أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - عبدالكريم مراد - -في صوتِ الدَّنگبيچ وخُطى الگُوفَند… ….حين يحملُ شعبٌ وطنَهُ في أغانيه-














المزيد.....

-في صوتِ الدَّنگبيچ وخُطى الگُوفَند… ….حين يحملُ شعبٌ وطنَهُ في أغانيه-


عبدالكريم مراد

الحوار المتمدن-العدد: 8771 - 2026 / 7 / 19 - 12:00
المحور: قضايا ثقافية
    


كثيرًا ما نرى الكورد، أينما تواجدوا في الوطن أو في أوروبّا أو في مختلف أنحاء العالم، يجتمعون في المناسبات، بالغناء وتشابك الأيدي في حلقات الگُوفَند، أحيانًا بمرافقة آلاتٍ موسيقيّةٍ بسيطة، وأحيانًا من دونها. وقد يظنُّ بعضُ المتأمِّلين أنَّ هذا الميلَ الدائم إلى الغناء والرقص الجماعيّ ليس سوى مظهرٍ من مظاهر البساطة أو السذاجة المفرطة، فيجعلون منها مأخذاً على هذا الشعب.

لكنَّ الحقيقة تحمل معنىً مختلفًا تمامًا؛ فهذه الطقوس ليست دليلًا على سطحيّة التفكير، بل هي تعبيرٌ عن جمال الروح، وصفاءِ الوجدان، وعمق العلاقة بين الإنسان وذاكرته الجماعيّة. إنَّ الحكم على الفنون الشعبيّة من ظاهرها فقط يؤدّي إلى قراءةٍ ناقصة لطبيعة الشعوب وثقافاتها؛ لأنَّ الفنَّ في حياة الأمم لم يكن يومًا مجرّد ترفٍ، بل كان في كثيرٍ من الأحيان وسيلةً للحفاظ على الهويّة والوجود.

ومن هنا، فإنَّ الغناء الكورديّ، كما هو الحال في العديد من الثقافات الجبليّة والشرقيّة، لم يكن للترفيه فقط، بل كان لغةً أخرى للحياة. فقد لعب دورًا ثقافيًّا وتاريخيًّا مهمًّا، ولا سيّما في الفترات التي تعرّضت فيها اللّغة الكورديّة لمحاولات التقييد أو التهميش، أو المنع من التدوين والتعليم، تحوّل المُغنّي الجوّال الدَّنگبيج إلى حافظٍ للذاكرة وأمينٍ على الحكاية، يحمل التاريخ واللّغة والحكاية عبر الأجيال.

لقد كان الدَّنگبيج بمثابة مكتبةٍ متنقّلة، وأرشيفٍ حيّ يحمل في صوته التاريخ والجغرافيا وقصص البطولات والمآسي. كان يحفظ آلاف الأبيات والقصص والملاحم، وينقلها من جيلٍ إلى آخر، فحفظ بذلك جزءًا كبيرًا من الذاكرة الجماعيّة دون الحاجة إلى الكتب أو المطابع. وهكذا أصبح الغناء وسيلةً لمقاومة النسيان، وحارسًا لحماية للّغة والهويّة من الذوبان.

كما أنَّ طبيعة الحياة الجبليّة القاسية تركت أثرها العميق في شخصيّة الإنسان الكورديّ وفنونه. فالجبال لم تكن مجرّد مكانٍ للعيش فحسب، بل كانت مدرسةً للصبر والتحمُّل والاعتماد على الذات. ومن رحم هذه البيئة وُلدت أنماطٌ غنائيّةٌ مميّزة مثل “الحيران واللاوج”، بما تحمله من نبراتٍ طويلةٍ وعميقة تتناسب مع اتّساع الوديان وصدى الجبال.

لم يكن الغناء بعيدًا عن تفاصيل الحياة اليوميّة؛ فقد رافق الراعي في وحدته مع أغنامه، والمزارع في تعبه بين زرعه في حقله، والإنسان أينما كان في أفراحه وأحزانه. وكان متنفسًا نفسيًّا لشعبٍ عاش عبر تاريخه الكثير من الحروب والمآسي والتهجير. لذلك فإنَّ الحزن الموجود في كثيرٍ من المقامات الكورديّة ليس علامة ضعف، بل هو تحويلٌ للألم الجماعيّ إلى جمالٍ فنّيّ وإبداعٍ إنسانيّ.

أمّا الفنون بشكلٍ عام، فهي ليست مجرّد مظاهر احتفاليّة، بل تعكس مستوىً عاليًا من الذكاء الاجتماعيّ والعاطفيّ. فالتنوّع في المقامات، والقدرة على الارتجال، وحفظ التراث الشفهيّ، كلّها مؤشّراتٌ على غنىً ثقافيّ وتعقيدٍ فنّيّ بعيدٍ كلَّ البعد عن السذاجة.

ولا ينبغي الخلط بين الفطرة والبساطة؛ فالقيم التي ارتبطت بالمجتمع الكورديّ، مثل الشهامة، وحسن الضيافة، وإكرام الضيف، والفروسيّة، والأصالة، ليست مظاهر بدائيّة، بل هي نتاج تجربةٍ تاريخيّةٍ طويلة صاغتها الجغرافيا والظروف الاجتماعيّة. فالجبال كما ذكرتُ آنفاً كانت مدرسةً علّمت الإنسان الصبر والصمود، ومنحته القدرة على مواجهة الأزمات الطويلة والحفاظ على تماسكه ووجوده، فكانت عاملاً فعّالاً في تكوين وعي مبكّر للحريّة.
من هنا يمكن فهم الفلكلور الكوردي باعتباره إحدى آليّات الدفاع الثقافيّ التي استخدمها العقل الجمعيّ للحفاظ على اللّغة والذاكرة والهويّة.
ومن أبرز صور هذا الوعي الجماعيّ تحوّل الشفاهيّة إلى مدرسةٍ عبر الدَّنگبيج، وتحوّل الغناء إلى مكتبةٍ متنقّلة تحفظ التاريخ والحكايات. وفي الوقت نفسه تحوّلت الدبكة الجماعيّة الگُوفَند إلى طقسٍ اجتماعيّ يتجاوز حدود الترفيه.

فالگُوفَند ليس مجرّد حركةٍ راقصة، بل هو تعبيرٌ عن وحدة الجماعة؛ حين تتشابك الأيدي يقف الجميع في دائرةٍ واحدة: الرجال والنساء، الشباب والشيوخ، والأغنياء والفقراء، مختلف الطبقات الاجتماعيّة في حلقة واحدة . إنّها لحظةٌ تتراجع فيها الفوارق ويظهر معنى الانتماء المشترك.
كما أنَّ الإيقاع الجماعيّ وضربات الأقدام على الأرض يحملان بُعدًا نفسيًّا عميقًا؛ فهو تفريغٌ للطاقة السلبيّة والضغوط، وتحويلٌ للألم والتعب إلى قوّةٍ جماعيّةٍ وأملٍ متجدّد. وهكذا يصبح الرقص لغةً صامتة تعبّر عن التضامن والصمود.
إنَّ الموسيقى والفلكلور لدى الكورد ليسا مجرّد موروثٍ جماليّ، بل هما آليّةٌ ذكيّة استخدمها العقل الجمعيّ لحماية اللّغة والتاريخ والهويّة، والتكيّف مع قسوة الجغرافيا وتقلّبات السياسة.

وباختصار: الغناء للكورد ليس ترفًا عابرًا، بل هو الوطن غير المرئيّ الذي حملوه في حناجرهم أينما ذهبوا؛ وهو الذاكرة التي بقيت حيّة، والصوت الذي روى حكاية شعبٍ تمسّك بالحياة وبحقّه في الوجود



#عبدالكريم_مراد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- روبُ الأيديولوجيُّ إلى الأمام الذَّرائعُ الوهميَّةُ والمُتاج ...
- -حين تتآكل الجذور… - - أبناء الجالية الكورديَّة في أوروبَّا ...
- حينَ تفشلُ السِّياسةُ ويُستنزَفُ الشَّعبُ… قراءةٌ في مأزقِ ا ...
- حين يُترك الناس لمصيرهم… الأمل بين مطرقة الواقع وسندان التنص ...


المزيد.....




- مشهد مؤثر.. قردة تحتضن فرخًا ضالًا وتحاول إرضاعه داخل حديقة ...
- دوي صفارات الإنذار في الأردن.. والجيش يصدر بيانًا وسط إطلاق ...
- الشرع يجري تعديلات أمنية واسعة.. تعيينات جديدة على رأس مكتب ...
- هجوم إيراني يستهدف العقبة.. الأردن يعلن إسقاط الصواريخ وإسرا ...
- أرواح لا تقبل البتر: ما قصة أول فريق كرة قدم نسائي للمبتورين ...
- ترامب يدعو لإدراج إيران في مشروع قانون عقوبات ضد روسيا
- الجيش السوداني يتقدم غرب الأبيض ويدك مواقع الدعم السريع بالد ...
- بيان للجيش الأردني بعد القصف الإيراني للعقبة
- عراقجي: المنطقة لم تصدق قدرتنا على الضرب.. وحذرت وزير خارجية ...
- أنقرة.. مؤتمر دولي غير حكومي يدعو لتحالف روسي صيني تركي إيرا ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - عبدالكريم مراد - -في صوتِ الدَّنگبيچ وخُطى الگُوفَند… ….حين يحملُ شعبٌ وطنَهُ في أغانيه-