أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هويدا صالح - -عند حدود النهر-.. مأساة العبور بين عالمين















المزيد.....

-عند حدود النهر-.. مأساة العبور بين عالمين


هويدا صالح
روائية ومترجمة وأكاديمية مصرية

(Howaida Saleh)


الحوار المتمدن-العدد: 8812 - 2026 / 8 / 29 - 08:05
المحور: الادب والفن
    


ليس النهر في رواية الكاتب الكيني نغوجي وا ثيونغو "عند حدود النهر" مجرد مجرى ماء يشق جبال كينيا ويفصل بين جماعتين. منذ العنوان، يبدو النهر كأنه الشخصية الأكثر صمتًا في الرواية، حاضرًا في المشهد، لكنه يحمل في داخله المعنى كله. إنه الحد الفاصل بين ضفتين، بين رؤيتين للعالم، بين إيمان قديم ودين وافد، وبين مجتمع يحاول أن يحتفظ بما تبقى من صورته عن نفسه وقوة استعمارية لا تكتفي بالسيطرة على الأرض، بل تريد أن تعيد تشكيل الإنسان الذي يعيش عليها.
لهذا تبدو الرواية، التي صدرت عام 1965، أبعد من حكاية عن بدايات الاستعمار البريطاني في كينيا. إنها رواية عن الانقسام الذي يتركه الاستعمار وراءه في الوعي.
الاحتلال لا يحتاج دائمًا إلى أن يهدم البيت كي يغيّر أهله، يكفي أحيانًا أن يجعلهم يختلفون حول معنى البيت، ومن يملك الحق في تحديد شكله ومستقبله.
يختار نغوجي منطقة جبلية من موطن الكيكويو مسرحًا لروايته، حيث يصل المبشرون الأوروبيون محملين بالدين والتعليم، ويبدأ عالم قديم في مواجهة عالم جديد لا يعرف كيف يستقبله. لكن الجديد لا يدخل بوصفه قوة خارجية فقط؛ سرعان ما يجد طريقه إلى الداخل، إلى العائلة والجماعة والطقوس والعلاقات، ويعيد ترتيب مواقع الناس من بعضهم بعضًا. يفلح الاستعمار أن يقسّم المجتمع إلى جماعتين؛ واحدة تتمسك بموروث الأسلاف وترى في المسيحية تهديدًا لهويتها، وأخرى تنظر إلى الدين الجديد والتعليم باعتبارهما نافذة على عالم مختلف. ولا يمنح نغوجي أيًا من الطرفين براءة مطلقة، فالتشبث بالتقاليد يمكن أن يتحول إلى انغلاق، كما يمكن للانفتاح على الجديد أن يتحول إلى انفصال عن الجذور. وبين هذين الطرفين يتشكل التوتر الحقيقي للرواية.
في هذه المنطقة المعلقة يظهر واياكي، ليس واياكي بطلًا ثوريًا بالمعنى التقليدي. لا يحمل السلاح، ولا يبحث عن مواجهة مباشرة مع الرجل الأبيض. إنه يراهن على شيء أكثر هدوءًا وأبعد أثرًا.
يرى أن شعبه لن يستطيع مقاومة الهيمنة إذا ظل محرومًا من المعرفة، وأن بناء المدارس يمكن أن يكون فعل مقاومة بقدر ما تكون المواجهة السياسية المباشرة.ويصبح التعليم الأمل الذي يلوح في الأفق؛ ليخلّص المجتمع من نقاط ضعفه. لكن نغوجي لا يقع في فخ تمجيد التعليم باعتباره خلاصًا جاهزًا. فالتعليم نفسه جاء إلى المجتمع من بوابة الاستعمار والتبشير. ومن هنا تتولد المفارقة: الأداة التي يمكن أن تساعد المستعمَر على التحرر هي في الوقت نفسه واحدة من الأدوات التي يستخدمها المستعمِر لإعادة صياغة وعيه.
هذه المفارقة تمنح الرواية جانبًا كبيرًا من قوتها النقدية. فالمشكلة ليست في المعرفة، وإنما في من يملكها ومن يحدد معناها والغاية التي توجَّه إليها. ولذلك يصبح مشروع واياكي محاولة لاستعادة التعليم من يد القوة التي جاءت به، وتحويله من أداة للهيمنة إلى وسيلة لبناء الذات.
غير أن واياكي نفسه لا ينجو من التناقض.إنه يريد أن يجمع ما تفرق، وأن يصنع من التعليم طريقًا إلى الوحدة والحرية، لكنه يتحرك داخل مجتمع ممزق أصلًا. وكلما حاول أن يقف في المنتصف، بدا كأنه يقف فوق أرض لا تستقر تحت قدميه. إنه يريد أن يعبر النهر، لكن المشكلة أن الضفتين لا تريدان له أن يعبر.
وهنا تصبح شخصية واياكي أكثر تعقيدًا من مجرد "بطل مقاوم". فهو ابن عالمه، لكنه ليس أسيرًا له. يستمد قوته من تراثه، لكنه لا يريد أن يعيش داخله مغلقًا. يرفض الاستعمار، لكنه لا يرفض المعرفة التي جاء بها المستعمر. إنه ابن لحظة تاريخية لم يعد فيها ممكنًا العودة إلى الماضي، ولم يكن المستقبل قد اكتسب شكله بعد.
ولذلك فإن مأساة واياكي ليست في أنه اختار الطريق الخطأ فحسب، وإنما في أنه حاول أن يسلك طريقًا ثالثًا لم يكن المجتمع مستعدًا له. حتى الحب في الرواية لا يبقى خارج هذا الصراع. علاقة واياكي بنيوكي، الفتاة المنتمية إلى الجانب الآخر من الانقسام، تمنح الرواية بعدًا إنسانيًا لا يقل أهمية عن بعدها السياسي. فالعاطفة التي يفترض أن تجمع شخصين تتحول إلى مرآة للصراع الجماعي. وكأن نغوجي يقول إن الانقسامات الكبرى لا تظل في ساحات السياسة والدين، وإنما تتسلل إلى أكثر مناطق الحياة خصوصية، فتصل إلى الحب والأسرة والجسد والمصير الشخصي.
ومن اللافت أن نغوجي لا يرسم المجتمع المحلي باعتباره كتلة متجانسة تقف في مواجهة المستعمر. فهناك صراعات داخلية سابقة على الاستعمار، وهناك مصالح ومخاوف ورغبات مختلفة. والاستعمار، في جانب منه، لا يصنع كل هذه التناقضات، لكنه يعرف كيف يستثمرها ويعمقها.
النهر يمكن قراءته باعتباره استعارة للتاريخ الاستعماري نفسه. إنه يفصل، لكنه يكشف أيضًا أن الضفتين تنتميان إلى مجرى واحد. وما يبدو صراعًا بين عالمين هو، في الحقيقة، صراع داخل مجتمع واحد على تعريف المستقبل.
ومن هذه الزاوية، لا تبدو المسيحية في الرواية مجرد دين جديد، كما لا يبدو التعليم مجرد معرفة جديدة. كلاهما جزء من عملية أكبر لإعادة ترتيب العالم. فحين يتغير الدين تتغير علاقة الفرد بجماعته، وحين يتغير التعليم تتغير صورته عن نفسه وعن ماضيه، وحين تتغير اللغة التي يتعلم بها الإنسان يبدأ السؤال الأخطر: بأي لغة سيحكي قصته؟.
هذا السؤال سيصبح لاحقًا مركزيًا في مشروع نغوجي وا ثيونغو نفسه. فقد بدأ الكتابة بالإنجليزية، ثم عاد إلى الكيكويو، في موقف يرتبط برؤيته للاستعمار الثقافي ودور اللغة في استعادة الذاكرة والهوية. وبذلك يمكن النظر إلى «عند حدود النهر» بوصفها نصًا مبكرًا تتشكل داخله الأسئلة التي ستتسع في أعماله اللاحقة: من يملك المعرفة؟ من يملك اللغة؟ ومن يملك حق رواية تاريخ المكان؟
ولعل قيمة الرواية اليوم لا تكمن فقط في أنها تستعيد لحظة من التاريخ الكيني، وإنما في قدرتها على جعل تلك اللحظة قابلة للتأمل خارج حدودها الجغرافية. فكل مجتمع يمر بتحول عنيف يمكن أن يجد شيئًا من نفسه في هذا الصراع بين الماضي والمستقبل، وبين الحفاظ على الهوية والانفتاح على العالم، وبين الحاجة إلى التغيير والخوف من أن يكون التغيير نفسه شكلًا جديدًا من أشكال الهيمنة.
"عند حدود النهر" ليست رواية عن النهر بقدر ما هي رواية عن العجز عن العبور. الضفتان قريبتان، والماء بينهما ليس بحرًا، ومع ذلك تبدو المسافة شاسعة. وربما كان هذا هو جوهر المأساة التي أراد نغوجي أن يكتبها: ليس أصعب على الإنسان أن يعرف أن عالمه يتغير، بل أن يجد طريقة للعبور إلى العالم الجديد دون أن يفقد نفسه في الطريق.
وفي النهاية، لا ينتصر واياكي كما ينتصر أبطال الحكايات التقليدية، ولا تنتصر الجماعة، ولا يختفي النهر. يبقى الحد قائمًا، لأن المشكلة لم تكن في الماء، وإنما في البشر الذين جعلوا منه حدًا بينهم.إن الرواية لا تمنح القارئ حلًا مريحًا، بل تتركه أمام السؤال نفسه الذي ظل يطارد مجتمعات ما بعد الاستعمار: كيف يمكن بناء المستقبل من دون أن يصبح المستقبل استعمارًا آخر للذاكرة؟



#هويدا_صالح (هاشتاغ)       Howaida_Saleh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين تتحدث اللغة بلسانين: ماذا تكشف ازدواجيتنا اللغوية عن الم ...
- زوربا اليوناني بين الرواية والسينما
- بانتاليون والزائرات : بلاغة السخرية
- الفن في عصر الذكاء الاصطناعي: الدور المتغير للفنانين
- محمد صلاح... حين يصبح لاعب الكرة نصًا ثقافيًا
- حين يهزم الظلم المهارة: تأملات في مباراة مصر والأرجنتين التي ...
- من -لعنة الفراعنة- إلى ما بعد الاستشراق: كيف صنعت هوليوود مص ...
- المايكرودراما الصينية: حين أعادت الدقائق القليلة تشكيل اقتصا ...
- أسد-.. حين تتحول السينما من صناعة الوعي إلى تزوير التاريخ-
- خريطة الملذات
- مسلسل -اللون الأزرق-: بين جمالية التمثيل وارتباك المعرفة
- عالم سعيد نوح الروائي .. ملائكة الشوارع الخلفية وذاكرة الموت ...
- حين يصبح الإلحاد معيارًا للتحضر: أزمة الفهم العلماني في الثق ...
- ستيفن هوكينغ بين الشبهة والخطاب: كيف استثمر الوعظ الديني قضي ...
- اغتيال الذاكرة حين تتحوّل السينما إلى شهادة زور فيلم -الست- ...
- رسائل ثقافية من حفل افتتاح المتحف المصري الكبير
- كارثة طبيعية: حين يتحوّل الحلم إلى عبء
- المتحف المصري الكبير بين الأصالة الكونية والهوية المعولمة
- صحف عالمية: المتحف المصري الكبير هو الحدث الثقافي العالمي ال ...
- الهرم القيمي والتربية في بردية إنسنجر: من حكمة المصري القديم ...


المزيد.....




- مروان خوري يصل إلى دمشق استعدادا لحفله في معرض دمشق الدولي ( ...
- التعليم العالي: اليوم .. بدء تسجيل اختبارات القدرات المؤهلة ...
- معتصم النهار يخوض تجربة التقديم للمرة الأولى في -موريكس دور- ...
- 4.6 أمتار من الألوان.. فنانات يصنعن طائر أوريغامي عملاقًا لإ ...
- اتحاد الكتاب الفلسطينيين… وحدة الثقافة وقوة الدبلوماسية الثق ...
- -عار على مصر-.. أزمة حادة وتراشق بين نقيب الموسيقيين وناقد ف ...
- سطو جريء في فيينا.. سرقة -عقد الملكة نازلي- التاريخي في وضح ...
- الممثلة التونسية سوسن معالج: -السينما والصورة والكلمة الحرة ...
- بوق الجلاد لن يمثل الضحية.. -أبو أصيل- يحاكم فناني نظام الأس ...
- الفنانة السورية فايا يونان تعلن خطوبتها: -أجمل من أي صورة رس ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هويدا صالح - -عند حدود النهر-.. مأساة العبور بين عالمين