أيضاً نحب الأشياء الكبيرة. نحب المبالغة. نحب أن نجعل الحادثة ملحمة، والقرية مملكة، والرجل العادي أسطورة، والخلاف العائلي حرباً تاريخية، والرحيل حكاية، وأحياناً نجعل من شخص لم يفعل شيئاً بطلاً لأنه مات في المكان الخطأ في الوقت الخطأ.
المشكلة ليست أننا نحب الأفلام الهندية. المشكلة أننا بدأنا أحياناً نعيش حياتنا الأيزيدية وكأنها فلم هندي، نصنع البطولة الزائفة ثم نصدقها.
نكتب الخرافة ثم نتعامل معها كأنها وثيقة أرشيفية. ننفخ في الماضي حتى يصبح أكبر من الحاضر. ثم نستيقظ صباحاً فنكتشف أن الأسرى ما زالوا أسرى، والمهجرين ما زالوا مهجرين، والبيوت المهدمة لم تبنَ، والقرى التي هجرها أهلها لم تمتلئ بأهلها من جديد.
هجرتنا إلى الهند ستكون محاولة جادة لمنعنا من النواح. أو ربما سنطلق الحرية لحناجرنا في النواح كما تفعل عشتار من أجل دموزي كل سنة.
سنبكي ونلطم وننوح ونشق جيوبنا على تأخرنا في العودة إلى الهند، موطننا الأصلي، وسنكتب على الفيسبوك: الهند تنادينا، ثم نضع صورة جبل سنجار.
لا تسألوني كيف اجتمعت الهند وسنجار في الصورة نفسها، نحن شعب يستطيع أن يجمع المتناقضات كلها في منشور واحد. وهذا ليس غريبا علينا، فأنا مثلا أضع صورة من حوض جبل سنجار وأتحدث عن ألمانيا.
إذا أردنا أن نكون جادين للحظة، فعلينا أن نقول إن الهند ليست مجرد بلد يصلح للنكات. الهند واحدة من أكثر التجارب البشرية تعقيداً في موضوع التعدد.
بلد شاسع، فيه أكثر من مليار ونصف إنسان، ولغات عديدة، وثقافات ومجتمعات وتقاليد مختلفة، وفيه الهندوس والمسلمون والمسيحيون والسيخ والبوذيون والجاينيون، إلى جانب تقاليد ومعتقدات محلية وقبلية كثيرة، والهند ليست دولة ذات ديانة رسمية. دستورها يجعلها دولة علمانية، ويضمن حرية الدين والمعتقد. أليس هذا مدهشا.
هذه المعلومة مهمة جداً، لأنني كنت أقول في نسخ سابقة من هذا الكلام إن للهند ستة أديان رسمية، ثم اكتشفت أنني لو استمريت في ذلك فسأصبح "باحثاً في الشأن الهندي". وشر البلية ما يضحك، ويضحك عليه.
الهند لا تقول لك: هذه هي الديانة الرسمية، وهذه هي الطريقة الوحيدة لكي تكون مواطناً. لكنها، مثل كل المجتمعات الكبيرة، ليست جنة، ولكنها تناسبنا؛ لأن ولا هندي سيقول لنا غيّر ديانتك.
فيها الفقر، والتفاوت الطبقي، والتوترات الدينية، والصراعات الاجتماعية، ومشكلات كثيرة، وهذا بالضبط ما يجعلها مثيرة للاهتمام.
لأن الهند ليست مكاناً مثالياً، إنه مكان شديد التعقيد، ومع ذلك استطاعت أن تبني دولة حديثة ذات دستور يحمي مبدأ التعدد الديني.
وهنا يبدأ السؤال الأيزيدي الحقيقي: لماذا نشعر نحن بالحاجة إلى شرح وجودنا باستمرار؟
لماذا يجب على الأيزيدي، في كل مرة، أن يفتح حقيبته ويخرج منها دينه ولغته وطقوسه وتاريخه، ويضعها أمام الآخر ويقول:
انظر، نحن أيضاً بشر. نحن أيضاً أصحاب دين. نحن أيضاً لنا مقدسات. نحن أيضاً لنا حق في الحياة. من أعطى الآخرين هذه السلطة حتى يمنحونا شهادة اعتراف بوجودنا؟ ولماذا أصبح وجودنا يحتاج إلى محامٍ؟
ربما لهذا أحب الهند. ليس لأنها تشبه الأيزيدية، وإنما لأنها تجعلني أفكر في السؤال بطريقة أخرى. في عالم تستطيع فيه ديانات وتقاليد وفلسفات شديدة الاختلاف أن تعيش جنباً إلى جنب، يصبح السؤال عن الأيزيدي أقل غرابة، وهذا مفيد جدا لكسلنا الدائم، ولجوعنا الدائم لأثبات أنفسنا.
لا يعني ذلك أن الهندوسية تشبه الأيزيدية، ولا أن الأيزيديين هنود، ولا أن أي تشابه في طقس أو كلمة يثبت أصلاً تاريخياً.
بل يعني شيئاً أبسط، أن الإنسان يستطيع أن يكون مختلفاً من دون أن يكون عدواً. وهذه، بالنسبة إلى الأيزيدي، ليست فكرة صغيرة.
الأديان في الهند تجعل الإنسان محتاراً. هناك من يرى الإله في صورة، وآخر في فكرة، وثالث في الطبيعة، ورابع في نص، وخامس في طريق روحي، وسادس يرفض كل هذه الطرق.
وتجد طقوساً للولادة والموت والزواج والماء والنار والنهر والشجرة والجبل والحيوان. وطقوسا مقدسا لما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر ببال.
ثم تجد نفسك، أيها الأيزيدي، واقفاً في مكان ما من هذا المشهد وتقول: الحمد لله، أخيراً لن يسألني أحد لماذا أقدس هذا المكان، أو ذلك الشيء. وهذا لا يعني أن الأيزيدية هي نسخة من أي دين هندي. لا. للأيزيدية عالمها الخاص، تاريخها الخاص، وموروثها الخاص، لكن وجود عالم هندي شديد التنوع يجعلنا نرى مشكلة الأيزيدي في مكان آخر.
مشكلتنا ليست دائماً في اختلافنا. ربما المشكلة في أن بعض المجتمعات المحيطة بنا لم تتعلم كيف تتعامل مع الاختلاف. أذن سنذهب نحن إلى مكان لا يرى الاختلاف فيه مشكلة.
أما حكاية الشيطان، فهي قصة أخرى. في كل مرة أسمع فيها شخصاً يقول إن الأيزيديين يعبدون الشيطان، أتساءل، كم قرناً يحتاج الإنسان حتى يكتشف أن وصف جماعة كاملة بكلمة واحدة لا يجعلها حقيقة؟
لقد حملنا هذه التهمة قروناً، حتى أصبحت الكلمة في بعض المجتمعات أقوى من الإنسان نفسه. يمكن أن تقول لرجل: هذا أيزيدي. فيقول: يعني يعبد الشيطان.
انتهى البحث.
انتهى التاريخ.
انتهت الإنسانية.
وفي الهند، وسط هذا العدد الهائل من الآلهة والرموز والأساطير والتقاليد، ربما لن أشعر أن رمزي الأيزيدي يحتاج إلى شرح في كل خمس دقائق. لن أكون مضطراً إلى عقد مؤتمر صحفي لأشرح لماذا لا أعبد الشيطان.
وبالمناسبة، لو جلس الشيطان نفسه في مقهى أو مطعم هندي، ربما سيطلب منه النادل أن ينتظر دوره مثل بقية الزبائن، وهذا أفضل من أن يتحول إلى تهمة سياسية واجتماعية ضد جماعة بشرية كاملة.
الهجرة إلى الهند ستكون أيضاً هجرة من الجغرافيا. فنحن أبناء أماكن محددة. سنجار ليست مجرد جبل. ولالش ليست مجرد مكان للزيارة. القرية ليست مجرد مجموعة بيوت.
الجغرافيا تصنع الإنسان. من عاش في الجبل ليس كمن عاش على الساحل. من عاش بين جماعة صغيرة تخشى الآخر ليس كمن عاش في مدينة مفتوحة على عشرات الثقافات. من عاش قروناً وهو يعرف أن بقاءه مرتبط ببقاء جماعته، سيحمل الجماعة معه حتى لو غادر المكان.
وهذا ما حدث للأيزيدي في فرمانه الأخير، لم يهاجر لأن العشيرة كلها لا تهاجر معه!
نترك المكان، لكن المكان لا يتركنا. نهاجر من سنجار، فنأخذ سنجار معنا. نغادر القرية، فنحمل أسماء شوارعها في ذاكرتنا. نعيش في أوروبا، لكن بعضنا لا يزال يتحدث عن الجبل وكأنه يراه من نافذة البيت، وهذه ليست مشكلة. ربما هذه هي الذاكرة، لكن المشكلة تبدأ عندما نحول الذاكرة إلى بديل عن العمل.
نقول: سنعود. ثم ننام. نقول: الجبل لنا. ثم نذهب بعيداً. نقول: لن نتخلى عن أرضنا. ثم لا نسأل من سيبني البيت.
أنا لا أدعي البطولة. ولن أدعي البطولة يوماً كأولئك الكتاب المتكئين على أرائك في أوروبا ويكتبون:
"لن نتخلى عن هويتنا وأماكننا وجبلنا".ووو… إلخ من ذلك الخرط. وهو في أول أمسية يتخلى حتى عن لالشه.
أنظر إلى أهلك الأسرى منذ سنوات، وتحدث عن البطولات الوهمية والنفخ، ودون كل ذلك التهويل وبطولات أفلام الكارتون خرط القتاد.
البطولة ليست منشوراً، البطولة ليست صورة بروفايل، البطولة ليست أن تكتب من غرفة دافئة في أوروبا عن العودة إلى الجبل، البطولة إذا أردنا الكلمة فعلاً، أن تفعل شيئاً.
أن تبني مدرسة. أن تساعد عائلة. أن تعيد إنساناً إلى بيته. أن تدافع عن حقوق مجتمعك بالقانون. أن تجمع المال لمشروع حقيقي. أن تسأل عن المفقودين. أن تحاسب الفاسد. أن تقول الحقيقة حين تكون الحقيقة غير مريحة.
أما الكلام، فأنا وأنت نستطيع أن ننتج منه جبالاً، وقد فعلنا.
الآن في المجتمعات الأيزيدية لا توجد عشيرة تتبع رئيس عشيرتها كما كان يحدث في الماضي، ولا يوجد رئيس عشيرة يهتم بعشيرته بالمعنى الذي نتخيله.
نحن نفتقر إلى القادة الحقيقيين، نفتقر إلى الموارد الحقيقية الملموسة، نفتقر إلى المؤسسات القادرة، نفتقر إلى المنطق في تمشية أمورنا.
لكننا لا نفتقر إلى الكلام. لدينا كلام يكفي لبناء دولتين. ولدينا تاريخ يكفي لاحتلال ثلاث قارات. ولدينا أبطال يكفي عددهم لإنتاج سلسلة أفلام هندية من عشرين جزءاً، لكن عندما نحتاج إلى شيء حقيقي، نبدأ بالبحث عن بعضنا.
أين فلان؟ من المسؤول؟ من يدفع؟ من يذهب؟ من يفعل؟
ثم يسكت الجميع. وهنا أفكر، ربما نحن لا نحتاج إلى الهند. ربما نحتاج فقط إلى أن نتعلم شيئاً من الهند. ليس دينها. ولا لغتها. ولا طبقاتها الاجتماعية. ولا أفلامها.
بل فكرة واحدة: كيف يعيش هذا العدد الهائل من البشر المختلفين داخل دولة واحدة، رغم كل تناقضاتهم؟
وبما أن الطبيعة تشكل الأشخاص الذين يعيشون فيها، فسأختار شمال الهند.
هناك الجبال، هناك الهيمالايا، هناك الوديان والثلوج والأنهار، وسنقول للناس إننا من طبقة البراهمة. ليس لأننا نفهم شيئاً عن نظام طبقاتهم الدينية والاجتماعية، بل لأن الاسم جميل ويجعل تقديرنا كبيراً. وهذا يماثل طبيعتنا من الادعاء والغرور الذي نحن فيه، وننفش به ريشنا ليلاً ونهاراً.
لكن ربما بعد شهر من العيش هناك سأكتشف أن الهند ليست كما تخيلتها. سأكتشف أن الفقر ليس نكتة، وأن الازدحام ليس مشهداً سينمائياً، وأن ملايين البشر الذين يعيشون في ظروف صعبة ليسوا شخصيات ثانوية في فلم لأميتاب باتشان.
وسأكتشف أن الإنسان الهندي، مثل الأيزيدي، ليس مجرد صورة نستخدمها لإثبات فكرة، وهنا ربما يبدأ احترامنا للآخر.
سيعجبكم العيش في الهند.
من يصمد منا هناك سيتعلم الغناء والتمثيل وركوب القطارات، ولن يتأثر بالازدحام الخانق. وقد يتعلم الصبر.
والوقوف في الطوابير، وهو شيء نفتقر إليه. وقد يتعلم أن العالم أكبر من قريتنا. وأن الحقيقة لا تسكن دائماً في بيتنا، وقد تفلح يوماً وتصبح من نجوم السينما الهندية في بوليوود وتنافس أبطالها.
وأنا سأحاول دخول السينما أيضاً.
سأقدم للمخرج الهندي قصة الأيزيديين، سيستمع إليّ باهتمام. سأحدثه عن الجبل، وعن لالش، وعن النزوح، وعن الهجرة، وعن الخوف، وعن الذاكرة.
سيصمت قليلاً، ثم يقول، هذه تصلح لفيلم، وسنكتب في نهاية الفيلم:
"مبني على قصة حقيقية". ثم يقهقهه قائلا، ولكن لدينا أمثال هذه القصص المئات. ثم نكتشف أن القصة الحقيقية أكثر قسوة من الفيلم.
الهنود يمتلكون حساً جيداً لسماع القصص، وسنروي لهم قصصنا. سيحبونها، وربما يؤلفون منها أغاني وأفلاماً ومسرحيات. لكنهم سيسألوننا أيضاً، ماذا حدث بعد ذلك؟
وهنا سنسكت؛ لأننا جيدون في رواية البداية. سيئون في نهاياتها. نعرف كيف نقول: كان أجدادنا…
لكننا لا نعرف كيف نقول: ماذا فعلنا نحن؟
يوماً بعد يوم سنفقد بعض ميزاتنا كشنكاليين.
لن يعرف أحد أين تقع سنجار. لن يعرف أحد الفرق بين الوردية وبين سنونى. لن يسألنا أحد عن أسماء العشائر.
لن يهتم أحد إن كنت قيرانياً أو دناياً أو هسناوياً أو من أية قبيلة أخرى.
وفي البداية سنغضب، ثم سنعتاد، ثم ربما نكتشف شيئاً مخيفاً، أن الإنسان يمكن أن يعيش من دون كل هذه التصنيفات. وهنا ستبدأ مشكلة جديدة.
من أنا إذا لم يسألني أحد من أي عشيرة أنت؟ من أنا إذا لم أحتج إلى أن أشرح للآخرين من هم أجدادي؟
من أنا إذا لم تكن هويتي قائمة على مقارنة نفسي بالآخر؟
ربما سأكتشف حينها أنني إنسان أولاً.
وهذه، في رأيي، أكبر صدمة يمكن أن تصيب أيزيدياً.
في الهند لن يكون عليك أن تواكب التغيير بالطريقة نفسها في كل مكان.
فهناك مجتمعات حضرية حديثة جداً، وهناك قرى ومناطق قبلية ما زالت تحافظ على أنماط حياة قديمة.
بلد بهذا الحجم لا يمكن أن يتحرك كله بالسرعة نفسها.
وهذا أيضاً يشبهنا في تحركنا.
في مجتمع كهذا يمكن أن تجد إنساناً يعيش في القرن الحادي والعشرين بعقله وهاتفه ومهنته، وآخر يعيش في القرن التاسع عشر بعاداته، وثالثاً يعيش في الماضي كله.
نحن لسنا مجتمعاً واحداً بالمعنى البسيط. نحن طبقات من الزمن فوق بعضها. وهذا ليس عيباً بالضرورة. لكن المشكلة عندما نريد أن نستخدم الماضي لإدارة المستقبل، هنا نضع العربة قبل الحصان.
أما القطارات الهندية، فهذه قصة أخرى. من يصعد قطاراً هندياً للمرة الأولى سيكتشف أن مفهوم الموعد قابل للتفاوض. وهذا مناسب لنا. لن يقول لك أحد:
أين أنت؟
قلت لك الساعة التاسعة كن هنا!
لأننا نحن الأيزيديين نستطيع أن نقول الساعة التاسعة ونصل في العاشرة والنصف، ثم نعتذر للطريق، وللثلج، وللسيارة، وللجيران، وللحياة. وهذا على الأقل لن يكون صادماً في الهند.
أما في ألمانيا، فلو قلت لشخص: سأصل التاسعة، فعليك أن تصل التاسعة. بل الأفضل أن تصل قبل التاسعة.
وإذا وصلت التاسعة وخمس دقائق، قد تشعر أنك ارتكبت جريمة فلسفية، وحينها سنشعر بالعار إذا كنت قد قرأت لنيتشه.
لكن أجمل ما في الهند بالنسبة إليّ ليس السينما ولا القطارات ولا الطعام ولا اللغة، إنه ذلك السؤال الذي تضعه أمام الإنسان:
كيف استطاع هذا الكم الهائل من البشر أن يحمل كل هذا الاختلاف؟
قد لا يكون الجواب سهلاً، وقد لا تكون الهند مثالاً كاملاً، ولا ينبغي أن نجعلها كذلك. لكن مجرد وجود الاختلاف على هذا النطاق الواسع يجعلنا نعيد التفكير في مفهومنا عن الآخر.
نحن الأيزيديين عشنا طويلاً في منطقة كان الاختلاف الديني فيها سبباً كافياً أحياناً للريبة والخوف والاضطهاد.
ولهذا ربما لا نحتاج إلى البحث عن وطن يشبهنا، ربما نحتاج إلى وطن يقبل ألا يشبهه أحد تماماً. وسنجد هذا في الهند.
الأيزيدي الذي يحترم ذاته سيوافق فوراً على الهجرة، وأولئك يتمتعون بصلابة وجرأة معنوية لا مثيل لها. الذين يطبقون الاستقامة والصدق التي يدعونها على الواقع، وهي خصال حميدة سنتباهى بها أمام الهنود كل يوم، سنقول لهم:
نحن شعب صادق. ثم نختلف على المال. سنقول، نحن شعب متسامح. ثم نختلف على العشيرة. سنقول، نحن شعب يحترم المرأة. ثم نختلف حولها. سنقول، نحن شعب متماسك. ثم يبدأ كل واحد منا بتأسيس جمعية جديدة.
وسنظل هكذا حتى يمل الهنود منا. وعندها سيقول لنا أحدهم:
عودوا إلى بلادكم. وسنقول:
أي بلاد؟
وهنا ستكون الكارثة، لأن الوطن الذي تعيش فيه قوانينه المدنية هشة، ولا تحميك، ولا تحمي أي مجتمع من المستضعفين والمساكين من المكونات الأخرى، يصبح الوطن فكرة أكثر منه حقيقة.
يحسبوننا أقليات، ويضحكون علينا ويقولون، إنما أنتم مكونات. أي عرّف الماء بعد جهد جهيد بأنه ماء، المشكلة ليست في كلمة (مكوّن). المشكلة أن الإنسان يتحول في هذه الكلمة من مواطن إلى رقم، من صاحب حق إلى حالة اجتماعية. من إنسان إلى ملف.
نحن لا نريد أن نكون مكوّناً محفوظاً في الثلاجة السياسية.
نريد أن نكون مواطنين، نريد قانوناً يحمي الإنسان قبل أن يسأل عن دينه. وهنا، ربما، نفهم لماذا تبدو الهند مغرية. ليس لأنها أفضل منا. ولا لأنها بلا مشاكل. ولا لأن كل هندي يعيش سعيداً. بل لأن فكرة التعدد فيها تضع أمامنا سؤالاً لا نستطيع الهروب منه:
هل يستطيع الوطن أن يكون وطناً للجميع؟
ربما قبل أن أرغب في الهجرة إلى الهند فعلاً. ربما كل ما أريده هو مكان لا أضطر فيه إلى شرح كوني أيزيدياً كل صباح. مكان لا يسألني فيه أحد:
ماذا تعبد؟
ولماذا لا تفعل مثلنا؟
ومن أين أتيتم؟
ولماذا أنتم مختلفون؟
مكان أستطيع فيه أن أقول، أنا أيزيدي. ثم ينتهي الحديث. لا يبدأ.
ولهذا سأظل أحبّ الهند. سأظل أحب ألوان أفلامها، وأغانيها، وأميتاب باتشان، والقطارات، والجبال، والازدحام، والقصص التي لا تنتهي. وسأظل أبحث عن فلم (شعلى) وأشاهده مرة أخرى. وسأقول لأولادي:
انظروا، هذا هو الوطن الأصلي، وسيضحكون، وسأضحك معهم، ثم ربما أفتح هاتفي وأقرأ منشوراً جديداً لأحد الباحثين في الشأن الأيزيدي: (ثبت علمياً أن الأيزيديين أصلهم من الهند)، سأضغط على إعجاب.
ثم أكتب تعليقاً:
"كنت أعرف". ثم أنتظر حتى يحظرني، فقد أصبح لدي الآن خبرة في ذلك.
ربما لا تكون الهجرة إلى الهند إلا مزحة طويلة، وربما تكون الهند نفسها مجرد مرآة وضعناها أمام وجوهنا كي نرى شيئاً لا نريد رؤيته. رأينا شعباً ضخماً متعدد الأديان واللغات والثقافات، ورأينا الفقر إلى جانب الثراء، والحداثة إلى جانب القديم، والسينما إلى جانب الواقع، والأسطورة إلى جانب الدستور.
ثم عدنا إلى أنفسنا. فاكتشفنا أننا نعيش التناقضات نفسها، ولكن على نطاق أصغر.
لدينا الدين والتاريخ والأسطورة. لدينا الجبل والهجرة. لدينا اللغة والذاكرة. لدينا السينما التي نصنعها في رؤوسنا. ولدينا أبطال كثيرون، ومؤسسات قليلة. ولدينا كتب كثيرة عن الماضي، وأسئلة قليلة عن الغد.
ولذلك، إذا سمحت لنا حكومة الهند يوماً بالهجرة إليها، فسأكون أول الواصلين.
ليس لأنني وجدت وطننا الأصلي هناك. بل لأنني ربما أجد هناك شيئاً أهم، مكاناً أستطيع فيه أن أرى الأيزيدي من الخارج، بعدما عجزنا طويلاً عن رؤيته من الداخل.
وعندما أعود من الهند، إن عدت، لن أحمل معي دليلاً على أننا من الهند، سأحمل فقط تذكرة سفر، وبعض الصور، وفيلماً هندياً قديماً، وربما شيئاً من الحكمة، وعمل شيء حقيقي يمت للواقع بصلة.



#مراد_سليمان_علو (هاشتاغ)       Murad_Hakrash#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- دهشة الغدير
- غزالة صديقي قاسو
- دورة حياة الشوارب
- رئيس العشيرة الأخير
- باشاالباشا
- عن سنجار
- أن تكون حمارا
- الأربعاء.. بين مطرقة الأحد وسندان الجمعة
- أُغنية إلى كوجو
- عيد أربعانية الصيف
- الفرمان ما يزال مستمرا
- الفراشات البرتقالية
- أصدقائي المجانين
- أصدقائي الصغار
- أبطال الظل
- وليد جديد يخرج من بين رُكام الإبادة!
- حِوار
- مواويل الُنزوح
- موال الخيانة
- بائع الخضراوات


المزيد.....




- ترامب بعدما سُئل عن كيفية استخدامه للذكاء الاصطناعي: -لا أري ...
- نائب ترامب: نتواصل مع السعودية والإمارات والحوثيين بشأن تطور ...
- روته يدعو لتعزيز الدعم العسكري لكييف رغم مساعي واشنطن الدبلو ...
- هل يمكن لإيران استخدام الصواريخ لزرع الألغام في مضيق هرمز؟
- سوري في مرمى -كامورا-.. خيوط شبكة غامضة تتشعب في أوروبا
- التنمية المحلية:  إعداد خريطة للأسواق الدائمة وإنشاء سوق دائ ...
- وزيرة التنمية المحلية والبيئة تتابع الموقف التنفيذي لمشروعات ...
- محافظ القليوبية يتفقد كوبري ترعة الشرقاوية بمدينة شبين القنا ...
- محمد عبد اللطيف: التعاون مع منظمة البكالوريا الدولية يستهدف ...
- “الزراعة”: لجنة مبيدات الآفات تصدر 2245 موافقة وشهادة وافراج ...


المزيد.....

- المناضل الصغير / محمد حسين النجفي
- شموع لا تُطفئها الرياح / محمد حسين النجفي
- رؤية ليسارٍ معاصر: في سُبل استنهاض اليسار العراقي / رشيد غويلب
- كتاب: الناصرية وكوخ القصب / احمد عبد الستار
- الحزب الشيوعي العراقي.. رسائل وملاحظات / صباح كنجي
- التقرير السياسي الصادر عن اجتماع اللجنة المركزية الاعتيادي ل ... / الحزب الشيوعي العراقي
- التقرير السياسي الصادر عن اجتماع اللجنة المركزية للحزب الشيو ... / الحزب الشيوعي العراقي
- المجتمع العراقي والدولة المركزية : الخيار الصعب والضرورة الت ... / ثامر عباس
- لمحات من عراق القرن العشرين - الكتاب 11 - 11 العهد الجمهوري ... / كاظم حبيب
- لمحات من عراق القرن العشرين - الكتاب 10 - 11- العهد الجمهوري ... / كاظم حبيب


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - مراد سليمان علو - الهجرة إلى الهند