أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبدالكريم مراد - الدمُ السُّوريُّ















المزيد.....

الدمُ السُّوريُّ


عبدالكريم مراد

الحوار المتمدن-العدد: 8816 - 2026 / 9 / 2 - 09:02
المحور: الادب والفن
    


إهداء

إلى سوريةَ التي حملتْ على جسدها
أكثرَ ممّا يحتملُ الجسد،
وإلى الذين غابوا تحت التراب
وبقيتْ أسماؤهم معلّقةً في ذاكرةِ البلاد،
وإلى كلِّ أمٍّ ما زالت تنتظرُ ابناً
لن يعود…

إلى الدم السوريّ،
لا بوصفه موتاً فحسب،
بل بوصفه شهادةً لا تموت.



"الدَّمُ السُّورِيُّ"

الحياةُ عاريةٌ،
والشارعُ يعلنُ ما لا يُقال:

السوريُّ يُقتل،
السوريُّ ينزف،
السوريُّ يُغرَق،
السوريُّ يُحرَق،
السوريُّ يُصلَب…

ويُطحَنُ،
لا بالرَّحى،
بل بالمكابس.

وبالملحِ
تتفسّخُ الجثث،
ويُعادُ ترتيبُ الموت
مرّةً بعد مرّة:

قتلٌ…
قتلٌ…
ثمَّ قتل.

ليس محواً للأجساد،
بل ترسيخاً لسلطةٍ
تريدُ للقتل
أن يصيرَ قانوناً،
وللرعب
أن يصيرَ طبعاً،
وللصمت
أن يصيرَ فضيلة.

فيُقدَّمُ القتلُ
تأديباً،
وانضباطاً،
ومشهداً مفتوحاً
أمام العدسات.

ولا إدانة…

بل ينضمُّ الجميعُ
إلى حشدِ القطيع،
فيهتفُ الدمُّ علناً
ولا يجدُ القاتلُ
في المرآة
إلا وجهَه.

وهنا،
تعودُ الجريمةُ
لتسألَ عن العقاب،
ويعودُ القاتلُ
إلى نفسه
مثقلاً بالصرع،
والتوتر،
والانهيار…

حتى في الأحلام.





وفي التسعينيّات،
حين كان فرعونُ
قد تألّهَ في الأرض،
لم يكن العنفُ دائماً
يظهرُ في وضح النهار.

كان يتقنُ الاختباء.

كان الجسدُ
لا يُدمى
أمام الجسد،
وكان الدمُ
يُقصى عن الساحات،
ليظهرَ في المخيلة
سائلاً شفّافاً
في أقبيةِ التعذيب.

وكان الجسدُ
يُمنحُ نجاةً مؤقتة،
لكنْ عبرَ جسدٍ آخر
مطيعٍ،
مروَّض ٍ،
مطواع.

كان الموتُ
يمارسُ طقوسَه
خلف الأبواب،
وكانت الجدرانُ
أشدَّ صمتاً
من القبور.





ثم اندلعتْ
براكينُ الثورة.

وحُرِمَ المعنَّفُ
حتى من جثّتِه،
وعُلِّقَ الحدادُ
حول الغياب.

وصار القتلُ أسطورةً،
ثم صارت الأسطورةُ
اعترافاً،
وتوقّعاً،
وظنّاً،
وخوفاً.

هناك
وُلد السأم،
وهنا
وُلد النسيانُ
قيصريّاً.

أمام بشاعةِ القتل،
وأمام إباحته
لكلِّ من يعارضُ الطاغوت،
أو يحاولُ
استعادةَ الذاكرة.

كان الجسدُ
منضبطاً في غيابه،
وكانت المعاناةُ
تبلغُ ذروتَها:

فقدُ الذات،
وسقوطُ الذات،
وإسقاطُ الحزن
على جثةٍ
لا تعرفُ كيف
تنهي حدادَها المؤجَّل.



وبقي السؤال:

سؤالُ الدم.

خرجَ من الإخفاء،
وصار في الشارع،
ليُنهيَ التشويش
حول شجاعةِ البشر.

لم يكن الدمُ
مجرّد أذى،
بل كان عرضاً
لكلِّ القلق،
ولكلِّ الكتمان.

وحين انهار الإخفاء،
أعلنَ السوريُّ:

أنا موجود.

حتى لو كنتُ جثّةً.

دفع الدمُ
فكرةَ «الحياة العارية»
خارج أقبيةِ السيادة،
فمن قُتل
لم يُمحَ تمامًا.

عادَ من محوِه،
ووقفَ في منتصفِ الصورة،
وسُمِعَ اسمُه
فوق طبقاتِ الصمت:

سوريٌّ…
سوريٌّ…
سوريٌّ…

مذبوحٌ،
لكنَّه حيٌّ
يصرخ:

مَن لي غيرُ الله؟





تراكمتْ طبقاتُ الدم،
وانهارتْ هندسةُ الطاعة.

جُرحتِ القداسة،
وسقطتْ صنميةُ الصور
والتماثيل.

ورثَ الابنُ
تقليدَ الأب،
تقليدَ الغسيلِ في الداخل،
والتورّطِ في الخارج،
لكنَّ الدمَ
ظلَّ يحضرُ
كأسطورةٍ سوداء،
تؤسِّسُ اللعنة،
وتمنحُ القاتلَ
قوةً وسلطةً
ولغةً لا تقولُ
إلا: لا.

وفجأةً،
وراء القضبان،
وجدَ السوريُّ نفسَه
في مسرحِ الرعب:

بلا ستار،
بلا تمثيل.

أخذوه…
نفوه…
اعتقلوه…
روّحوه…
قشّوه…
لمّوه…

وعزموه
على فنجانِ قهوة،
ثم…

لم يعد.

صار وراءَ الشمس.

في ضيعته
لم يُدفن،
كُبسَ كالمخلّل،
وصارَ فصَّ ملحٍ
ذابَ في العتمة.

عُفطَ الجسد،
وبقيتِ القسوة.

وللرعبِ تأطيرٌ،
والمعتقلُ
يتأرجحُ بين رقم ٍ ورقم،
بلا اسم،
بلا وجه.

لكنَّ الخوفَ
حين يُسمّى
يبدأُ بالتراجع.

وحين ينكشفُ المشهد،
ينكسرُ التمثيل،
وتتحولُ بيروقراطيّةُ التصوير،
تصويرُ الجثث،
إلى متاهةٍ مرعبة.

ثم جاءَ «قيصر»
بصورِه…

فانفجرتِ المتاهة.





لم يعدْ هناك تشويش،
بل يقين.

القمعُ لم يعدْ يُخفى،
والعنفُ لم يعدْ
يختبئُ في الخلف.

خرج الدمُ من الكواليس
إلى الشارع،
إلى الكاميرا،
إلى الهواء.

ولم يفهمِ النظامُ
هذا الانهيار.

فاستعانَ بأداتهِ الوحيدة:

الدم.

أرادَ إغلاقَ الكواليس
التي انفجرت،
لا بإخفائها،
بل بالمزيدِ من الدم:

بالقتلِ العلني،
بالسَّحل،
بالتصوير.

لكنَّه لم يكن ترميماً
للواجهة،
بل انكشافًا نهائيًّا.

فلم يعدِ الخوفُ
بحاجةٍ إلى لغةٍ سريّة.

استحوذَ الدمُ
على المشهد:

تسجيلاً،
ونشراً،
وصورةً سريعة،
وصوتاً لا يهدأ.

وفشلتْ لغةُ الحوار
أمام الصوتِ والصورة،
وظلَّ الجرحُ ينزف.

تلك هي
سرديّةُ الصراخ:

أن تُعادَ صياغةُ الصرخة
فتولدَ منها
سرديَّةُ الدم:

قتلاً،
وتوثيقاً،
وإسعافاً،
وتصويراً للجراح.

حتى المصوّرُ
صار جزءاً من المشهد،
تلاحقهُ في اللاوعي
فرحةُ النجاةِ المؤقَّتة،
وظنُّها.





في سوريّة،
الدمُ يُسفك
بوصفه كواليس،
وبوصفه واقعاً
في الشارع.

يُغسل،
ويُمحى،
ويُقتلعُ من الأرض،
كي لا يصبحَ ذاكرة.

لا يُتركُ للمقتلةِ
أن تصيرَ علامة،
ولا للجثةِ
أن ترويَ ما حدث.

تُمحى آثارُها
بعد كلِّ مقتلة،
كأنَّ شيئاً
لم يكن.

وفي «الإلياذة»،
كان هيكتورُ
يواجهُ موته
وهو يعرفُ
أنَّ الدمَ لا يختارُ
صاحبَه إلى الأبد.

لكنَّ الدمَ السوريَّ
انتقلَ من القداسةِ
إلى الدناسة،
وانقلبَ تأويلُه.

صار مادةً مشاعة،
وسيلةً للجميع:

لكلِّ من يحملُ خنجراً،
أو بندقيَّةً،
ولكلِّ من يملكُ ميتاً
ويدّعي الوصايةَ
على الأرض.

انهارتْ رمزيةُ الدم،
وصارت ذاكرتُه
حرباً أهليَّة.





بينَ المدَنَّسِ والمقدَّس،
يسيلُ الدم.

في العنفِ
يفتحُ البابَ
على المحظور،
على ما لا يمكنُ استعادته،
وعلى ما يفقدُنا
الحدَّ الفاصل
بين الإنسانِ والوحش.

نسقطُ من رمزيته،
فلا نعودُ نعرف:

كيف نحملُ الدم؟
كيف نفهمُه؟
وكيف نمنعُه
من أن يصيرَ ملكيةً
لفئةٍ دون أخرى؟

صار الدمُ
ملكيةً فئوية،
وكلُّ فئةٍ
تدّعي تمثيلَه.

فلم تعدِ الجماعةُ
واحدةً،
بل انقسمتْ
على الدم.

هكذا أرادَ فرعون.

فالدمُ لم يكن إقصاءً
للغة،
ولا للاعتراف،
بل كان وسيلةً
لإجبارِ اللغةِ
على الصمت.

كان الدمُ عائقاً،
فيُغسل،
ويُشطَّف،
كأنَّه فائضٌ
لا يجوزُ له أن يبقى.

وفي سورية
كان الدمُ يسيلُ
قبل أن تُقالَ اللغة.

وكان يزدادُ
كلما ارتفعَ الغناء،
وكلما اقتربَ الناسُ
من الانسجام.

فيقطعُ فرعونُ اللحن،
ويكسرُ التناغم
بنشازِ الرصاص.

وكان الأمنُ
يصمُّ أذنيه،
لأنَّ الصوتَ
كان احتمالاً للفهم،
والفهمُ
كان بدايةَ السؤال.

وكان للدمِّ طقسٌ…

لكنَّه طقسٌ
لم يُرَدْ له
أن يُقام.

ومع ذلك…

ظلَّ الدمُ
يكتبُ ما عجزَتِ الجدرانُ
عن إخفائه.

وظلَّ السوريُّ،
كلما سقط،
ينهضُ من صورته.

فالموتُ قد يطوي الجسد،
لكنَّه لا يستطيعُ
أن يطوي الذاكرة.

والدمُ الذي أرادوا
أن يكونَ نهايةً…

صارَ شهادة.

وصارتِ الجثثُ
أسماءً.

وصارَ الصمتُ
سؤالًا.

وصارتْ سوريَّةُ
تسألُ العالمَ:

كم يلزمُ من الدم
كي تُرى الحقيقة؟



#عبدالكريم_مراد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هَكَذَا يَحْيَا الإِمَامُ
- - ثَورة الغَاب -
- - ذاكرةُ القامشلي بين مطرقةِ السياسة وسندانِ النسيان-
- -حين يصبح المال عذراً للباطل -
- حينَ يَسألُني الوطنُ: إلى أينَ تعود؟-
- -صَياعُ وطنٍ-
- الربيعُ العربيّ بين المُزنة والبركان
- - وطنٌ على حافّة الصبر-
- -محاكمةُ السَّنة… لائحةُ اتهامٍ ضدَّ شعبٍ مُستنزَف”
- - مدينة عشقي-. إهداء إلى زوجتي
- قمر كوردستان …قصّةٌ شعرية
- حينَ يُعادُ رسمُ الوطن… على حافّة القهر-
- - الانحراف في الحياة- قراءة شعرية في مأزق التقليد وضياع الهو ...
- صفّق الإمام
- صفَّق الإمام
- قصة شعرية بعنوان : -من يصلح الملح إذا الملح فسد -
- -الحَسَكَةُ بَيْنَ تَحَدِّيَاتِ الوَاقِعِ وَآفَاقِ الحَلِّ-
- حين تُفسَد البوصلة-
- حين يثور الجوع
- -في صوتِ الدَّنگبيچ وخُطى الگُوفَند… ….حين يحملُ شعبٌ وطنَه ...


المزيد.....




- من غزة إلى الأوسكار.. -المواطن أسامة- يمثل فلسطين في فئة أفض ...
- زنازين صيدنايا تُبكي الممثلة السورية روزينا لاذقاني في معرض ...
- طغاة في منتجع العزلة.. هشاشة الديكتاتور في رواية -خيط البارو ...
- أم كلثوم في دمشق.. حفل نادر، وذكريات لا تُنسى.. حفل نادر تكش ...
- الرواية الأمريكية تحت المجهر.. كواليس الضربة الأولى لصاروخ - ...
- -حكم العدالة- يعود إلى الواجهة من بوابة معرض دمشق الدولي
- وزير التعليم العالي والقائم بعمل وزير الثقافة يترأس اجتماع ا ...
- -أرض اللبان- في مهرجان قازان.. رحلة سينمائية تكشف أسرار الشج ...
- إدانة زعيم عصابة سابق بقضية مقتل مغني الراب توباك شاكور عام ...
- جيجي لامارا يظهر في فيديو كليب أغنية نانسي عجرم الجديدة -اشه ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبدالكريم مراد - الدمُ السُّوريُّ