أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عبدالكريم مراد - -حين يصبح المال عذراً للباطل -














المزيد.....

-حين يصبح المال عذراً للباطل -


عبدالكريم مراد

الحوار المتمدن-العدد: 8799 - 2026 / 8 / 16 - 19:10
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


من أصعب ما في الحياة على الإنسان حين يعرف الحقَّ ثم يختار أن يدير ظهره له، وليس أشدّ إيلاماً أن يتحوّل المال من وسيلةٍ للعيش إلى غايةٍ تبرّر كلّ شيء، حتّى الكذب، والمراوغة، والدفاع عن الباطل، وخسارة أقرب الناس.

قد يخطئ الإنسان، وهذا من طبيعته، لكن الخطأ الحقيقيّ لا يبدأ عند لحظة الوقوع في الخطأ، بل عندما يعرف المرء أنّه أخطأ، ثم يصرّ على خطئه، ويدافع عنه، ويبحث له عن الأعذار، خوفاً من خسارة منفعة مادّية أو مكسبٍ شخصيّ.

وقد يفعل ذلك لأنّه يرى المال غايةً لا وسيلة، أو لأنّه يخشى الاعتراف بالحقيقة وما قد يترتب عليه من خسارة، أو لأنّ الغرور يمنعه من أن يقول ببساطة: لقد أخطأتُ.
والمشكلة لا تكمن في المال ذاته، لأنّ المال ضرورة، والسعي إليه حق مشروع، والعمل من أجل حياة كريمة أمر محمود، بل تكمن المشكلة وتبدأ عندما يصبح المال معياراً وحيداً للحكم على الأشياء، وعندما يُطلب من الإنسان أن يختار بين مكسبٍ مادّي وبين كرامته، وصدقه، وعلاقاته الإنسانية.
عندها لا يعود السؤال: كم ربحت؟
بل يصبح السؤال الأهم:
ماذا خسرت وأنت تربح؟
فقد يربح المرء مالًا، لكنّه يخسر صديقاً أو قريباً،
وقد يحافظ على مصلحةٍ عابرة، لكنّه يفقد ثقة إنسانٍ ظلّ إلى جانبه سنوات.
وقد ينجح في إخفاء الحقيقة فترةً من الزمن، لكنّه لن يستطيع أن يخفي آثارها إلى الأبد.
فالعلاقات الإنسانية لا تُبنى بالمال، وإنّما تُبنى بالثقة والصدق والوفاء، وبالقدرة على الاعتراف بالخطأ عندما يستدعي الأمر ذلك.
وحين يختار الإنسان المال على حساب هذه القيم، فقد يشعر في البداية بأنّه انتصر، لكنّه في الحقيقة لا يفعل سوى تأجيل خسارته.

فالراحة التي يمنحها المال حين يُكتسب على حساب الآخرين قد تكون راحةً زائفة، سرعان ما تتحوّل إلى قلق وندم وعزلة.
ولايخفى على أحد فإنَّ أخطر الخسائر… خسارة السند
أجل …. الأخطر من خسارة المال هو خسارة السند.

فالأصدقاء والأقارب ليسوا مجرد أسماءٍ في دفتر الهاتف، ولا علاقاتٍ يمكن استبدالها متى شئنا.
إنّهم السند في المرض، والشدائد، والوحدة، واللحظات التي لا ينفع فيها المال وحده.
وحين يكرّر الإنسان الكذب، ويبرّر الباطل، ويستغلّ ثقة من حوله من أجل منفعةٍ شخصية، فإن أول ما يتآكل هو هذا السند.
قد يسامحه البعض مرّة، ومرّتين، وربما أكثر، لكنّ الثقة إذا انكسرت مراراً، يصبح ترميمها أصعب من كسرها.
وعندها قد يجد الإنسان نفسه محاطًا بالمال، لكنّه وحيد في مواجهة الحياة.
ويصبح العناد أقوى من الحقيقة، لأنَّ التمادي في الخطأ لا يحتاج دائمًا إلى قناعةٍ بالباطل، بل قد يحتاج فقط إلى عجزٍ عن الاعتراف بالحقيقة.

فالاعتراف بالخطأ شجاعة، والاعتذار تواضع، والرجوع عن الخطأ قوةٌ داخلية لا يمتلكها الجميع.
ولهذا يجد بعض الناس الاستمرار في الخطأ أسهل من التراجع عنه؛ إذ يكفي أن يخترع الإنسان لنفسه مبررًا جديدًا كلما ظهرت الحقيقة.
وهكذا يتحوّل الخطأ الصغير إلى موقف، والموقف إلى عناد، والعناد إلى عادة، ثم يصبح الباطل بالنسبة إلى صاحبه شيئاً يجب الدفاع عنه مهما كان الثمن.
والأخطر من ذلك أن الإنسان قد يصل إلى مرحلةٍ يقنع فيها نفسه بأنّه على حقّ، لا لأنّه كذلك، وإنّما لأنه لم يعد قادرًا على مواجهة الحقيقة.
وفي كثير من الأحيان، قد تكون عبارة بسيطة مثل:
«كنتُ مخطئًا»
قادرةً على إنقاذ علاقةٍ كاملة.
وقد يعيد اعتذارٌ صادق بناء جسرٍ هدمته سنواتٌ من العناد.
ليس العيب أن تخطئ… بل أن تعرف وتصرّ

ليس هناك من هو معصوم عن الخطأ.

لكن الفارق بين إنسانٍ وآخر ليس في عدم الخطأ، وإنما في القدرة على الاعتراف به وتصحيحه.

فالعودة إلى الحق لا تحطّ من منزلة الإنسان ولا تنتقص من قيمته، بل ترفع قدره؛ لأنّ الشجاعة ليست أن تتمسّك بموقفك إلى النهاية، وإنّما أن تمتلك الشجاعة لتقول:
لقد أخطأت… وهذا هو الصواب.

فالاعتراف بالخطأ لا يعني الهزيمة، والاعتذار لا يعني الضعف، والتراجع عن الباطل لا يعني خسارة الكرامة.
بل إنّ الإصرار على الخطأ، مع معرفة الحقيقة، هو الذي يجعل الإنسان أسيراً لموقفٍ كان يستطيع أن يتجاوزه بكلمة صدق.
والمال يبقى… والناس قد يرحلون، فمن المؤلم أن يكتشف الإنسان بعد سنوات أنّ ما جمعه من المال لم يكن قادراً على شراء الذين فقدهم.
فالمال يمكن أن يعوّض بعض الأشياء، لكنّه لا يستطيع أن يشتري ثقةً ضائعة، ولا صداقةً صادقة، ولا قلب قريبٍ جُرح، ولا سنواتٍ مضت.
والحكمة ليست في أن يختار الإنسان بين المال والعلاقات، بل في أن يعرف كيف يكسب المال دون أن يخسر إنسانيته.
فلا قيمة لربحٍ يجعل صاحبه يخسر نفسه.
وهنا يحضرني قول السيد المسيح عليه السلام:
«ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كلّه وخسر نفسه؟»
وهو معنى يتجاوز المال وحده؛ فكلّ مكسبٍ يُفقد الإنسان نفسه، أو كرامته، أو صدقه، أو علاقاته الصادقة، هو في حقيقته خسارةٌ مهما بدا في ظاهره ربحًا.
فلا بركة في مالٍ يصبح سبباً في قطيعة الرحم، ولا في مصلحةٍ تحتاج إلى الكذب، ولا في مكسبٍ يقوم على خيانة الصداقة وانهيار الثقة.
ويجب ألّا ننسى بأنَّ العودة إلى الحق ليست هزيمة
فمهما طال الطريق، يبقى باب الإصلاح مفتوحاً.
والخطوة الأولى تبدأ بالاعتراف، ثم يأتي الاعتذار، ثم تصحيح ما يمكن تصحيحه، وإعادة ترتيب الأولويات،
وهذا لا يعني أن يتخلّى الإنسان عن طموحه، أو عن حقّه في تحسين حياته، وإنّما يعني ألّا يسمح للمادّة بأن تتحوّل إلى ميزانٍ وحيد يقيس به الناس والقيم والعلاقات.
فالحياة أقصر من أن نقضيها في الدفاع عن باطلٍ نعرف أنّه باطل، وأقصر من أن نخسر فيها أهلاً وأصدقاء من أجل مكاسب لا تدوم.

وفي النهاية، قد ينسى الناس كم كان معك من المال، وكم ربحت، وكم جمعت…
لكنهم لن ينسوا كيف عاملتهم حين كان المال في يدك.
فاحرص ألّا يكون ثمن ما تكسبه… أغلى من إنسانيتك.



#عبدالكريم_مراد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حينَ يَسألُني الوطنُ: إلى أينَ تعود؟-
- -صَياعُ وطنٍ-
- الربيعُ العربيّ بين المُزنة والبركان
- - وطنٌ على حافّة الصبر-
- -محاكمةُ السَّنة… لائحةُ اتهامٍ ضدَّ شعبٍ مُستنزَف”
- - مدينة عشقي-. إهداء إلى زوجتي
- قمر كوردستان …قصّةٌ شعرية
- حينَ يُعادُ رسمُ الوطن… على حافّة القهر-
- - الانحراف في الحياة- قراءة شعرية في مأزق التقليد وضياع الهو ...
- صفّق الإمام
- صفَّق الإمام
- قصة شعرية بعنوان : -من يصلح الملح إذا الملح فسد -
- -الحَسَكَةُ بَيْنَ تَحَدِّيَاتِ الوَاقِعِ وَآفَاقِ الحَلِّ-
- حين تُفسَد البوصلة-
- حين يثور الجوع
- -في صوتِ الدَّنگبيچ وخُطى الگُوفَند… ….حين يحملُ شعبٌ وطنَه ...
- روبُ الأيديولوجيُّ إلى الأمام الذَّرائعُ الوهميَّةُ والمُتاج ...
- -حين تتآكل الجذور… - - أبناء الجالية الكورديَّة في أوروبَّا ...
- حينَ تفشلُ السِّياسةُ ويُستنزَفُ الشَّعبُ… قراءةٌ في مأزقِ ا ...
- حين يُترك الناس لمصيرهم… الأمل بين مطرقة الواقع وسندان التنص ...


المزيد.....




- مرتزقة كولومبيون وقود لحرب نظام كييف
- اليمن.. الحوثيون يحذرون دول المنطقة من المشاركة في العقوبات ...
- بعد زيارتها لأوكرانيا.. رئيسة وزراء الدنمارك تنتقد نصائح جرا ...
- نيبينزيا: روسيا لن تقبل تجميد النزاع تحت ستار وقف النار ولن ...
- بن سلمان في باريس.. مدن ملاهي واستثمارات سعودية بالمليارات ف ...
- تفاؤل وترحيب في دمشق برفع سوريا من قائمة -الدول الراعية للإر ...
- عون: ماضون بالتفاوض ونرفض الوصاية
- وزير الخارجية الأمريكي يبحث مع نظيره الألماني النزاع الأوكرا ...
- السلطات الأمريكية تخدع 6 مرحلين إلى ليبيريا رفضوا الخروج من ...
- عمان.. لقاء سوري إسرائيلي لخفض التوتر


المزيد.....

- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عبدالكريم مراد - -حين يصبح المال عذراً للباطل -