أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات - حنان محمد السعيد - -استعباد النساء-: بين وهم التحرر وعبودية الابتزاز العاطفي














المزيد.....

-استعباد النساء-: بين وهم التحرر وعبودية الابتزاز العاطفي


حنان محمد السعيد
كاتبة ومترجمة وأخصائية مختبرات وراثية

(Hanan Hikal)


الحوار المتمدن-العدد: 8824 - 2026 / 9 / 10 - 12:05
المحور: حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات
    


حين كتب المفكر الإنجليزي جون ستيوارت ميل رائعته "استعباد النساء" عام 1869، لم يكن يدافع عن مجرد حقوق مدنية، بل كان يفكك أعرق نظام استبدادي عرفه التاريخ البشري؛ النظام الذي يخلع عن الإنسان إنسانيته ويحوله إلى تابع بلا إرادة.

الزوجة مقابل العبد

لقد عقد ميل مقارنة صادمة وجريئة بين الوضع القانوني والاجتماعي للزوجة في ظل المؤسسة الزوجية التقليدية، وبين "العبد" بالمعنى الحرفي؛ فالعبد وإن كان أتعس حظاً في بعض المحطات التاريخية، إلا أن الزوجة في ظل المنظومة الأبوية أُسدلت عليها قيود لا تقتصر على الجسد والمال، بل تمتد لتستعمر الروح والوجدان.

والأدهى من ذلك، أن ميل أشار ببراعة إلى ما سمّاه "الخضوع الطوعي المصطنع"، حيث يُربى المجتمع النساء على تقديس قيودهن، ويُقنع الرجال بأن امتيازاتهم المطلقة هي "قانون الطبيعة".
العمى الجندري

لكن الكارثة الحقيقية التي تكشفها مجتمعاتنا المعاصرة تكمن في أن هذه الصورة النمطية لم تندثر، بل ارتدت أقنعة مخادعة.

فاليوم، يتخيل المجتمع أننا تجاوزنا عصر الوصاية والاستعباد لمجرد أن المرأة نالت حقها في التعليم أو اقتحمت سوق العمل، وكأن الأرقام والإنجازات تكفي وحدها لتحرير العقل الجمعي.

المجتمع هنا يعاني من "عمى طبقي جندري" حاد؛ فهو لا يكاد يرى أين يقف الذكر وأين تقف الأنثى، بل يسطح المشهد كله ليمنح صكوك الفضل والسيادة للذكر لمجرد كونه ذكراً، بغض النظر عن كفاءته، أو نضجه، أو عجزه المخزي.

تتجسد هذه المأساة في أقسى صورها حين تقف امرأة تتمتع بالكفاءة، انتزعت نجاحها بجهد خارق في مجالات علمية دقيقة، وأسست بجهدها المنفرد استقرار أسرتها ومستقبل أبنائها، لتصطدم بواقع يعاملها كآلية إنتاج لا كشريكة؛ حيث يمارس الطرف الآخر –الذي يعاني من اتكالية ونضج غائب– أنواع الابتزاز كافة، مستنداً إلى موروثات ثقافية تمنحه الوصاية المطلقة وصكوك التحكم، معتبراً أن مجرد وجوده أو "موافقته" الشورية هي منحة عظيمة يتفضل بها على من تواجه وتتخطى الصعاب بكل بسالة.

هنا تماماً ينهار الفارق الذي تتشدق به المدنية الحديثة؛ فالمرأة وإن خرجت للعمل وحازت الشهادات، إلا أنها غالباً ما تظل محاصرة في قفص الاستنزاف النفسي والجهد المضاعف، فإذا ما طالبت بالاحترام والشراكة العادلة، أشهر في وجهها سلاح القوانين المجحفة أو الضغوط الاجتماعية الجائرة.

إنها صرخة متجددة تؤكد أن جون ستيوارت ميل لم يكن يكتب عن تاريخ منقضي، بل كان يكتب محضر اجتماع لواقعنا المعاصر الذي يحتاج لا ثورة تعليمية فقط، بل ثورة أخلاقية تنسف هذا العفن الذكوري المستبد من جذوره.
الإسقاط الواقعي على وضع المرأة الشرقية المعاصرة

(استناداَ إلى مفارقة: التعليم والعمل مقابل غياب نضوج الرجل والمسؤولية)

إن الواقع المعاصر لقطاع واسع من النساء الشرقيات يطرح "استعباداً مقنعاً" أو استعباداً من نوع جديد؛ فهو ليس استعباد الجهل أو الحرمان من العمل، بل هو استعباد الجهد المضاعف والاستنزاف النفسي، ويمكن تحليله عبر النقاط التالية:

مفارقة التمكين الشكلي والعبء المزدوج

الواقع: باتت المرأة الشرقية متعلمة تعليماً عالياً، وتشغل وظائف كبرى، وتتحمل جزءاً كبيراً أو أحياناً كاملاً من الإنفاق المالي على الأسرة، إضافة إلى دورها التقليدي الحصري في رعاية المنزل والأطفال.

الاستعباد هنا: تحولت المرأة إلى "آلة إنتاج وعطاء" مستمر، بينما يُعفى الرجل ثقافياً ومجتمعياً من عبء المشاركة الحقيقية في التفاصيل اليومية للمنزل أو التربية، تحت مظلة موروثات ثقافية تكرس اتكاليته.

أزمة "الذكورة غير الناضجة" والاتكالية المفرطة

الواقع: يعاني كثير من الذكور في هذه البيئات من أزمة عميقة في النضوج النفسي وتحمل المسؤولية (Emotional & Financial Immaturity)، حيث تربى الذكر على أنه "السيد" لمجرد كونِه ذكراً، بغض النظر عن كفاءته أو مساهمته.

الاستعباد هنا: تجد المرأة نفسها تعول طفلاً كبيراً (الزوج) يفتقر إلى القدرة على إدارة الأزمات أو الشراكة الوجدانية والمادية، مما يضعها في قفص المسؤولية المطلقة دون سند، وهو وجه آخر من أشكال الاستعباد الذي تحدث عنه ميل، حيث يُطالب الطرف الضعيف بالواجبات كاملة ويُمنح القوي الامتيازات بلا التزامات.

استمرار الهيمنة الأبوية تحت غطاء "المال المستباح"

الواقع: تنفق المرأة من عرقها وجهدها على بيتها وأسرتها، لكن القرار النهائي، والوصاية الاجتماعية والنفسية، بل وحتى السيطرة على القرار الأسري قد تبقى رهينة لعقلية ذكورية قاصرة.

الاستعباد هنا: يُستغل تفاني المرأة واستقرارها النفسي وحرصها على الأبناء كأداة ضغط ضدها؛ فهي تعمل وتنفق وتتحمل، ولكنها لا تملك حق المناقشة أو تقاسم السلطة الأسرية بعدالة، تماماً كما وصف ميل الزواج التقليدي بأنه شراكة بين سيد وتابع.

الخلاصة النقدية

إذا كان جون ستيوارت ميل قد حارب في القرن التاسع عشر من أجل حق المرأة في العمل والتعلم كبوابة للتحرر، فإن مأساة المرأة الشرقية اليوم تكشف عن بعد أعقد: أن التحرر الاقتصادي والتعليمي وحدهما لا يكفيان إن لم يتزامنا مع ثورة ثقافية وأخلاقية تعيد صياغة مفهوم "الرجولة" و"المسؤولية المشتركة".

فاستعباد اليوم لم يعد قيداً قانونياً يمنع المرأة من الخروج للعمل، بل هو قيد ثقافي يستنزف طاقاتها داخل البيت وخارجه مع رجل يرفض أن ينضج.



#حنان_محمد_السعيد (هاشتاغ)       Hanan_Hikal#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الميسوجينية: قصة الكائن الذي كره نصفه الآخر
- وهم الفحولة وتجارة الأوهام: لماذا يخافون من وعي النساء؟
- التحول الاجتماعي لمكانة المرأة المصرية عبر التاريخ: من السيا ...
- وقائع القصة الحقيقية: كيف دمر الـ FBI حياة جين سيبرغ؟
- بين تزييف التاريخ وحقائق الجغرافيا: الهوية المصرية في مواجهة ...
- بين جدران بوخارست: صدى سيكوريتات تشاوشيسكو في فيلم Watcher
- الميزان المائل: عن -عقدة الملكية- وعقم التفكير في مجتمع -تعل ...
- عصر محاكم التفتيش الرقمية: عندما تصبح -النوايا- جريمة تقنية
- ظاهرة -الارتداد الجيني-: من مروّض الأسود إلى -الليتل برنس-
- من -Where is My Daddy- إلى -Daddy is Home-: الخوارزميات حين ...
- خلف الأقنعة المقدسة: وحدة القالب النفسي للمتشددين عبر الأديا ...
- هل يجوز ذبح النساء وأكلهن؟.. عن بيولوجيا الإخضاع ووراثة المه ...
- السردية الكبرى: كيف يُعيد الاستعمار الاستيطاني إنتاج نفسه عب ...
- الطب النفسي كسلاح: كيف تتحول الحقيقة إلى وهم خطير
- هل -الإعلانات التي تقرأ الأفكار- مجرد مصادفة؟ تقنية عمرها نص ...
- الطفل الذهبي
- عصر الكلاب
- فارس من هذا الزمان
- حكاية ليلى
- دولة سارّاس


المزيد.....




- لماذا ترتفع مستويات تعليم النساء في مصر وتنخفض مشاركتهن في س ...
- خلايا مناعية في الرحم تحمل مفتاح إنهاء معاناة ملايين النساء ...
- سوق العمل وقدرة البالغين على إعالة الأسرة
- الأمم المتحدة للمرأة: أكثر من 86 ألف أسرة تعيلها نساء في غزة ...
- ناشطات حقوق المرأة يتظاهرن في باريس احتجاجا على قانون العنف ...
- نائب مستقيل وطن: سنفتح المجال أمام الشباب والمرأة والكوادر ا ...
- المغرب: مقتل امرأة بالرصاص وتوقيف زوجها في وجدة
- حملات تضليل ممنهجة تطارد “عاملات” المنظمات الدولية في اليمن ...
- الأمم المتحدة للمرأة: 86 ألف أسرة تعيلها نساء في غزة
- المغرب: شاب يعتدي على والدته والشرطة تحقق


المزيد.....

- بمناسبة 8مارس اليوم العالمى للمرأة ننشر:مقتطف من كتاب (النسا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- تصاعد حضور المرأة في مراكز صنع القرار، تجربة الدنمارك أنموذج ... / بيان صالح
- الحقو ق و المساواة و تمكين النساء و الفتيات في العرا ق / نادية محمود
- المرأة والفلسفة.. هل منعت المجتمعات الذكورية عبر تاريخها الن ... / رسلان جادالله عامر
- كتاب تطور المرأة السودانية وخصوصيتها / تاج السر عثمان
- كراهية النساء من الجذور إلى المواجهة: استكشاف شامل للسياقات، ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- الطابع الطبقي لمسألة المرأة وتطورها. مسؤولية الاحزاب الشيوعي ... / الحزب الشيوعي اليوناني
- الحركة النسوية الإسلامية: المناهج والتحديات / ريتا فرج
- واقع المرأة في إفريقيا جنوب الصحراء / ابراهيم محمد جبريل
- الساحرات، القابلات والممرضات: تاريخ المعالِجات / بربارة أيرينريش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات - حنان محمد السعيد - -استعباد النساء-: بين وهم التحرر وعبودية الابتزاز العاطفي