أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبدالكريم مراد - قمر كوردستان …قصّةٌ شعرية














المزيد.....

قمر كوردستان …قصّةٌ شعرية


عبدالكريم مراد

الحوار المتمدن-العدد: 8783 - 2026 / 7 / 31 - 23:53
المحور: الادب والفن
    


قمر كوردستان


إلى الطفل عطا، وكلّ طفلٍ وُلد للحبّ فاغتالته الحروب



عَطا…
لم تكن صغيرًا فحسبُ،
بل كنت تلهو ببراءة الطفولة.

أيـا قمراً تاه ضوءُه في زرقة العيون،
وكأنَّه امتزج بأشعة الشمس الذهبية
لتسطع شقرته،
وأنت في حزمة ربيعك
كفلقة القمر،
ولا تزال في طور الهلال.

يا لحناً ذاب على شفة الصِّبا،
يا سيمفونيةً تلاشت على وتر البراءة
قبل الغناء،
يا صدىً أُطفِئ قبل النداء.

زعموا تماديك،
ولكنِّي أتساءل:
متى يتمادى الحلم؟
هل يتمادى الحلم في دفء الرغيف؟!
هل يتمادى في نغمة اللّحن؟ في الغناء؟!

يا إلهي…
قيّدوك،
حملوك،
قبضوا الأنفاس والأضواء،
وفي إحدى الليالي اقتادوك،
خلف القضبان قذفوك،
مع ألفين من الأبرياء،
دون ذنبٍ ولا جرمٍ
سوى الانتماء للوطن،
لكوردستان الكرامة والأصالة،
لجودِّيها، لأرارات،
لحمرين، لخانقين،
لقلعة شيروان، لسِيروان ودجلة،
للشمس، للنور والضياء،
للرَّاية الحمراء…


ولم تنتهِ بعد الحكاية.



بمرارة اللوعة والحزن
أسرعتِ الخُطا أمُّ عطا،
تُهرول مُقبلةً في يوم الزيارة،
تجترّ مرارة ريقها،
ترتشف دموعها،
بريئةٌ كوحيدها،
مسكينةٌ لم تكن تدري – مثل غيرها من أمهات الضحايا –
أنَّه لقاء الوداع.

دخلت وهي تنادي بملء فيها:
عطااااااا… داية بقربان!
أين أنت؟ تعال!

تقدَّم عطا كرضيعٍ للتوّ يخطو خطواته الأولى،
بمشقةٍ، بالكدّ يسحل رجليه،
متهدّجًا صرخ عطا:
“داية قربان!
داية، لقد ضربوني!”

وارتمى بين ذراعيها،
حنيناً إلى صدر أمه.

ضمّته بقوة،
بلهفة اللبؤة،
رفعت قدمه إلى خدّها بكلتا يديها،
وكأنَّها ستسحب وجعه إليها.

تنهَّدت، ثم رفعت يديها ووجهها إلى السماء:
ربّاه! تُرى… ماذا فعلنا نحن الكورد؟!
ما ذنبُنا وقد تكالبت الأنظمة
وتراكمت علينا المصائب؟!

أجل… !
وكأنَّ السماء ردّت:
إنّه الانتماء،
للوطن،
لكوردستان الكرامة والأصالة.



صدى صوت السجّان
يتردّد في بهو السجن المغلق:
انتهت الزيارة، اخرجوا!

صُعِقت أمُّ عطا،
دبَّت اليقظة في عروقها،
وكأنَّ دقّات قلبها تقول لها:
استيقظي أيّتها المغفّلة!
إنَّه لقاء الوداع…
لن تري عطا ثانيةً.

حضنَتْه،
ناهيك عن القُبَل،
ضمَّته بشدّةٍ إلى صدرها،
رمته خلفها،
تحاول أن تحميه…

الناس خرجوا جميعًا،
وبقيت هي مع وحيدها.

تتأمّل أسوار السجن العالية المتينة،
تفكّر بعيدًا،
لتطير به،
لتنقذه…
ولكن هيهات! هيهات!

فما الذي تصنعه راحتان صغيرتان ناعمتان
لامرأةٍ عزلاء؟

صرخ السجّان في وجهها:
اخرجي!

لكنّها — الأمومة الحقّة —
تتوسّل، تتضرّع بلهفةٍ،
لا بالعربيّة التي لا تعرفها،
بل بلغتها الكورديّة الأصيلة:
«مِنْ لێره عطا له و ێ !»

أيّها السجّان،
بحقّ الأمومة، ابقني هنا في السجن،
وليخرج عطا.
وحيدي صغيرٌ،
سجنه حرام،
وتعذيبه إجرام.

لكن السجّان لم يستجب،
وهل يمتلك العبد حرية الإرادة والقرار؟
إنه عبدٌ مأمور من المجرم،
من ضيّاع العراق،
مجرم العراق بحق البشر،
بحقّ الكورد والعرب،
بحقّ الإنسانيّة كلّها!

دون جدوى…
ثم همّت بالخروج،
واستأسدت.

التفتت إلى عطا،
رشفت دموعها المنسابة الممزوجة بمرارة ريقها،
وخاطبت وحيدها باعتزاز:

ولدي، صغيري…
اصبر، وليكن ما يكون.
هذا تراب كوردستان،
فلتكن ذبيحها،
ذبيح الانتماء
للوطن،
لكوردستان الكرامة والأصالة.



سلسلة الإعدام حديديّةٌ صمّاء،
عديمة الشعور،
كقلب أبي وداد الخالي من الوداد،
مُنفِّذ الإعدام.

مربوطةٌ بجرّة غازٍ ثقيلة،
معدّة للإعدام لا للطبخ،
لكنّها لم تُرهِب عطا،
لأنَّه لا يعرف الإعدام،
ولا معنى الإعدام،
وإنّما ما قهره
أنَّهم سلبوه ألعابه — ألعاب الطفولة.

أنَّهم حمّلوه إلى أبي وداد كريشةٍ،
وبقدمه الناعمة ربطوا جرّة الغاز،
والجرّة مربوطةٌ بالباب،
وسحبوا عتلة باب الآخرة،
لتسحب عطا،
وتنفصل رقبته،
وينقطع نخاعه.

غادر القمر،
لكنّه بقي نجمًا ساطعًا في سماء الوطن،
وصار بدراً ينير لكوردستان.

فبكى الليلُ خطى طفلٍ قضى فجراً،
وقبل أن يدنو الضياء.

آه…
يا وجعَ أمٍّ لم تجد
غير قبرٍ من ترابٍ وادّعاء،

نامت عيونُك،
غير أنَّنا لم نزل نحيا
على صوت السؤال والنداء:
من يردّ الطفل إن ماتت يداه؟
من يعيد النور إن مات العطاء؟

غاب عطا،
وتجذّر بغيابه الانتماء،
للوطن،
لكوردستان الكرامة والأصالة


أ. عبدالكريم مراد
5.11.2025



#عبدالكريم_مراد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حينَ يُعادُ رسمُ الوطن… على حافّة القهر-
- - الانحراف في الحياة- قراءة شعرية في مأزق التقليد وضياع الهو ...
- صفّق الإمام
- صفَّق الإمام
- قصة شعرية بعنوان : -من يصلح الملح إذا الملح فسد -
- -الحَسَكَةُ بَيْنَ تَحَدِّيَاتِ الوَاقِعِ وَآفَاقِ الحَلِّ-
- حين تُفسَد البوصلة-
- حين يثور الجوع
- -في صوتِ الدَّنگبيچ وخُطى الگُوفَند… ….حين يحملُ شعبٌ وطنَه ...
- روبُ الأيديولوجيُّ إلى الأمام الذَّرائعُ الوهميَّةُ والمُتاج ...
- -حين تتآكل الجذور… - - أبناء الجالية الكورديَّة في أوروبَّا ...
- حينَ تفشلُ السِّياسةُ ويُستنزَفُ الشَّعبُ… قراءةٌ في مأزقِ ا ...
- حين يُترك الناس لمصيرهم… الأمل بين مطرقة الواقع وسندان التنص ...


المزيد.....




- ليبيا تسترد آثارها المنهوبة وتصارع لإنقاذ تاريخها من الخطر
- دعوى بـ105 ملايين دولار ضد نتفليكس بعد سرقة فيلم نيكولاس كيج ...
- “سينما تحت الإبادة”.. كتاب جديد لأشرف بيدس يرصد صورة غزة في ...
- بعد الجدل الواسع... نقابة الفنانين توضح حقيقة منع إدخال الآل ...
- نسيان اللغة الثانية بسبب الخرف يؤثر علي رعاية المسنين
- ندى يافي: -في فرنسا تعرضت اللغة العربية للتشويه ووصفت بأنها ...
- مصر.. تامر حسني يعلن وفاة والده الفنان المعتزل حسني شريف
- كارول سماحة تطلق كليب -يا حظي-.. وتدخل عصر الذكاء الاصطناعي ...
- كيجي.. عمارة خشبية صُنعت بالفأس واشتهرت ببنائها -من دون مسام ...
- الناطور ينفي والخاني يطالب بتوضيحات.. جدل في الوسط الفني الس ...


المزيد.....

- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبدالكريم مراد - قمر كوردستان …قصّةٌ شعرية