أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الطب , والعلوم - ملهم الملائكة - طبيبي أم حكيمي أم حبيبي؟















المزيد.....

طبيبي أم حكيمي أم حبيبي؟


ملهم الملائكة
صحفي وكاتب

(Mulham Al Malaika)


الحوار المتمدن-العدد: 8817 - 2026 / 9 / 3 - 22:47
المحور: الطب , والعلوم
    


الطبيب ليس إنسانا عادياً قط!
في زحمة الحياة ينسى كثير من الناس أنّ طبيبهم الذي يلتمسون عنده الشفاء ليس أحد أفراد القطيع البشري الذي ينتظم فيه أغلب البشر، بل هو أحد رعاة هذا القطيع النوادر (باعتبار أنّ البشر نوعان، رعاة يقودون القطعان وهم قلة نادرة، وقطعان مليارية شاسعة تشكل غالب التجمع الإنساني الذي يسكن الكوكب الأزرق، وهذا حسب فهمي الشخصي وقد لا يتفق معي البعض لكني أدعوهم لتأمل أوضاعهم - مع بعض التواضع- ليروا موقعهم في هذا التصنيف).
وأراني أصنف الطبيب في بعض المواضع في مراتب الحكماء والحكام وحتى الرسل وقادة الشعوب. وقد يعترض البعض لكني أحيلهم ببساطة إلى تصنيف العرب الطبيب بوصفه "حكيماً" وهو تصنيف موروث من طفولة تاريخ الحضارات، وهكذا فقد سمت العرب الطبيب "الحكيم" لأنه كان يجمع بين علم الأجساد (الطب) وعلم الأرواح والأخلاق (الفلسفة والحكمة)، معتبرين أنّ معالجة الأبدان لا تستقيم دون فهم النفس البشرية وطبائعها. ومن أسباب التسمية تمكنه من "الشمول المعرفي" حيث كان الطبيب في بدء تمدن البشرية يدرس الفلسفة والمنطق والفلك إلى جانب الطب، ليفهم الإنسان والكون بصورة متكاملة. علاوة على ذلك، كان الطبيب يتولى علاج النفس والجسد، إذ أدرك القدماء ومنهم العرب أنّ الأمراض النفسية تؤثر على الجسد، فكان "الحكيم" يداوي القلوب والنفوس كما يداوي الأعضاء والأجساد. الأهم والمتقدم في كل الأسباب قد يكون قدرة الطبيب/ الحكيم على إصابة الحق، وتفصيل ذلك أنّ كلمة "حكمة" تعني وضع الشيء في موضعه، وكان الطبيب الماهر يُصيب التشخيص بدقة كمن يمتلك حكمة في تصرفاته وأحكامه. وبكل هذه الملكات المتفوقة كان الطبيب/ الحكيم يصبح قدوة أخلاقية، من حيث أنّه في المحصلة لم يكن مجرد معالج، بل كان مرشداً أخلاقياً للناس في مجتمعه، يُقتدى برأيه.
في الغالبية العظمى من الدول الحديثة، يُطلق على الطبيب البشري لقب "دكتور" بشكل متعارف عليه، حتى لو لم يكن حاصلاً على شهادة دكتوراه بحثية أكاديمية بمستوى PhD، هذا اللقب الرفيع بات جزءاً من عرف اجتماعي سائد في مختلف بلدان العالم، وتفكيك أصل ذلك، أنّ لقب "دكتور" في منشأه مشتق من الكلمة اللاتينية docere والتي تعني "يُعَلِّم". وكان هذا اللقب تاريخياً محصوراً فيمن يصل إلى أعلى درجات العلم في الجامعات، لكن بمرور الوقت أرتبط اللقب بمهنة الطب لعدة أسباب، منها:
* الهوية المهنية المكتسبة في التحصيل الأكاديمي: في العديد من البلدان (مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا وأستراليا ومعظم بلدان الشرق الأوسط وشبه القارة الهندية وبلدان أفريقيا) ، تمنح كليات الطب شهادة دكتوراه مهنية مخصصة للممارسة الإكلينيكية مثل MD أو MBBS ورغم أنها شهادات تطبيقية وليست بحثية، إلا أنها تمنح صاحبها الحق القانوني والمهني في استخدام اللقب.
* الوضوح أمام المرضى وتميّز المكانة في المجتمع الطبي: يساعد إطلاق لقب "دكتور" على الطبيب في تمكين المرضى من التعرف فوراً على الشخص المسؤول عن رعايتهم الطبية داخل المستشفيات.
* الترجمة الثقافية وتأثير المناخ الأكاديمي الغربي: في اللغة العربية، الكلمة الأصلية هي "طبيب"، لكن كلمة "دكتور" أصبحت شائعة جداً في اللهجات العامية نتيجة للتأثيرات التعليمية والغربية.
استثناءات واختلافات بارزة بين الدول
رغم أنّ هذا العرف سائد عالمياً، إلا أن القواعد الدقيقة تختلف بشكل ملحوظ من بلد إلى آخر:
*في الولايات المتحدة وكندا وأستراليا وبلدان شبه القارة الهندية وأغلب بلدان افريقيا يتخرج طلاب الطب بشهادة MD أو DO، ويُطلق عليهم قانونياً واجتماعياً لقب "دكتور" فور تخرجهم مباشرة. |
*في بريطانيا ودول الكومنولث وأغلب بلدان الشرق الأوسط يتخرج الأطباء بشهادة بكالوريوس الطب والجراحة (MBBS/MBChB)، من الناحية الأكاديمية هي درجة بكالوريوس، ولكن بموجب اللباقة الاجتماعية العرفية المستمرة منذ قرون، يُنادون بلقب "دكتور".
*ويخرج عن هذا التصنيف الجراحون البريطانيون (وهي مفارقة غريبة)، ففي بريطانيا، بمجرد أن يجتاز الطبيب امتحاناته ليصبح جراحاً، فإنه يتخلى بفخر عن لقب "دكتور" ويعود ليلقب بـ "سيد" (Mr.) أو "سيدة" (Ms./Miss). هذا تقليد تاريخي يعود للأيام التي كان فيها الجراحون ينتمون لنقابات الحلاقين (الحجامين) وليس لأطباء الجامعات.
*في ألمانيا والنمسا وسويسرا (التي تسودها اللغة الألمانية)، حيث القوانين صارمة للغاية والألقاب محفوظة لدرجة أنها تصبح محنطة! يسمى خريج كلية الطب "طبيب" (Arzt) ولا يحق له قانوناً استخدام لقب "دكتور" (Dr) إلا إذا كتب أطروحة دكتوراه وحصل على درجة Dr. med.) ).
بعد كل هذا التبسيط، ألا يجدر بنا أن نعيد الاعتبار والاحترام للطبيب ونعتبره حكيماً ينفذ إلى دواخلنا (جسدياً وروحياً) وهو ما يوجب علينا التقيد بتوجيهاته وكلماته لدرجة تحرك في ضمائرنا محبة له وعرفاناً بفضله يجعل ما نبذله من أموال ضخمة في سبيل التماس نصحه يبدو زهيداً إزاء فضله الجم في شفائنا؟
ولعل الذاكرة العربية غير الرسمية هي خير من حفظ للطبيب مكانته، ففي مونولوج "دكتور" الذي قدمه الناقد الساخر العراقي الفذ عزيز علي خرج "الطبيب" تماماً من عباءة الغزل والتشخيص العاطفي ليدخل في العمق السياسي والوطني البحت حيث أنّ العِلة سياسية وليست جسدية:
"دكتور دخل الله ودخلك ما تداوينا،
دكتور داء اللي بينا منا وبينا،
دكتور الحمى تجينا من رجلينا"
فوق ذلك فإن المريض يرفض العقاقير الطبية المعتادة، كاشفاً للطبيب أن مرضه لا يُعالج بالطب التقليدي:
"دكتور أمراض اللي بينه
ما تفيد وياها كنينه،
ولا يفيد الكالسيوم ولا فوسفات الصوديوم،
ذني يفيدن مرضى الجسم،
وإحنا مو من هذا القسم!"
عاطفياً، في (حوارية الفحص الطبي) في أغنية "ظلموه" لعندليب مصر عبد الحليم حافظ لا يمر ذكر الطبيب عابراً، بل يرسم عبد الحليم مشهد فحص إكلينيكي كامل داخل عيادة لتشخيص لوعة العشق:
"جبت الطبيب يداوي.. سألني الجرح فين؟
قلت اسأل دق قلبي.. اللي زايد دقتين
سمِع في القلب حاجة.. وقال ده رمش عين!"
هنا يتحول سماع نبضات القلب الطبية بـ "السماعة" إلى أداة لكشف هوية الحبيب الذي يسكن الشرايين. كما يظهر الطبيب مجدداً في أغنيته "رسالة من تحت الماء" حين يصدح عبد الحليم طالباً من حبيبه/ طبيبه الشفاء:
"إن كنت طبيبي ساعدني كي أشفى منك"
ومثل ذلك فإنّ فريد الأطرش في مونولوج "يا حكيم الزمان" قد وظّف اللفظ التراثي للطبيب وهو "الحكيم"، ومن أبرز اشاراته المشهد الحواري الذي يتوسل فيه الطبيب ليرأف بحاله الإنساني، معبراً عن العجز الطبي أمام داء الهوى:
"يا حكيم الزمان.. داوي عِلّتي"
وفي أغنيته الشهيرة "عِشك يا بلبل"، تغنّى فريد بالطب ومنجزاته:
"ولحنك دواء.. لِعاشق يقاسي".
أما فيروز فتغني "يا طبيب الهوى" بنبرة تجمع بين الانكسار والرجاء، حيث تنادي الطبيب (الذي هو الحبيب في ذات الوقت) وتعاتبه قائلة:
"يا طبيب الهوى.. ضاع الدوا منّا"
وهي استعارة مستمدة من الموروث اللبناني الشعبي، حيث يتحول "الحكيم" أو "الطبيب" إلى شخصية وجدانية حين يمر على البيوت في القرى ليشفي القلوب المتعبة.
وهكذا يصير الطبيب حبيباً، وليت شريفة فاضل غنت "حبيبي طبيبي" بدلا عن أغنيتها الشهيرة "حبيبي نجار"!
ألمانيا/ أيلول 2026



#ملهم_الملائكة (هاشتاغ)       Mulham_Al_Malaika#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الهاربون من جحيم الأوطان
- هزيمة ترامب ونصر صدام حسين
- غرائب الأسماء
- تحديات أمام حقيقة المثقف
- شبه القارة النسوية
- غرباء صنعوا تاريخ العراق
- اللوالي في تاريخ العرب والموالي!
- إنصافاً للملالي
- من صنعَ ذاكرة العراقيين؟
- حين تنتهي الحرب تتكشف المواقف!
- لماذا يعشقون مظفر النواب؟
- إيران - تغيير لا يأتي يدفع ثمنه الشعب*
- ماذا فعل الإسلام السياسي باليمن؟
- إيران- الرافضات للجمهورية الإسلامية
- نور الشريف من البيبي دول إلى العراق!
- ماجدة الخطيب – ثائرة أم فوضوية طموحة؟
- جون بايز- يسارية حافية تهز القلوب
- حسين الجسمي - إنسان من نوع آخر
- الجنرال قاسم سليماني اللاعب الخطير القتيل
- الأديان..وحي غيبي أم صناعة بشرية؟


المزيد.....




- مرتزقة وشحنات درونات وتكنولوجيا عسكرية.. تقرير يكشف أسباب تأ ...
- إرشادات جديدة تحدد أفضل طرق الوقاية من الصداع النصفي
- جماعات حقوقية أمريكية تطالب الكونغرس بإلغاء بند يعمق التعاون ...
- بعد تشخيص سرطان البروستات.. تغيير بسيط في النظام الغذائي قد ...
- رعاية مريض الزهايمر... ما كنت أتمنى معرفته
- بيان مصري جديد عن أزمة البحارة المختطفين في الصومال
- طهران تتوعد برد «متعدد الطبقات».. ومسؤول أميركي ينفي إصابة ا ...
- نائب الرئيس الأمريكي: فقدنا الأمن الصناعي وهو بعينه الأمن ال ...
- حرب أوكرانيا ترفع وتيرة تصنيع الذخيرة في أوروبا.. ماذا تكشف ...
- لغز عمره 3 مليارات عام.. كيف -ابتلعت- الأرض مالياه قبل ولادة ...


المزيد.....

- نظرية التغير الكلية / أمين أحمد ثابت
- نظرية الأكمل وإشكالية الشرور / عمار التميمي
- المفاحص / صائن الدين تركه
- مصححات افلاطون / جابر بن حيان الكوفي
- رسالة في علم الصنعة والتدبير / ديمقراطيس
- هل سيتفوق الذكاء الاصطناعي على البشر في يوم ما؟ / جواد بشارة
- المركبة الفضائية العسكرية الأمريكية السرية X-37B / أحزاب اليسار و الشيوعية في الهند
- ‫-;-السيطرة على مرض السكري: يمكنك أن تعيش حياة نشطة وط ... / هيثم الفقى
- بعض الحقائق العلمية الحديثة / جواد بشارة
- هل يمكننا إعادة هيكلة أدمغتنا بشكل أفضل؟ / مصعب قاسم عزاوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الطب , والعلوم - ملهم الملائكة - طبيبي أم حكيمي أم حبيبي؟