أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات - حنان محمد السعيد - التحول الاجتماعي لمكانة المرأة المصرية عبر التاريخ: من السيادة القانونية في مصر القديمة إلى التدهور المعاصر وتحليل المؤثرات الدخيلة















المزيد.....

التحول الاجتماعي لمكانة المرأة المصرية عبر التاريخ: من السيادة القانونية في مصر القديمة إلى التدهور المعاصر وتحليل المؤثرات الدخيلة


حنان محمد السعيد
كاتبة ومترجمة وأخصائية مختبرات وراثية

(Hanan Hikal)


الحوار المتمدن-العدد: 8775 - 2026 / 7 / 23 - 15:01
المحور: حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات
    


في الوقت الذي كانت فيه الحضارات المجاورة تئد البنات تحت التراب خوفاً أو عاراً، وتعتبر المرأة مجرد ملكية خاصة تُورَث كالأنعام والأثاث، كانت أرض النيل تُقيم للأنثى أرفع منازل الإجلال. لم تكن المرأة في مصر القديمة مجرد شريكة للحياة، بل كانت "ملكة الملكات"، ورمزاً للحكمة والدفء والحياة، وشريكة المساواة الكاملة في دولة أدركت بميزان "ماعت" (العدل والميزان الكوني) أن الأمة لا تستقيم بقدم واحدة.
يهدف هذا المقال إلى تحليل المسار التاريخي لمكانة المرأة المصرية، بدءاً من عصر مصر القديمة وصولاً إلى الواقع المعاصر. لبيان أن التدهور الراهن في التعامل مع المرأة داخل المجتمع المصري ليس امتداداً للهوية الحضارية المحلية، بل هو نتيجة لتداخل عوامل الانكسار الحضاري الوافد والتحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الدخيلة على الثقافة الوطنية.
المصرية القديمة.. سيدة الحق والعرش
لم تكن مكانة المرأة في مصر القديمة منحة عابرة أو استثناءً تاريخياً، بل كانت جزءاً أصيلاً من الفلسفة العقائدية والقانونية للدولة. بينما حُرِمت المرأة في أثينا "ديمقراطية العصر القديم" من الحقوق المدنية وحُبست خلف الأبواب، كانت المصرية تتمتع بأهلية قانونية كاملة؛ تملك الأراضي، وتبرم العقود التجارية، وتقاضي أمام المحاكم، وتورّث وتَرِث بعيداً عن وصاية الرجل.
ولم يتوقف هذا التكريم عند الحدود المدنية، بل ارتقى ليصل إلى رأس السلطة السياسية والدينية. فجلست "حتشبسوت" على عرش إمبراطورية أذهلت العالم بصروحها وعمرانها، وخلدت الجدران اسم "إعح-حتب" كقائدة عسكرية ومحررة للوطن، وقادت "كليوباترا" المخططات السياسية لأعتى دول العصر. لم تكن المصرية تابعة، بل كانت شريكة الملك في إدارة ملكه، ومنحة الإله في توازنه الكوني.
تميزت الحضارة المصرية القديمة بنظام قانوني واجتماعي منح المرأة أهلية قانونية ومدنية كاملة، وهو ما ميّزها عن الحضارات المعاصرة لها كالإغريقية والبابلية. فقد نصّ الفكر الديني والسياسي المصري القديم — القائم على مفهوم "ماعت" (Ma at) أي العدل والنظام الكوني — على تحقيق التوازن بين الجنسين.
• الأهلية القانونية والمالية: كان للمرأة المصرية الحق في التملك، وإبرام العقود المالية، والتقاضي أمام المحاكم، والمطالبة بالطلاق دون حاجة لولاية الرجل (Brier & Hobbs, 2008).
• تقلد مناصب السيادة السياسية: لعبت المرأة المصرية دوراً قيادياً لم تبلغه النساء في حضارات أخرى خلال تلك العصور، ومن أبرز الأمثلة:
1. الملكة ميرنيت (Merneith - الأسرة الأولى): تُعدّ من أقدم الحاكمات في التاريخ البشري المدون، والتي أدارت شؤون البلاد بكامل السلطات الملكية.
2. الملكة hotep (Ahhotep I - الأسرة 18): لعبت دوراً قيادياً وعسكرياً حاسماً في حرب التحرير ضد الهكسوس، وحصلت على وسام "الذبابات الذهبية" كتقدير عسكري رفيع.
3. الملكة حتشبسوت (Hatshepsut - الأسرة 18): التي شهد عصرها طفرة معمارية وتجارية وسياسية استثنائية، وحكمت بلقب "فرعون".
4. الملكة تي (Tiye) والملكة نفرتيتي (Nefertiti): اللتان مارسَتا دوراً ديبلوماسياً وسياسياً محورياً في عصر العمارنة، حيث ظهرتا في النقوش بصور ترمز للشرعية والمساواة السياسية.
مقارنة بالبيئات الحضارية المجاورة
إذا كان الماضي بهذا الرقي، فمن أين أتى هذا التراجع الحالي في معاملة المصريات؟
إن التدهور الذي نشهده اليوم في بعض الأنماط السلوكية والاجتماعية تجاه المرأة ليس نتاجاً للجينات المصرية، ولا امتداداً للهوية الوطنية، بل هو عرض لداء "التجريف الثقافي". لقد تعرض العقل الجمعي المصري عبر العقود الأخيرة لموجات متتالية من الثقافات السطحية والدخيلة التي وفدت إلينا مع ظواهر البدوية الفكرية، والانغلاق الاجتماعي، والتردي الاقتصادي العام.
هذه الأفكار الغريبة زرعت مفاهيم تقوم على "الشيئية" والتهميش، واستبدلت ثقافة "إيزيس" و"سيدة الدار" بنظرة ضيقة تختزل المرأة في العورة أو العبء، وتجردها من حمايتها الفطرية والقانونية. وما هذا التردي في معاملة المرأة إلا جزء لا يتجزأ من حالة الانكسار العام والتدهور الذي طال مناحي الحياة كالمعمار، والفن، واللغة، والذوق العام.
عند مقارنة الوضع القانوني للمرأة المصرية القديمة بالمجتمعات المجاورة، يتضح التباين الثقافي والمؤسسي:
• الحضارة الإغريقية: أقصت المرأة الأثينية من الحياة العامة، وعاملتها كقاصر قانونياً (Fantham et al., 1994).
• المجتمعات القبلية والجاهلية: انتشرت فيها ممارسات سلب الإرث ووُأد البنات، واعتبار المرأة جزءاً من التركة والممتلكات الخاصة قبل ظهور التشريع الإسلامي في القرن السابع الميلادي.
أسباب التراجع المعاصر: تحليل العوامل الدخيلة للانكسار الحضاري
يرى المؤرخون وعلماء الاجتماع أن الانحدار في مكانة المرأة في مصر المعاصرة ينبع من عدة عوامل هيكلية وثقافية وافدة، أبرزها:
1. الهجرات العكسية والتغير الثقافي (الثمانينيات والتسعينيات):
أدى انتقال الملايين من العمالة المصرية إلى المجتمعات المحافظة في شبه الجزيرة العربية ثم عودتهم، إلى نقل مفاهيم اجتماعية وافدة غريبة عن البيئة المصرية الأصلية، مثل اختزال المرأة في النظرة السلبية وتهميش دورها الفاعل في المجال العام (الناقد والمؤرخ د. جلال أمين - "ماذا حدث للمصريين؟").
2. التراجعات الاقتصادية وانتشار الفقر:
أدت الأزمات الاقتصادية المتلاحقة إلى ارتفاع معدلات الأمية والبطالة، مما ينعكس دائماً في صورة ضغوط مادية واجتماعية تُمارس ضد الفئات الأكثر هشاشة وفي مقدمتهن النساء.
3. التراجع الثقافي والفني العام:
تراجع الخطاب التنويري والإعلامي الذي كان سائداً في بدايات القرن العشرين (مثل أفكار رفاعة الطهطاوي وقاسم أمين وهدى شعراوي)، واستبداله بمحتوى يعزز السطحية والسلوكيات الوافدة.
استعادة الهوية.. الطريق إلى المستقبل
إن ظاهرة تراجع مكانة المرأة المصرية في الوقت الراهن هي ظاهرة طارئة ودخيلة على النسيج الثقافي الأصيل، وليست امتداداً للتاريخ الفكري أو الحضاري لمصر. وإن استعادة التوازن الاجتماعي والتنموي يتطلب استدعاء الهوية الثقافية التاريخية التي تعاملت مع المرأة باعتبارها ركيزة أساسية للبناء الحضاري والاجتماعي.
إن قياس رقي الأمم — كما يخبرنا التاريخ — يبدأ دائماً من المكانة التي تحتلها المرأة في فكر مجتمعها وقوانينه. ولن تستعيد مصر ريادتها الحضارية والتنموية إلا إذا استعادت أولاً "الروح المصرية القديمة" في التقرّب والتقدير والاحتفاء بالمرأة.
إن حماية المرأة المصرية اليوم وتكريمها ليس مجرد مطلب حقوقي معاصر أو تقليد لموجات غربية، بل هو "استرداد للذات". هو عودة إلى القواعد الأولى التي بنيت عليها أول حضارة مدنية في التاريخ؛ حيث كانت الأنثى هي اللوتس التي تزهر، والعمود الذي يحمل سقف البيت والمملكة.
المراجع التاريخية والأكاديمية المقترحة (References)
1. أمين، جلال. (2000). ماذا حدث للمصريين؟ تطور المجتمع المصري في نصف قرن (1950-2000). دار الشروق.
2. Brier, B., & Hobbs, H. (2008). Daily Life of the Ancient Egyptians. Greenwood Publishing Group.
3. Fantham, E., Foley, H. P., Kampen, N. B., Pomeroy, S. B., & Shapiro, A. (1994). Women in the Classical World: Image and Text. Oxford University Press.
4. Tyldesley, J. (1995). Daughters of Isis: Women of Ancient Egypt. Penguin Books.



#حنان_محمد_السعيد (هاشتاغ)       Hanan_Hikal#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- وقائع القصة الحقيقية: كيف دمر الـ FBI حياة جين سيبرغ؟
- بين تزييف التاريخ وحقائق الجغرافيا: الهوية المصرية في مواجهة ...
- بين جدران بوخارست: صدى سيكوريتات تشاوشيسكو في فيلم Watcher
- الميزان المائل: عن -عقدة الملكية- وعقم التفكير في مجتمع -تعل ...
- عصر محاكم التفتيش الرقمية: عندما تصبح -النوايا- جريمة تقنية
- ظاهرة -الارتداد الجيني-: من مروّض الأسود إلى -الليتل برنس-
- من -Where is My Daddy- إلى -Daddy is Home-: الخوارزميات حين ...
- خلف الأقنعة المقدسة: وحدة القالب النفسي للمتشددين عبر الأديا ...
- هل يجوز ذبح النساء وأكلهن؟.. عن بيولوجيا الإخضاع ووراثة المه ...
- السردية الكبرى: كيف يُعيد الاستعمار الاستيطاني إنتاج نفسه عب ...
- الطب النفسي كسلاح: كيف تتحول الحقيقة إلى وهم خطير
- هل -الإعلانات التي تقرأ الأفكار- مجرد مصادفة؟ تقنية عمرها نص ...
- الطفل الذهبي
- عصر الكلاب
- فارس من هذا الزمان
- حكاية ليلى
- دولة سارّاس
- عيد ميلاد الكونت دراكولا
- دكاكين ابليس
- القفص اللامرئي


المزيد.....




- العثور على جثة مكتشف عارضات أزياء مرتبط بإبستين في باريس
- العثور على مسؤول توظيف عارضات أزياء مقرب من إبستين ميتا في ب ...
- “دخلني مصحة عشان ياخد ميراثي”..استغاثة شابة مصرية من عائلتها ...
- العراق يعلن تفكيك شبكتين للاتجار بالأطفال/ات وتحرير الضحايا ...
- تراجع دعم الشركات يهدد مستقبل الرياضة النسائية
- عدسة لاصقة غيرت حياتها.. امرأة بريطانية تفقد بصرها وتضطر لاس ...
- فضيحة داخل الشرطة الأمريكية.. ضابطة تمارس الجنس مع زميلها دا ...
- حملات الكراهية الرقمية تضيق مساحة حرية التعبير.. ناشطات وإعل ...
- البرلمان الفرنسي يقر عقوبة السجن المؤبد لمرتكبي الاغتصاب الم ...
- شيماء أبو سمرة لـ”شريكة ولكن”: أخي حرّض ابن شقيقتي القاصر عل ...


المزيد.....

- بمناسبة 8مارس اليوم العالمى للمرأة ننشر:مقتطف من كتاب (النسا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- تصاعد حضور المرأة في مراكز صنع القرار، تجربة الدنمارك أنموذج ... / بيان صالح
- الحقو ق و المساواة و تمكين النساء و الفتيات في العرا ق / نادية محمود
- المرأة والفلسفة.. هل منعت المجتمعات الذكورية عبر تاريخها الن ... / رسلان جادالله عامر
- كتاب تطور المرأة السودانية وخصوصيتها / تاج السر عثمان
- كراهية النساء من الجذور إلى المواجهة: استكشاف شامل للسياقات، ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- الطابع الطبقي لمسألة المرأة وتطورها. مسؤولية الاحزاب الشيوعي ... / الحزب الشيوعي اليوناني
- الحركة النسوية الإسلامية: المناهج والتحديات / ريتا فرج
- واقع المرأة في إفريقيا جنوب الصحراء / ابراهيم محمد جبريل
- الساحرات، القابلات والممرضات: تاريخ المعالِجات / بربارة أيرينريش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات - حنان محمد السعيد - التحول الاجتماعي لمكانة المرأة المصرية عبر التاريخ: من السيادة القانونية في مصر القديمة إلى التدهور المعاصر وتحليل المؤثرات الدخيلة