أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - هويدا صالح - بين الكمال والجمال: كيف نعيش مع النقص؟














المزيد.....

بين الكمال والجمال: كيف نعيش مع النقص؟


هويدا صالح
روائية ومترجمة وأكاديمية مصرية

(Howaida Saleh)


الحوار المتمدن-العدد: 8827 - 2026 / 9 / 13 - 21:24
المحور: قضايا ثقافية
    


يبدو السعي وراء الكمال في ظاهره دافعاً نبيلاً لإتقان العمل وحماية ما نبنيه من الخطأ. غير أن تحول هذا السعي من طموحٍ مجرّد إلى شرطٍ قاطع للرضا يحيله إلى عبءٍ نفسي ثقيل. عبء يضع الإنسان في صراع داخلي طوال الوقت. يمشي على صراط لا ينتهي من أجل تحقيق أسلوب نموذجي مثالي في إدارة الحياة. هذا التصور الذي يسعى لتحقيق ذلك الكمال يقوم على افتراضٍ واهم بأن الحياة يمكن أن تستقر عند صورة نهائية، متجاهلاً أن الواقع في تبدل دائم، وأن كل إنسان محكوم بقدراته وظروفه.
ومن هنا نتساءل هل نسعى وراء الكمال أم نبحث عن الجمال؟ هل هناك فرق بين المفهومين؟ إن الكمال في فلسفته البسيطة يسعى إلى محول آثار الخلل في الأشياء والأساليب والحياة عامة. أما الجمال فهو يعتني ويحتفي
بالقيمة الكامنة خلف النقص. نفترض أنك تمتلك تمثالا جميلا، لكنه انكسر. فلسفة الكمال تفرض عليك أن تتخلص منه، فلم يعد ذا قيمة لأنه انشرخ من المنتصف مثلا، لكنك حين تعي مفهوم " الجمال" أو الجميل، فسوف تحاول أن ترمم الشرخ في التمثال، ثم تحاول أن تعيد طلائه أم تشكيل الشكل الخارجي له، لتصنع من النقصان شكلا جميلا. وهكذا في تفاصيل حياتنا، فالوجه الإنساني الجميل لا يجب أن يحاول أن يقضي على آثار الزمن عليه، . ليس الوجه الجميل وجهاً بلا ملامح زمن، ولا العمل الجميل عملاً لم يعرف المسودات والتعثر، بل هو القدرة على استبصار المعنى في التجربة كما هي.

وقد ناقشت الفلسفات العالمية هذه الفكرة، فكرة الصراع الخفي بين مدعي الكمال والساعين إلى الجمال، ففلسفة "الكينتسوجي" اليابانية تجسد هذا المعنى بوضوح، حيث تُرمم الآنية المكسورة بمادة مذهبة، فلا يعود الشق عيباً يُوارى، بل فصلاً صريحاً من تاريخ القطعة يعزز قيمتها. هذا الفن لا يمجد الألم في ذاته ولا يزعم أن الآنية لم تنكسر، بل يمنحها شكلاً جديداً يحمل ذاكرة الضرر وقوة البقاء معاً.

والإنسان في جوهره شبيه بهذا الخزف. لسنا مطالبين بالعودة بعد كل خيبة إلى نسختنا السابقة، فالخسارة والمرض والتعثر تعيد ترتيب أولوياتنا، والأثر الذي تتركه التجربة يمكن تحويله إلى مدخل لفهمٍ أنضج وأعمق لأنفسنا وللآخرين.

ويلتقي هذا الفهم أو بل تطور هذا المفهوم إلى مفهوم آخر هو "الوابي سابي"، الذي يرى الجمال في البساطة وقبول الزوال، فقيمة الأشياء لا تنبع من لمعانها المصقول بل من صدقها وحملها لعلامات الزمن. جدارٌ شحب طلاؤه أو إناءٌ يحمل خللاً طفيفاً في استوائه يكتسبان جاذبيتهما من انسجامهما مع واقع التغير.
وتعود جذور" الوابي سابي" إلى بوذية الزن (Zen) التي انتقلت تاريخياً من الصين إلى اليابان وامتزجت بالفلسفة الطاوية. وتتألف الكلمة من مصطلحين يابانيين تطور معناهما عبر القرون:

الوابي كان يشير قديماً إلى وحشة العزلة في الطبيعة، وتطور ليعني البساطة، والتواضع، والانسجام مع الطبيعة، والجمال الكامن في التقشف والزهد.
أما السابي يشير إلى جمال التقدم في العمر، وصدق أثر الزمن وتلاشيه، وتآكل المادة ورونقها العتيق.
وهما يعبران عن أهمية إدراك الجمال في الأشياء الناقصة، الزائلة، غير المكتملة.
وهذه الرؤية تخفف ميلنا إلى جلد الذات، فحياتنا ليست مطالبة بالتطابق مع خطة أولى رسمناها، أو خريطة نموذجية للجمال يجب أن نسير وِفْقَها، فنحن قادرون على تعديل المسار. ولا نعتبر هذا ليس إخفاقاً أخلاقياً، بل استجابة طبيعية لواقع لا يكف عن التحول.

ويأخذنا هذا إلى فلسفة "التاو" الصينية التي ترى في التناغم مع مجرى الأحداث بدلاً من مناطحتها نجاحا، فالنهر لا يحتاج إلى دفعٍ ليصل إلى مصبه، ولا يتحرك في خطٍ مستقيم، بل يلتف حول العوائق بمرونة وقوة هادئة.

ذا فالتناغم مع الواقع لا يعني التواكل، بل فرز ما يمكننا تغييره عما يخرج عن سيطرتنا. حين يتعثر مشروعك، لست بحاجة إلى مضاعفة القسوة على نفسك أو هدم ما بنيت، بل تحتاج إلى وقفة هادئة لتعديل المنهج أو إعادة تقييم الزاوية التي تنظر منها.

وثمة مفهوم غربي يرفد هذه الفلسفات الشرقية القديمة، فالدول الإسكندافية القديمة( السويد كمثال) لديها مفهوم الـ "لاجوم" أي (ليس بالكثير ولا بالقليل، بل بالقدر الكافي)، حيث تضيف بعداً عملياً لهذه الأفكار. وفي ظل اللهاث وراء النجاح السريع الذي يحول بيئة العمل إلى منظومة تقدس الإنهاك وتعدّه دليلاً على الجدية، يذكرنا "اللاجوم" بأن الإفراط يضر بجودة الإنجاز ويحول الشغف إلى خوف دائم. الطريق الطويل يتطلب وتيرة مستدامة يمكن للجسد والعقل حملها، فالاستراحة ليست انقطاعاً عن السعي، بل هي شرط لاستمراره.

وتتقاطع هذه الفلسفات جميعاً عند حقيقة واحدة: التخلي عن وهم السيطرة المطلقة واكتساب مرونة الاستجابة. النقص ليس نقيضاً للجمال، والتغير ليس عدواً للمسير.

وحين يُفهم الكمال كنقطة وصول حتمية، يتحول النجاح إلى مهلة قصيرة بين موجتين من القلق، أما الجمال فيتيح لنا تقدير المحاولة في ذاتها، وتثمين المسودة قبل اكتمالها.

ولا تكمن الغاية في النجاة من كل كسر أو خوض الرحلة بلا أخطاء، بل في التحول مع الحياة دون فقدان البوصلة. والسؤال الأهم لم يكن يوماً "كيف أبلغ الكمال؟"، بل "كيف أعمل بصدق، وأتحرك بمرونة، وأحتفظ بقدرتي على الاستمرار؟".



#هويدا_صالح (هاشتاغ)       Howaida_Saleh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- -عند حدود النهر-.. مأساة العبور بين عالمين
- حين تتحدث اللغة بلسانين: ماذا تكشف ازدواجيتنا اللغوية عن الم ...
- زوربا اليوناني بين الرواية والسينما
- بانتاليون والزائرات : بلاغة السخرية
- الفن في عصر الذكاء الاصطناعي: الدور المتغير للفنانين
- محمد صلاح... حين يصبح لاعب الكرة نصًا ثقافيًا
- حين يهزم الظلم المهارة: تأملات في مباراة مصر والأرجنتين التي ...
- من -لعنة الفراعنة- إلى ما بعد الاستشراق: كيف صنعت هوليوود مص ...
- المايكرودراما الصينية: حين أعادت الدقائق القليلة تشكيل اقتصا ...
- أسد-.. حين تتحول السينما من صناعة الوعي إلى تزوير التاريخ-
- خريطة الملذات
- مسلسل -اللون الأزرق-: بين جمالية التمثيل وارتباك المعرفة
- عالم سعيد نوح الروائي .. ملائكة الشوارع الخلفية وذاكرة الموت ...
- حين يصبح الإلحاد معيارًا للتحضر: أزمة الفهم العلماني في الثق ...
- ستيفن هوكينغ بين الشبهة والخطاب: كيف استثمر الوعظ الديني قضي ...
- اغتيال الذاكرة حين تتحوّل السينما إلى شهادة زور فيلم -الست- ...
- رسائل ثقافية من حفل افتتاح المتحف المصري الكبير
- كارثة طبيعية: حين يتحوّل الحلم إلى عبء
- المتحف المصري الكبير بين الأصالة الكونية والهوية المعولمة
- صحف عالمية: المتحف المصري الكبير هو الحدث الثقافي العالمي ال ...


المزيد.....




- وسط جهود محاولة عزله.. هيغسيث ينشر فيديو متحديًا
- موجة بيع حادة تهز وول ستريت.. وأسهم الذكاء الاصطناعي تتكبد خ ...
- متحف الطعام المقزز.. هل تجرؤ على زيارته لتذوق المأكولات؟
- الأسواق الآسيوية تلحق تراجع الأسواق الأمريكية مع انتشار مخاو ...
- إيفا لونغوريا تختار الأحمر البراق بتصميم جريء في باريس
- وسط ترقب لقرار بشأن إيران.. ترامب وأمير قطر يتحدثان هاتفيًّا ...
- الاستخبارات الروسية: نظام كييف يدرب مشغلي المسيرات في إفريقي ...
- ألمانيا.. استنفار بعد تسرب حمض خطير
- التحالف: سقوط شظايا جراء اعتراض وتدمير صاروخين باليستيين است ...
- السعودية تشجب مقتل ضابطين مصريين


المزيد.....

- محمد أركون ونقد الأنوار. / ابراهيم ازروال
- ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري / حكمت الحاج
- الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي / كريم الوائلي
- تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة / كريم الوائلي
- التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت ... / كريم الوائلي
- أزمة التعليم في العرا ق / كريم الوائلي
- منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث / كريم الوائلي
- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - هويدا صالح - بين الكمال والجمال: كيف نعيش مع النقص؟