أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حنان محمد السعيد - بين تزييف التاريخ وحقائق الجغرافيا: الهوية المصرية في مواجهة -الأفروسنتريك-















المزيد.....

بين تزييف التاريخ وحقائق الجغرافيا: الهوية المصرية في مواجهة -الأفروسنتريك-


حنان محمد السعيد
كاتبة ومترجمة وأخصائية مختبرات وراثية

(Hanan Hikal)


الحوار المتمدن-العدد: 8708 - 2026 / 5 / 17 - 00:09
المحور: قضايا ثقافية
    


استغلال المآسي وتوجيه السرديات
من أعمق المآسي الإنسانية أن تُستغل آلام البشر وعذابات الأقليات التاريخية — كالسود أو اليهود وغيرهم — لا لرفع الظلم عنهم، بل لتحويل تلك المظالم إلى أدوات أيديولوجية لتحقيق مآرب غير شريفة.
إن تحوير السرديات التاريخية واختطاف حضارات الشعوب الأخرى تحت لافتة "مظلومية الماضي" لا يخدم العدالة، بل يزرع بؤر توتر صامتة ويخلق عداءً مجانياً بين الشعوب.
وعندما يتم تجريد أمة كالأمة المصرية من تراثها ونسبه لأطراف أخرى، فإن هذا لا يعدو كونه محاولة لتفكيك الهوية، وهو نوع من العدوان الثقافي الذي قد يمهد لصراعات وإقصاء متبادل، بل ويؤسس لخطاب كراهية يهدد السلم الإنساني.
الجغرافيا تصنع الألوان: التدرج اللوني والتكيف البيئي
إن محاولة حصر الحضارة أو العرق في لون واحد دون غيره تصطدم صدمة مروعة مع أبسط قواعد علم الأحياء والجغرافيا.
فالبشر يتدرجون لونياً بناءً على خطوط العرض وقربهم أو بعدهم من خط الاستواء، وهو ما يُعرف علمياً بالتكيف الطبيعي مع أشعة الشمس وفيتامين (د) لحماية الجلد.
• عند خط الاستواء: تزداد نسبة الميلانين لحماية البشرة، فيظهر اللون الأسود الداكن.
• في حوض البحر الأبيض المتوسط: يظهر اللون القمحي أو الخمرّي، وهو المزيج المثالي لطقس هذه المنطقة.
• في الشمال الأوروبي: يغلب اللون الأبيض لامتصاص أكبر قدر ممكن من أشعة الشمس الشحيحة.
مصر، بموقعها الجغرافي الفريد، كانت دائماً ملتقى هذا التدرج، وكان إنسانها — وما زال — يحمل هذا اللون القمحي المميز؛ لون طمي النيل، الذي لا هو بالأسود الداكن ولا بالأبيض الشاحب، بل هو ابن الطبيعة والبيئة المصرية الخالصة.
الملامح الجينية والجسدية: امتداد لم ينقطع
إذا نظرنا إلى وجوه المصريين اليوم في الشوارع، والقرى، والأسواق، وسرنا بها نحو جدران المعابد في الأقصر وأسوان، سنجد أننا ننظر في مرآة الزمان. الملامح المصرية من استدارة الوجه، ورسمة العيون، وشكل الأنف والشفاه، لم تتغير تقريباً منذ عهد الفراعنة.
ولم يعد هذا الأمر مجرد ملاحظة بصرية، بل حسمته الفحوصات الجينية والدراسات الأنثروبولوجية الحديثة التي أُجريت على المومياوات القديمة وعلى المصريين المعاصرين. لقد أثبتت التحاليل السلالية وجود استمرار جيني مذهل؛ فالمصريون الحاليون هم الامتداد المباشر لأجدادهم بناة الأهرامات، داحضةً بذلك كل الادعاءات التي تحاول فصل الشعب الحالي عن ماضيه.
شهادة من قلب القرية: عبقرية تكنولوجية قاومت الفناء
والحقيقة لا تحتاج دائماً إلى مختبرات، بل تعيش بيننا وتتنفس في تفاصيل حياتنا اليومية. أتذكر حين كنت صغيرة في قرية أبي، كيف كنت أقرأ وأدرس عن الأساليب الفرعونية القديمة، ثم أفتح عيني لأجدها تُمارس بحذافيرها أمامي بعبقرية تكنولوجية مذهلة وقدرة عجيبة على البقاء ومقاومة عوامل الزمن لألوف السنين:
• تكنولوجيا الخبز (العيش الشمسي): ما زالت المرأة في صعيد مصر والقرى تخبز "العيش الشمسي" بذات الطريقة التي رُسمت على جدران مقابر الدولة القديمة؛ يُعجن الدقيق، يُقطع على أقراص دائرية من الطين التجفف (المقارص)، ثم يُترك في الشمس ليتخمر عبر بكتيريا وخمائر طبيعية تتفاعل مع أشعة الشمس، قبل أن يُخبز في فرن طيني. هذه الطريقة ليست مجرد إعداد طعام، بل هي آلية علمية متوارثة لإنتاج خبز عالي القيمة الغذائية وصالح للبقاء لفترات طويلة دون تلف.
• صناعة البيرة التاريخية (البوظة المصرية): وهي المشروب القومي الفرعوني القديم (المصنوع من تخمير الشعير أو القمح المستنبت). ما زالت طريقتها التقليدية حية في العمق الشعبي تحت مسمى "البوظة" (وهي تختلف تماماً عن المثلجات الشامية). يتم إنضاج الخبز جزئياً ثم يُنقع ويُخمر لإنتاج مشروب غني بالمواد المغذية والبروبايوتك، وكان الفراعنة والعمال يعتبرونه غذاءً يومياً يمد الجسم بالطاقة، وصمدت هذه التقنية الحيوية البدائية بذكائها الشديد حتى اليوم.
• الدورات الزراعية وإدارة التربة: يعتمد الفلاح المصري حتى اليوم على تنظيم "الدورة الزراعية" التي تريح التربة وتمنع إنهاكها، متبعاً التقويم القبطي (المشتق تماماً من التقويم الفرعوني: توت، بابه، هاتور..).
• إعادة التدوير والوقود الحيوي: صناعة السماد العضوي (السباخ) وتدوير مخلفات الحقل، وصناعة "قوالب الوقود الحيوي" من روث الماشية وقش الأرز لطهي الطعام، وهي تكنولوجيا بيئية نظيفة ومستدامة ابتكرها الفراعنة لإدارة النفايات قبل آلاف السنين وتوارثتها الأجيال بكفاءة أثبتت جدارتها أمام البدائل الحديثة.
• حفظ الأغذية بالديناميكية الفرعونية: تقنيات التمليح (كما في الفسيخ والملوحة)، والتخليل، والتسكير (صناعة العجائن السكرية وتجفيف الفواكه كالتين والبلح). وسائل عبقرية طوّرها الأجداد لمواجهة فترات الجفاف والشح، وما زال المطبخ المصري المعاصر قائماً عليها كركائز أساسية.
ولم يقف الأمر عند السلوك، بل امتد لـ اللغة. فأسماء القرى المصرية (مثل دمنهور، بنها، ميت غمر، نقادة) ما زالت تحمل هويتها اللغوية المصرية القديمة (القبطية والديموطيقية). ناهيك عن الألفاظ اليومية التي نرددها دون أن ندري أنها فرعونية خالصة، مثل: "إمبو" (شرب)، "تاتا" (خطوة خطوة)، "بعبع" (عفريت)، و*"مدمس"* (الفول المستوي تحت الأرض المكمور).
مسؤولية باكرة وأصالة سلوكية: بين رصد "هيرودوت" وواقع الوادي
لا تتوقف الاستمرارية المصرية عند حدود التقنيات المادية واللغوية، بل تمتد لتشمل ملامح من البنية النفسية والاجتماعية التي رصدها المؤرخون الأوائل؛ ففي القرن الخامس قبل الميلاد، ذُهل المؤرخ اليوناني "هيرودوت" عندما زار مصر ووصف بدهشةٍ عادات أهلها، معتبراً أنهم عكسوا القوانين المألوفة للبشرية، حيث كانت الفتاة والمواطِنة المصرية تتمتع بأهلية قانونية واستقلالية اقتصادية كاملة تتيح لها البيع والشراء وإدارة الضياع، بل وتُلزم قانوناً برعاية والديها وحمل مسؤولية بيتها؛ وهو نظام فريد صدم الثقافة اليونانية التي كانت تعزل النساء وتجردهن من الحقوق.
هذا الإرث الضارب في عمق التاريخ — ورغم ما دخله من تحورات وتأثيرات ثقافية وافدة عبر العصور — ترك بصمته في طباعنا؛ فالمجتمع المصري ظل في عمقه "أمومي الهوى"، تُحمل فيه الفتاة منذ نعومة أظفارها مسؤوليات ضخمة في إدارة الحياة اليومية والتربية والتدبير، في ملمح سلوكي متوارث يبرز كيف أن تفاصيل شخصيتنا المجتمعية، بحلوها ومرها، ليست وليدة اليوم، بل هي ممارسات حية قاومت الفناء وأثبتت أن جينات السلوك صلبة كبقية جينات هذا الشعب.
مصر.. بوتقة الصهر التي لا تذوب
على مر التاريخ، كانت مصر مطمعاً لكل شعوب الأرض، فمر عليها الغزاة، والفاتحون، والتجار، والمهاجرون من كل حدب وصوب. لكن المعادلة التاريخية الثابتة كانت واضحة: مصر لا تذوب في أحد، بل الجميع ينصهر في بوتقتها.
لم يتحول المصريون إلى يونانيين، ولا إلى رومان، ولا إلى مماليك أو أتراك؛ بل كان هؤلاء الوافدون يخلعون عباءاتهم القديمة على عتبات وادي النيل، ويتحولون مع الوقت إلى مصريين، يحملون طباع الأرض، ويتحدثون بلسانها، ويذوبون في نسيجها المتماسك. إن الهوية المصرية صخرة عاتية، تكسرت عليها كل محاولات التزييف، وستبقى شاهدة على أن أصحاب الأرض هم حراسها الحقيقيون.



#حنان_محمد_السعيد (هاشتاغ)       Hanan_Hikal#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بين جدران بوخارست: صدى سيكوريتات تشاوشيسكو في فيلم Watcher
- الميزان المائل: عن -عقدة الملكية- وعقم التفكير في مجتمع -تعل ...
- عصر محاكم التفتيش الرقمية: عندما تصبح -النوايا- جريمة تقنية
- ظاهرة -الارتداد الجيني-: من مروّض الأسود إلى -الليتل برنس-
- من -Where is My Daddy- إلى -Daddy is Home-: الخوارزميات حين ...
- خلف الأقنعة المقدسة: وحدة القالب النفسي للمتشددين عبر الأديا ...
- هل يجوز ذبح النساء وأكلهن؟.. عن بيولوجيا الإخضاع ووراثة المه ...
- السردية الكبرى: كيف يُعيد الاستعمار الاستيطاني إنتاج نفسه عب ...
- الطب النفسي كسلاح: كيف تتحول الحقيقة إلى وهم خطير
- هل -الإعلانات التي تقرأ الأفكار- مجرد مصادفة؟ تقنية عمرها نص ...
- الطفل الذهبي
- عصر الكلاب
- فارس من هذا الزمان
- حكاية ليلى
- دولة سارّاس
- عيد ميلاد الكونت دراكولا
- دكاكين ابليس
- القفص اللامرئي
- مشروع ما بعد الانسان: تعديل الجينات وزرع الغرسات الالكترونية
- حال المرأة في اليوم العالمي للمرأة


المزيد.....




- تزامن بين مسيرتي -توحيد المملكة- و-يوم النكبة- المؤيدة للفلس ...
- اجتماع جديد بين أحمد الشرع والمبعوث الأمريكي وهذا ما بحثاه
- شابة ألمانية محجبة تكسب -معركتها- ضد حزب البديل
- مباشر: غارات إسرائيلية على جنوب لبنان بعد إنذار إخلاء غداة ت ...
- فوز نجل الرئيس الفلسطيني بعضوية أعلى هيئة قيادية في حركة فتح ...
- يواجه تهمة التهديد الإرهابي.. رجل يتجاوز الحواجز ويقتحم مركز ...
- السعودية.. المحكمة العليا تحدد موعد تحري هلال شهر ذي الحجة و ...
- فنزويلا ترحل أليكس صعب حليف مادورو المقرب إلى الولايات المتح ...
- صور لاستقبال أكبر حاملة طائرات في العالم بأميركا
- قتلى في هجوم بطائرات مسيّرة أوكرانية على ضواحي موسكو


المزيد.....

- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حنان محمد السعيد - بين تزييف التاريخ وحقائق الجغرافيا: الهوية المصرية في مواجهة -الأفروسنتريك-