أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود الصباغ - الصورة التي سبقت صاحبها: صناعة الإقناع















المزيد.....


الصورة التي سبقت صاحبها: صناعة الإقناع


محمود الصباغ
كاتب ومترجم

(Mahmoud Al Sabbagh)


الحوار المتمدن-العدد: 8827 - 2026 / 9 / 13 - 04:48
المحور: القضية الفلسطينية
    


بعد صمت طويل امتد أكثر من ثلاثة عقود، عادت روث بار إلى الحديث عن بنيامين نتنياهو. العودة وحدها تستحق الانتباه، لكن الأهم ربما هو ما تقوله الآن عن رجل عرفته في بدايات صعوده السياسي، حين لم يكن بعد من نعرفه اليوم.
روث بار عالمة نفس ومستشارة استراتيجية في الإقناع وتغيير المواقف واتخاذ القرار، عملت مع نتنياهو نحو ثلاث سنوات في بدايته السياسية حين كان يحاول شق طريقه إلى قيادة الليكود ثم إلى رئاسة الحكومة. فكانت تراقب ظهوره التلفزيوني وتحلل نقاط القوة والضعف فيه وتدرس ردود فعل الجمهور، وتجري أبحاثاً سياسية معمقة، وتقارن بينه وبين منافسيه داخل الليكود ثم تقدم له ملاحظاتها.
تقول روث بار إنها بدأت العمل معه بعد أن طلب منها إيال أراد أن تشاهد تسجيلاته التلفزيونية وتحللها، وكان نتنياهو يستمع إلى ملاحظاتها. وللتذكير كانت بار ،آنذاك، جزءً من دائرة صغيرة جداً أحاطت بنتنياهو ، ضمت إيال أراد وأفيغدور ليبرمان، المعروف آنذاك باسم إيفت، ويعقوب أكست وآخرين. وتصف بار المجموعة بأنها كانت أشبه بفريق سري، وتروي أن نتنياهو طرد ليبرمان في إحدى المرات بعد خلاف بينهما، ثم أقنعته هي بإعادته لأنه ذكي ومهم.[1] سمح لها وجودها ضمن الدائرة الصغيرة من مستشاريه، إجراء أبحاث سياسية واسعة حول صورته وموقعه بين منافسيه.، ومنذ اللقاءات الأولى معه، رأت فيه شخصاً جيداً أمام الكاميرا، لكنه يحتاج إلى كثير من التصحيح. وكان يستمع إلى ملاحظاتها، كما تصف تلك المرحلة بأنها كانت أشبه بمختبر مفتوح. فكثيراً ما كان يظهر نتنياهو على التلفزيون، وهذا أتاح لها مراقبة أثر ما تقوله عليه، ورؤية ما نجح وما يحتاج إلى تعديل. كان بالنسبة إليها، كما تقول، حالة مناسبة لاختبار أفكارها ونماذجها في السياسة والاتصال الجماهيري. ففي إحدى المناسبات، حين حضرا اجتماعا لأعضاء الليكود، رأت أنه فقد الاتصال بالجمهور؛ كان الحاضرون صاخبين ولم يكن أداؤه مقنعا، وكان لا بد من العمل على هذه النقطة. [2]
من الأشياء الأولى التي لفتت نظرها فيه ما سمته إحساساً عميقاً ومتطرفاً بالتفوق. فتقول إن هذا الشعور كان قوياً إلى درجة تكاد تكون مخيفة، فقد كان يرى نفسه أعلى من الآخرين، وكان يصف بعضهم بمجرد موظفين، مع نبرة من الاحتقار في حديثه عنهم. لكن الملاحظة التي تبدو أكثر أهمية في كلامها تتعلق بشيء آخر، وهو علاقته بالناس. فبحسب بار، كانت المعضلة الأساسية في هذا الجانب تتمثل في المصداقية والتعاطف والاهتمام بالآخرين والقدرة على إقامة صلة شخصية معهم. وكانت ترى أن ما تسميه "طبقة العلاقات" ضعيف جداً عنده، في حين أن "طبقة الانطباع" كانت قوية. وبعد أكثر من ثلاثين عاما تقول إنها ما زالت ترى الأمر على النحو ذاته تقريباً، إذ لم يتغير نتنياهو كثيراً بهذا الاتجاه، فمازالت المصداقية نقطة الضعف الأبرز في صورته، وهي نقطة ظلت الدراسات التي أجرتها حوله تسجلها بدرجات منخفضة.
طيب... حين أنظر، إلى هذا النتنياهو من موقع الصراع السياسي والتاريخي، أراه يختلف عن الصورة التي تقدمها الشاشات، ولا أحتاج إلى استعارة نظرية روث بار كي أضعه في سياقه السياسي. فبالنسبة إلي، هو قبل كل شيء صهيوني عنصري متطرف يقود دولة استعمارية ذات مشروع استيطاني يهدف إلى اقتلاع الفلسطينيين والاستيلاء على أرضهم . هذه حقيقة سياسية لا تغيرها مهاراته أمام الكاميرا، ولا الطريقة التي يبتسم بها أو يميل برأسه أو يرفع إصبعه وهو يتحدث. حتى وإن كان يظهر أمام الملايين في هيئة أخرى هادئة وواثقة.
قد تكون هذه الصورة جزءً حقيقياً من شخصيته، وقد لا يكون الرجل خلفها مختلفاً عنها تماما. لكن الصورة ليست بريئة أيضاً. فقد جرى العمل عليها سنوات طويلة، وراقبها أشخاص مثل روث بار وهي في طور التشكل، واختبروا ما الذي ينبغي أن يبقى في الواجهة وما الذي من الأفضل أن يبقى خارجها.
وهذا لا يمنع من النظر إلى الطريقة التي صارت بها تلك الصورة جزءً من قوته السياسية. فمنذ سنوات، لفت محللون في لغة الجسد إلى الطريقة التي يستخدم بها ميليكوفسكي (وهذا اسمه الأصلي) عينيه ويديه وملامح وجهه وحركات رأسه، وإلى قدرته على ضبط حضوره أمام الكاميرا. لا يمكن بالطبع تحويل حركة يد أو نظرة عين إلى دليل على ما يدور في داخله؛ فلغة الجسد أكثر تعقيداً من ذلك. لكن تكرار هذه الحركات، وارتباطها بطريقة إلقائه الكلام، يجعلان من الصعب اعتبار حضوره التلفزيوني أمراً عفويا بالكامل. مما يجعل من كلمات روث بار السابقة ذات مغزى ، وبالأحرى أكثر إثارة للاهتمام. فهي، على حد قولها، لم تكن تراقب أفكاره السياسية وحدها، وإنما كانت تراقب من سيقدم هذه الأفكار إلى الجمهور. وما الذي ينبغي أن يظهر منه؟ وما يحتاج إلى تعديل؟ وما الصورة التي يمكن للجمهور تصديقها؟ وأي جانب من شخصيته ينبغي له تصدر المشهد؟
يذكرنا هذا من زاوية معينة، والشيء بالشيء يذكر كما يقال، بطريقة تفكير إدوارد بيرنيز في الإقناع وصناعة الرأي العام. بيرنيز، الذي يعد من مؤسسي العلاقات العامة الحديثة، لم يكن يتعامل مع الجمهور كمجموعة من الأفراد الذين ينتظرون المعلومات كي يتخذوا قراراتهم، وإنما كان ينظر إلى رغباتهم ومخاوفهم والصور الذهنية الموجودة أصلاً عندهم ، ثم يبحث عن الطريقة التي يمكن بها ربط فكرة أو منتج أو شخص بهذه الرغبات والصور.[3]
لا أعرف إن كانت روث بار قد درست بيرنيز أو تأثرت به مباشرة، ولا أملك دليلاً يسمح بهذا القول. لكن التشابه في طريقة التفكير يستحق التوقف عنده. المثال الأشهر عند بيرنيز هو حملة سجائر Lucky Strike في عشرينيات القرن الماضي. كان المطلوب توسيع سوق التدخين بين النساء، فجرى البحث عن معنى يمكن أن ترتبط به السيجارة في ذهن المرأة، وربط التدخين بفكرة الاستقلال والتحرر والمساواة. وفي عام 1929 ظهرت مجموعة من النساء وهن يدخن في مسيرة عيد الفصح في نيويورك، وقدمت الصحافة المشهد باعتباره تعبيراً عن حرية المرأة.[4] كان المشهد منظماً بعناية، واختيرت النساء ورتبت التغطية الصحفية بحيث يبدو الحدث وكأنه مبادرة تلقائية من نساء يعلنّ حقهن في الحرية [5].
المهم هنا عمل آلية الإقناع، فأنت لا تحتاج إلى تغيير رغبة موجودة عند الناس، وإنما تستطيع أن تعطيها شكلاً جديداً وتربط بها الشيء الذي تريد تسويقه. ويمكن رؤية هذه الآلية أو ما يشبهها في أبسط العلاقات اليومية. قد لا يريد الطفل أن يأكل أو يدرس لأن والديه يريدان منه ذلك، لكن إذا تغيرت الصورة التي يقدم بها الأمر إليه، وصار الطعام مرتبطاً بلعبة أو الدراسة مرتبطة بشيء يحبه، يصبح القرار في ظاهره قراره هو. لا يكون قد اكتشف فجأة قيمة الطعام أو الدراسة؛ الذي تغير هو الطريقة التي وصل بها الأمر إليه.
أما في السياسة فتصبح المسألة أكثر تعقيداً، لأن السلعة هنا هي الإنسان. والسياسي نفسه هو جزء من الرسالة، والجمهور لا يتعامل معه من خلال برنامجه وحده، وإنما من خلال الصورة التي تتكون عنه: هل يبدو قويا وقادراً على الحماية؟ هل يبدو قريبا من الناس وجديراً بالثقة؟ وما الذي يحدث عندما تكون بعض هذه الصفات موجودة بقوة في الصورة، بينما تكون ضعيفة في الشخص نفسه؟
روث بار كانت ترى نتنياهو منذ وقت مبكر من خلال هذا الانقسام. كانت تعرف أن قوته تكمن في الانطباع، وأن علاقته بالناس، من حيث المصداقية والتعاطف والاهتمام والقدرة على إقامة صلة شخصية، هي موضع ضعفه. وهي تزعم أنها اكتشفت هذه الملاحظات فيه قبل أن يصبح نتنياهو الذي نعرفه اليوم. ولعل قصة العام 1993 تقدم مثالاً واضحاً على ذلك. في 14 كانون الثاني 1993 ظهر نتنياهو على الهواء مباشرة في القناة الأولى الإسرائيلية واعترف بعلاقة مع مستشارته الاستراتيجية روث بار (التي كانت متزوجة من الطبيب شموئيل بار)، في وقت كان يستعد فيه لقيادة الليكود. كانت هناك قصة عن شريط جنسي يفترض أن يظهر إلى العلن، لكن الشريط لم يظهر قط، وتقول بار الآن إنه لم يكن موجوداً أصلاً. كان نتنياهو قد تعرض للتهديد والابتزاز، فاختار أن يسبق القصة باعتراف علني ويستعيد السيطرة على المشهد.[6]
هذه اللحظة مهمة في سياق ما تقوله بار عن "طبقة الانطباع"، إذ تجعل هذه الواقعة المسافة بينها وبين نتنياهو السياسي اقل وضحاً، ولم يكن اعتراف نتنياهو مجرد حديث عن علاقة شخصية؛ بقدر ما كان محاولة للسيطرة على الطريقة التي ستصل بها القصة إلى الجمهور. بدلاً من انتظار ما يحدد آخرون صورة الحدث. لقد اختار المواجهة بالظهور أمام الكاميرا وحده، واختار اللحظة والكلمات والإطار الذي يريد أن يتلقى الناس من خلاله القصة.
تقرأ بار نفسها ذلك على أنه محاولة لاستعادة السيطرة على الانطباع، حتى لو لم نعرف إلى أي حد أثرت العلاقة الخاصة في عملها معه.
من الصعب قراءة هذه التفاصيل باعتبارها مجرد حكايات عن بدايات نتنياهو السياسية، فشيطان التفاصيل يكشف شيئاً آخر. فنتنياهو، الذي كان يحمل في داخله إحساساً قوياً بالتفوق، والذي كانت لديه مشكلة في بناء العلاقة الإنسانية والمصداقية، كان في الوقت عينه محاطاً بأشخاص يراقبون ظهوره ويحللون صورته ويختبرون تأثير كلامه وحركاته على الجمهور.
وفي السنوات اللاحقة طورت بار نموذجاً أكثر تفصيلاً لما تسميه طبقات الشخصية السياسية، ومنها الانطباع والعلاقات والحماية. وهي ترى أن نتنياهو كان قوياً في مجالي الانطباع والحماية، وضعيفا في مجال العلاقات. وتقول إن هذا التفوق في الحماية كان من مصادر قوته السياسية، بينما تعرضت صورته بعد السابع من تشرين الأول إلى ضرر في المجالين معاً [7]
حتى اقتراحها للخصم السياسي يكشف الطريقة التي تنظر بها إلى السياسة. فهي لا تنصح، مثلا، بمنافسته في المجال الذي يتفوق فيه، أي الأمن والحماية، وإنما بالدخول إلى المجال الذي يضعف فيه: أن يقول المنافس "أنا أهتم بالناس، وأنا من سيعتني بهم"، وأن يترك لنتنياهو موقعه في الحديث عن الأمن[8]. السياسة عندها تبدو، في جانب منها، عملية تحديد للمساحة التي ينبغي أن يتحرك فيها كل سياسي، وللصورة التي يجب أن تصل إلى الجمهور.
حين نشاهد نتنياهو أمام الكاميرا، نرى نتاج سنوات من التدريب والمراقبة والتجربة والتعديل، وأشخاصاً درسوا طريقة ظهوره وكلامه وحركته واستجابة الجمهور له.
ربما هذا هو الجانب الأكثر إثارة في عودة روث بار إلى الكلام بعد كل هذه السنوات: أنها لا تتحدث فقط عن نتنياهو الذي عرفته، وإنما تفتح نافذة على الطريقة التي جرى بها بناء الصورة التي صار العالم يعرفها باسم بنيامين نتنياهو.
من واقع ما كشفته في وثائقها ومقابلتها الأخيرة (بالتزامن مع كتابها الجديد الصادر بالعبرية بعنوان "מוח תחת השפעה" والذي يُترجم حرفياً إلى "دماغ تحت التأثير)، ساعدت روث بار نتنياهو على الظهور والصعود عبر عدة ركائز استراتيجية مستوحاة من صميم تخصصها، فعمدت إلى صناعة شخصية الخبير الشامل بتوجيه نتنياهو لاعتماد رسائل واضحة، قصيرة، وحازمة تثبت إلمامه الكامل بالقضايا وتجاوز فكرة كونه مجرد وافد جديد على الحزب (الليكود). ودربته على فرض إيقاعه وروايته الخاصة وروح المبادرة وعدم الاكتفاء بدور "المجيب" على أسئلة الإعلاميين في المقابلات التلفزيونية، كما ركزت على توظيف "غريزة الحماية والعداء في مخاطبة مخاوف الناخبين النفسية العميقة، وصقلت لغة جسده، واستخدام كلمات عاطفية محددة مثل "نحن"، لإبراز الكاريزما والسلطوية وصورة القائد الحامي لجمهوره (وهي الفكرة الجوهرية لبيرنيز في قيادة القطيع عبر العاطفة لا العقل). ولعل من أهم ما قدمت بار لنتنياهو مساعدته في تحديد الخصم وبناء استراتيجيات هجومية شرسة تستهدف الخصوم السياسيين (مثل دافيد ليفي آنذاك)، والعمل على تشويه أو إضعاف صورتهم العامة بشكل ممنهج لإبراز تفوقه الشخصي عليهم.
الهوامش
[1] Ben Caspit, “Ruth Bar breaks silence on her 1993 affair with Netanyahu, his early political rise – interview”, The Jerusalem Post, 4 September 2026. المقابلة هي المصدر الأساسي لما تنقله المقالة عن عمل روث بار مع نتنياهو وملاحظتها المبكرة لشعوره بالتفوق وضعف "طبقة العلاقات" لديه. و يتناول الحوار عملها كمستشارة استراتيجية ومستطلعة رأي لنتنياهو كما يتطرق إلى قصة الاعتراف التلفزيوني عام 1993، والفريق المحيط به في تلك المرحلة، إضافة إلى نموذجها الحالي عن طبقات السياسي. للمزيد انظر هنا: https://www.jpost.com/israel-news/politics-and-diplomacy/article-907577
[2]. عندما سألها بن كسبيت كيف بدأت العلاقة المهنية، قالت إن نتنياهو كان يريد منها أن تشاهد ظهوره التلفزيوني وتحلله. ثم طلب منها أن تحضر مناسباته أمام جمهور من أعضاء الليكود وتحلل أداءه هناك أيضا. وفي إحدى المناسبات لاحظت أن الجمهور لم يكن يصغي إليه وأنه "ضاع" أمامه. عملت معه على هذه المشكلة. وتقول بوضوح إنه "لم يكن نتنياهو اليوم"، وإنما كان في بداية طريقه، وكان يحتاج إلى المساعدة، وكان يعرف أنه يريد أن يصعد "حتى الطابق الأعلى"
https://www.timesofisrael.com/liveblog_entry/netanyahus-former-strategic-adviser-gives-first-interview-since-pm-revealed-affair-on-live-tv-in-1993/. كانت روث بار كانت جزءً من الفريق الذي ساعد على تحويل نتنياهو من سياسي صاعد إلى منتج سياسي مصقول، بطريقة تظهر كيف أصبحت الشخصية السياسية على العموم مادة للدراسة، والجمهور موضوعاً للتجربة، والصورة التي تصل إلى الجمهور تصبح شيئا يمكن تصميمه وتحسينه. فعلى سبيل المثال استخدمت بار ظهور نتنياهو على شاشات التلفزيون كمادة للدراسة. فظهوره المتكرر سمح لها بالمقارنة بين أداء وآخر، وملاحظة ما يتغير وما يبقى ثابتا. وتوجد قرائن قوية على طبيعة العمل الذي كانت تقوم به، فقد كانت تدرس ظهوره، وتقيس صورته أمام الجمهور، وتقارن موقعه بمنافسيه، وتعمل على "بناء" شخصيته السياسية. وهي نفسها تصف نتنياهو في تلك المرحلة بأنه كان نوعا من "ميدان التدريب" لنماذجها، لأنه كان يظهر باستمرار أمام الكاميرا. انظر هنا https://ua.news/en/world/rut-bar-upershe-rozpovila-pro-robotu-z-netaniagu-na-pochatku-iogo-karieri
[3] انظر، Edward L. Bernays, Propaganda, Horace Liveright, New York, 1928. يشرح إدوار بيرنيز (1891–1995) في أعماله العلاقة بين علم النفس الجماعي والرأي العام ووسائل التأثير فيه، ويتعامل مع فهم الدوافع والرغبات والمصالح بوصفه جزءً أساسياً من صناعة الاتصال الجماهيري. يعد بيرنيز من أبرز مؤسسي العلاقات العامة الحديثة، وقد اهتم باستخدام علم النفس لفهم دوافع الجمهور وتغيير مواقفه. الفكرة الأساسية في طريقته أن الإقناع لا يبدأ دائماً من الشيء المراد بيعه أو الفكرة المراد قبولها، وإنما من الدوافع والصور والقيم الموجودة أصلاً لدى الناس، ثم يجري ربط الشيء بهذه الدوافع بحيث يبدو الاختيار في النهاية تعبيراً عن رغبة شخصية. وفي مقال له نشره عام 1928 بعنوان Manipulating Public Opinion: The Why and The How يقول إن تغيير الرأي العام يتطلب فهم دوافع الناس ومعرفة المصالح التي تمثلها الجماعات، واستخدام وسائل الاتصال المناسبة للوصول إليها، وتكمن طريقة الإقناع عبر تغيير البيئة الرمزية المحيطة بالشيء، حتى يصبح القبول به أقرب إلى اختيار يبدو نابعاً من الشخص نفسه. كان بيرنيز واضحاً في أهمية فهم دوافع الفرد والجماعة، وفي استخدام وسائل الاتصال القائمة لتعديل وجهة نظر الجمهور. وقد خصص في كتابه المذكور أعلاه" البروباغاندا" فصلاً لـ«علم نفس العلاقات العامة» The Psychology of Public Relations وآخر للعلاقة بين الدعاية والقيادة السياسية Propaganda and Political Leadership. وحسب بيرنيز، يكمن الفارق بين الأمر والإقناع في أن الأول يطلب السلوك مباشرة، أما الإقناع فيحاول تغيير المعنى الذي يجعل السلوك مرغوباً. وفي الإعلانات والسياسة والعلاقات اليومية يمكن أن تتغير الأدوات، لكن المبدأ يبقى قريباً من ذلك، أي الوصول إلى الرغبة الموجودة عند الشخص، ثم ربطها بالشيء أو الشخص أو الفكرة التي نريد منه أن يقبل بها. وعند نجاح العملية، قد لا يعود الإنسان يشعر بأن أحدا أقنعه بشيء؛ يشعر أنه وصل إلى الاختيار بنفسه. للمزيد انظر:https://www.jstor.org/stable/2765989?seq=1
[4] آلية الإقناع عند بيرنيز تقوم على فكرة بسيطة لكنها عميقة: الإنسان لا يشتري الشيء دائما لحاجته إليه، وإنما لما يمثله هذا الشيء في ذهنه. لذلك لا يبدأ الإقناع من المنتج، وإنما من الرغبة التي يمكن ربط المنتج بها. إذا أمكن جعل السيجارة رمزا للحرية، أو السيارة رمزا للاستقلال والمكانة، فإن الشخص لا يشعر أنه استجاب لإعلان تجاري؛ يشعر أنه اختار شيئا ينسجم مع الصورة التي يريدها عن نفسه. لهذا كان يهتم بالرأي العام، والصحافة، والمشاهير، والرموز الاجتماعية، أكثر من اهتمامه بالإعلان المباشر وحده. المطلوب أن تتغير البيئة المحيطة بالشيء أولا، ثم يأتي الاختيار الفردي داخل هذه البيئة وقد أصبح يبدو طبيعيا. لا يقال للناس: «اشتروا هذا لأنه جيد»، وإنما تصنع حوله دلالة تجعلهم يرغبون فيه من تلقاء أنفسهم. وفي السياسة يمكن أن تعمل الآلية نفسها: لا يجري تقديم السياسي بوصفه مجموعة برامج ومواقف فقط، وإنما يجري ربطه بصورة أو قيمة أو شعور يريد الجمهور أن يراه في نفسه. عند هذه النقطة يصبح الإقناع أقل شبها بالأمر المباشر، وأكثر شبها بصناعة الظروف التي تجعل الاختيار يبدو تلقائيا. ففي حملة Lucky Strike، استعان بيرنيز بأفكار مستمدة من التحليل النفسي لربط تدخين النساء بمعاني القوة والاستقلال والتحرر، ثم جرى تنظيم ظهور نساء يدخن السجائر في مسيرة عيد الفصح في نيويورك عام 1929 وتقديم المشهد للصحافة بوصفه احتجاجاً من أجل حرية المرأة.
[5]. لم يكن مشهد "مشاعل الحرية" حدثاُ عفوياً بالمعنى الذي قد توحي به التغطية الصحفية. كانت الحملة منظمة، واختيرت المشاركات، وجرى ترتيب التصوير والتغطية الصحفية، بحيث يتحول الحدث ذاته إلى مادة إعلامية تؤدي وظيفة الحملة. والجانب المسرحي في حملة "مشاعل الحرية" مهم لفهم آلية الإقناع. فالمشاركات جرى اختيارهن، ووضع تعليمات لظهورهن، والتخطيط لطريقة إشعال السجائر والحركة في المسيرة، مع الاهتمام بتوفير صور يمكن أن تصل إلى الصحافة. لذلك تبدو الواقعة، عند النظر إلى وثائق الحملة، أقرب إلى حدث إعلامي مصمم ليظهر كأنه حدث عفوي. يوثق مركز Center for the Study of Tobacco and Society في جامعة ألاباما تعليمات بيرنيز المتعلقة باختيار النساء وتنظيم مشاركتهن، كما توثق دراسة أكاديمية أخرى كيفية استخدام الصور والتغطية الصحفية في تحويل الحدث إلى حملة عامة. علماً أن بيرنيز استشار المحلل النفسي أبراهام بريل حول الدلالة النفسية والاجتماعية للتدخين لدى النساء، ثم ربط التدخين بمفردات الحرية والتحرر من القيود الاجتماعية. في عيد الفصح عام 1929 ظهرت مجموعة من النساء وهن يدخن في المسيرة العامة في نيويورك، وقدمت الواقعة للصحافة باعتبارها احتجاجا على التمييز ضد النساء. توثق الجمعية الأميركية لعلم النفس خلفية الحملة وعلاقة بيرنيز ببريل وبشركة أميركان توباكو . للمزيد انظر: https://www.researchgate.net/publication/267899685_Lighting_the_Way_to_the_Day_When_Women_Would_Smoke_As_Casually_As_Men_Newspaper_Coverage_of_the_1929_Torches_of_Freedom_Campaign
[6]. مصدر سابق Ben Caspit, “Ruth Bar breaks silence”,. https://www.jpost.com/israel-news/politics-and-diplomacy/article-907577. يقال أن زوجته تلقت اتصالاً يهدد بنشر شريط يثبت العلاقة بين زوجها وبين روق بار ، مما دفع نتنياهو للاعتراف الفوري بها على الهواء مباشرة في القناة الأولى الإسرائيلية مستبقاً الابتزاز، وهي القضية الشهيرة التي عُرفت آنذاك بـ "قضية الشريط الساخن" https://arabic.euronews.com/2026/09/07/netanyahu-ruth-bar-hot-tape-toxic-machine-likud
[7]. مصدر سابق Ben Caspit, “Ruth Bar breaks silence”,. https://www.jpost.com/israel-news/politics-and-diplomacy/article-907577
[8]. مصدر سابق Ben Caspit, “Ruth Bar breaks silence”,. https://www.jpost.com/israel-news/politics-and-diplomacy/article-907577



#محمود_الصباغ (هاشتاغ)       Mahmoud_Al_Sabbagh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة: كتاب قديم، وقارئ آخر، و ...
- عن الطوفان وأشياء أخرى (69)
- عن الطوفان وأشياء أخرى (68)
- التحرر من الاستعمار أم التحرر من صورته؟
- إسرائيل وحرب الإبادة في غزة داخل إجابات الذكاء الاصطناعي
- عن الطوفان وأشياء أخرى (67)
- البحر بيضحك ليه
- ديمقراطية الأسياد: من المشروع الصهيوني إلى دولة -الشعب- اليه ...
- أخلاق الهيمنة وصنع الآخر:خفايا -تاجر البندقية-
- عن الطوفان وأشياء أخرى (66)
- عن الطوفان وأشياء أخرى (65)
- عن الطوفان وأشياء أخرى (64)
- لوبي إسرائيل والسياسة الخارجية الأميركية
- شتاء تورينو: المشهد الأخير
- قراءة في كتاب أنبياء مزيفون، مفهوم العبث في أعمال كامو وديست ...
- تأملات في اللاعنف
- حقيقة اكتشاف إيلات مزار لقصر الملك داود.
- علم الآثار تحت الحكم العسكري: الأثر والتراث أدوات سيادة استي ...
- السلام الإبراهيمي: لاهوت السردية الجيوسياسية
- كيف يعيد المشفى صياغة الإنسان الحديث؟ تأملات في الرعاية والض ...


المزيد.....




- ترامب: من المبكر جدا دعم ترشيح فانس للرئاسة في 2028
- رسائل مصرية مباشرة لإيران بشأن الخليج والملاحة البحرية.. ماذ ...
- متحدث باسم الجيش المصري: لسنا بمنأى عما يحدث حولنا من حروب
- اتصالات خليجية مكثفة بعد تأجيل اجتماع صلالة بشأن مضيق هرمز
- ترامب يتعهد بدراسة الكشف عن وثائق سرية مرتبطة بهجمات 11 سبتم ...
- إيران: تأجيل اجتماع صلالة جاء بناء على طلب بعض دول المنطقة و ...
- تمرد برلماني على جدول الأعمال.. 63 نائبا يعلنون مقاطعة جلسة ...
- واشنطن تعلن استعدادها لتزويد إيران بالوقود النووي
- كوشنر يشن هجوما جديدا على إسرائيل.. ما علاقة قطر؟
- معارك باليمن وقصف على السعودية


المزيد.....

- إتفاقية أوسلو، مسار التسوية ومخطط تفكيك مرتكزات المشروع الوط ... / فهد سليمان
- في الطريق إلى الكنيست 26 المشهد السياسي – الحزبي في ال 48 / محمد السهلي
- لوبي إسرائيل والسياسة الخارجية الأميركية / محمود الصباغ
- خطة ترامب: بين النص والتطبيق / معتصم حمادة
- المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا ... / غازي الصوراني
- إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب / محمود الصباغ
- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني
- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي ... / غازي الصوراني


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود الصباغ - الصورة التي سبقت صاحبها: صناعة الإقناع