|
|
چارڤاكا الفلسفة الهندية القديمة عن المتعة
عضيد جواد الخميسي
الحوار المتمدن-العدد: 8815 - 2026 / 9 / 1 - 16:50
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
كانت عقيدة چارڤاكا (أو كارڤاكا) مدرسة فكرية فلسفية نشأت في الهند القديمة حوالي عام 600 قبل الميلاد. حيث تؤكد فلسفتها على المادية كوسيلة لفهم الحياة والعيش الرغيد . كما تفسّر مصطلح المادية على أنها الشيء المحسوس لكل ما هو موجود؛ وأن مفاهيم الروح والكيانات والعوالم الخارجة عن الطبيعة هي مجرّد أفكار لأشخاص يمتلكون خيال واسع .
يُثار جدلٌ حول معنى اسم "چارڤاكا "، إذ يزعم البعض أنه يشير إلى فعل "المضغ"، وذلك لأن چارڤاكا أكّد على أهمية الاستمتاع بالحياة من خلال تناول الطعام والشراب. بينما يرى آخرون أن المؤسس لهذه المدرسة كان رجل إصلاحياً يُدعى برهسپاتي ، وچارڤاكا تلميذاً له. ويُعرف هذا النظام الفلسفي أيضاً باسم لوكاياتا أي" فلسفة الشعب"، وكذلك برهسپاتيا نسبةً إلى برهسپاتي .
لقد رفضت الچارڤاكية جميع المفاهيم الخارجة عن العقل والمنطق، وكذلك جميع الرموز والنصوص الدينية ،وطقوس العبادة وتقاليدها والقبول بالاستدلال والشهادة الشخصية في إثبات الحقيقة. والمبادئ الأساسية لهذه الفلسفة هي : ـ الإدراك المباشر هو الوسيلة الوحيدة لإثبات أي حقيقة وقبولها . ـ ما لا يمكن إدراكه وفهمه بالحواس فهو لا وجود له . ـ كل ما هو موجود هي العناصر المرئية من الهواء والأرض والنار والماء . ـ الخير الأسمى في الحياة هو المتعة؛ والشر الوحيد هو الألم أو الوجع . ـ إن السعي وراء المتعة وتجنب الألم هو الغاية الوحيدة للوجود البشري . ـ الدين هو اختراع الأقوياء وأصحاب السلطة الذين يستغلون الضعفاء .
وتجدر الإشارة إلى أن كل ما سبق يُعتبر من مبادئ چارڤاكا ، إلا أنه لم يتم العثور على أية نصوص أصلية للچارڤاكية حتى الآن؛ وكل ما هو معروف عنها جاء من الكتب الهندوسية والجينية والبوذية المنتقدة لتلك الفلسفة بعداء والتي نقلت مفاهيمها بقصد الانتقاص منها . ويُعتقد أن الفلسفة الچارڤاكية قد تم تطويرها من قِبل برهسپاتي (لا ينبغي الخلط بينه وبين حكيم النور برهسپاتي صاحب شهرة دارما شاسترا ) رداً على ما اعتبره خرافات تافهة انخدع بها الناس ليقبلوها كحقيقة لا نقاش فيها. ومن المحتمل أن يكون چارڤاكا هو مؤسس تلك العقيدة وبرهسپاتي تلميذه، أو بالعكس، ولربما ألا يكون أي من هذين الاحتمالين صحيحاً.
من المحتمل جداً أن الـ "سوترا برهسپاتي" قد فُقدت أو دُمرّت عمداً، التي قيل إنها الكتاب الأساسي الذي يحمل النصوص الچارڤاكية؛ لذا ينبغي علينا النظر بعين ناقدة إلى أي مزاعم تُثار حول هذه الفلسفة، بمن في ذلك ما يرد في هذه المقالة .. وعلى الرغم من أن تلك النصوص قد يبدو كان لها تأثير كبير في عصرها، وخاصة في تطوير ما يُعرف اليوم بالمنهج العلمي ، إلا أنها لم تترسخ أبداً وانتهت بحلول القرن الثاني عشر الميلادي . بيد أن المفاهيم التي تم التعبير عنها لم تساهم فقط في المناخ الفكري الذي سمح بتطور المنهج العلمي في المنطقة، بل إنها استبقت أيضاً إلحاد الفيلسوف "كريتياس الأثيني" (عام 460-403 قبل الميلاد)، والمدرسة الهيدونية لأريستيپوس القيرواني (عام 435-356 قبل الميلاد)، والأكثر شهرة الفيلسوف أپكيورس (عام341-270 قبل الميلاد) وتطويره لـ "الهيدونية المستنيرة" في مدرسته في أثينا . أثّر هؤلاء المفكرون ومن تبعهم في الفلسفات التجريبية والنفعية في القرن التاسع عشر الميلادي، وفي الحركة الوجودية في القرن العشرين . لذلك فقد كانت مفاهيم چارڤاكا نظاماً عقائدياً سابقة لعصرها، حتى وإن لم تؤثر بشكل مباشر في الأنظمة التي جاءت بعدها .
العصر الڤيدي و الچارڤاكية جاءت العقيدة الچارڤاكية رداً على المفاهيم الدينية السائدة في الهند آنذاك والمستندة إلى الڤيدا . إذ تُعدّ الڤيدا النصوص الدينية الرئيسية التي تُشكّل أساس الديانة الهندوسية (المعروفة لدى أتباعها باسم سانتان دهارما ، أي "النظام الأبدي" أو "المسار الأبدي"). وتعني كلمة ڤيدا " المعرفة " . ويُعتقد أن الڤيدا الأربعة هي؛ " ريگ ڤيدا ، وساما ڤيدا، وياجور ڤيدا، وأثارڤا ڤيدا " ، حيث تُقدّم المعرفة الأساسية اللازمة لفهم النظام الأبدي للكون ومكانة الإنسان في العالم . تُعتبر هذه النصوص بمثابة " شروتي " (ما يُسمع) لدى الهندوس المتعصبين . إذ يُعتقد أن الكون قد "نطق" من خلال الذبذبات في زمن سحيق، و"سمعها" الحكماء في حالات تأملية قبل حوالي عام 1500 قبل الميلاد. وقد حفظ هؤلاء الحكماء هذه الرسائل شفهياً حتى دُوّنت خلال العصر الڤيدي (عام 1500 ـ 500 قبل الميلاد) مع نصوص أخرى (بما في ذلك الأوپانيشاد ) حيث تم تنقيحها ثم بلورتها . أدت نصوص الڤيدا إلى ظهور الحركة الدينية/الفلسفية المعروفة باسم البراهمية ، والتي أكدت أن العالم يسير وفق قواعد محددة قابلة للادراك والإثبات. وأن وجود هذه القواعد المعروفة باسم " ريتا " (النظام)، يُشير إلى وجود من وضعها. وقد تم تحديد أن هذا الواضع هو كائن عظيم لا يُدرك، حيث خلق الكون وهو الكون نفسه ، وأطلقوا عليه اسم "براهمان" . لم يكن بالإمكان إدراك البراهمان بالعقول البشرية الفانية، لذا تقرر أن كل إنسان يحمل في داخله بذرة من هذا الكائن الإلهي تُعرف باسم "الأتمان". وأن غاية الحياة هي تحقيق اتحاد الأتمان مع البراهمان . ويتحقق ذلك من خلال أداء الواجب ( الدارما ) وفقاً للعمل الصالح ( الكارما ) لنيل التحرر ( الموكشا ) والنجاة من دورة الموت والولادة . وهو المفهوم الفلسفي الذي يكاد يكون مشابهاً لما تبناه أفلاطون (عام 428 - 348 قبل الميلاد) ثم الطوائف الغنوصية من بعده في القرون الأولى للميلاد بانبثاق المسيحية ، غير أن الغنوصية قد انحسرت إلى حدّ كبير بعد اتهامها بالهرطقة ومن ثم محاربتها، لتقتصر على قلّة من يؤمنون بمفاهيمها في يومنا هذا. وبالعودة إلى الڤيدية، كان هناك خياران لدى الناس؛ إما أن يتبنوا السعي لتحقيق الذات والاتحاد (والذي من خلاله سيصبحون نسخاً أفضل من أنفسهم)؛ أو أن يرفضوا الحقيقة الإلهية ليعانوا في هذه الحياة وكل حياة من بعدها حتى يتبنوا في النهاية طريق الهداية والعشق الإلهي. كان الكهنة الڤيديون يرتلّون الڤيدا باللغة السنسكريتية ، وهي اللغة التي "سُمعت" بها رسائل الإله وتأليف النصوص . ولم يكن الناس الذين سمعوا تلك التراتيل يفهمون السنسكريتية ؛ لكن كان عليهم أن يأخذوا كلام الكهنة على محمل الجد ؛ لأن هذه النصوص كانت مُبعثة بشكل مباشر إليهم من إلههم . كانت المدارس الدينية والفلسفية التي قبلت بالڤيدا كسلطة روحية تُعرف باسم "آستيكا " (أي "موجود")، وبالتالي آمنت بوجود الأتمان ، والبراهمان، وبقية المفاهيم الڤيدية. أما من لم يؤمن بأيٍ من هذه العناصر، فكان يُعرف باسم "ناستيكا " (أي "غير موجود"). وشملت مدارس ناستيكا الفكرية؛ الجاينية ، والبوذية ، والچارڤاكية . واستناداً إلى الهوامش والانتقادات والملاحظات الواردة في النصوص اللاحقة، اعتبر برهسپاتي أنه من السخف الشديد أن يصدّق الناس كلام الكهنة ؛ بأن هذه النصوص الغير المفهومة هي كلام إله. والأكثر من هذا ، فقد كان عليهم أن يصغوا لنصائحهم باستمرار في اتبّاع التقاليد والطقوس وإعلان التوبة والالتزام بالمحللات والمحرّمات التي وضعوها . بيد أنه قد بدا واضحاً أن كل ذلك كان مجرّد طريقة ذكية تُمكّن الكهنة من العيش برفاهية كطبقة عليا على حساب الطبقة الدنيا التي تم خداعها لقبول خرافاتهم كحقائق . لا توجد طريقة لمعرفة ما الذي دفع برهسپاتي (أو چارڤاكا) لهذا الهجوم الحاد ، ولا حتى ما هي تصوراته الفكرية الأولى التي جعلته يتحدّى المعتقدات السائدة . ولكن يبدو أنه في مرحلة ما، إما أنه قد بشّر بدين جديد أو أعلن أفكاراً عبّر فيها عن اعتقاده بأن الغرض من الحياة هو التمتع بها إلى أقصى حد دون خوف من عقاب أو أمل في نيل ثواب في هذه الحياة أو من أية حياة أخرى، لأن الحياة التي يعيشها المرء من الواضح أنها لا تخضع لسلطة إلهية ؛ وبالتالي ليس هناك حياة أُخرى يحيا بها بعد الموت إطلاقاً .
المعتقدات في الإثبات كان اعتراض چارڤاكا الرئيسي على العقيدة الڤيدية هو أنها لا يمكن إثباتها؛ بل يجب قبولها بالإيمان . وهذا الإيمان كان يُحفزّه الكهنة لدى عامة الناس، لاستفادتهم منه بشكل واضح على حساب الفقراء والمساكين منهم . فالقرابين والنذور والتبرعات والهدايا ومظاهر التوبة كانت تُثري الكهنة بينما تُساهم في فقر الطبقة الدنيا . أصبح ذلك الثراء ممكناً بفضل ما كان يدعيه الكهنة في أنهم يعرفون الحقيقة المطلقة؛ والتي لا يمكن إثباتها في أي حال من الأحوال . وإذا آمن الناس بها، فإنها سوف تضمن لهم حياةً أكثر ازدهاراً ورسوخاً في الدنيا ، ولقاءً سعيداً مع إلههم بعد الموت. وما شجع الناس على الإيمان هو الخوف لما يكمن وراء الموت، واحتمالية تناسخ لا نهاية له من الصراع ، حيث حياة تلو أخرى .. وهكذا الى مالانهاية . لذا كان على الناس قبول مزاعم الكهنة على أمل أن تكون صادقة وصحيحة . غير أن چارڤاكا كان يراها غير صحيحة أبداً لأنها تفتقر إلى الأدلّة الملموسة . أدى هذا الاعتراض إلى الاعتقاد التام لدى أتباع الچارڤاكية ؛ بأن الإدراك المباشر لأي شيء على الإطلاق هو وحده القادر على إثبات الحقيقة. علاوة على ذلك، فإن ما لا يمكن إدراكه أو التعرّف عليه عن طريق الحواس لا يمكن أن يكون موجوداً أبداً .
وكما ذكرنا، كانت هناك مدارس فكرية أخرى من مدارس ناستيكا مثل؛ الجاينية والبوذية التي تطورت جنباً إلى جنب مع الچارڤاكية والتي رفضت المفاهيم الڤيدية ، بيد أن الچارڤاكية اختلفت عن هذه المدارس بشكل كبير، كما يشير البروفيسور جون إم. كولر: " تُعدّ الچارڤاكية العقيدة المادّية الوحيدة ؛ أما العقائد الأخرى فإنها تتبنى أساليب الحياة الروحية. فعلى سبيل المثال؛ تسعى الجاينية إلى توضيح سبل التحرر من قيود الكارما، مؤكدةً على حياة خالية من الأذى تتوج بالتحرر النهائي منها عبر التأمل والوعي الذاتي . أما البوذية، فتقدم تحليلاً لطبيعة وأسباب معاناة البشر، وتُقدّم المسار الثماني كعلاج لها." (ص7)
على النقيض من ذلك، ترى الچارڤاكية أن المعاناة ليست سوى حرمان من لذّة الحياة، وأن علاجها يكمن في السعي وراء المتعة الحسية. إذن؛ ليس على المرء أن يجعل نفسه ذليلاً لشيء لا يمكن أن يشعر به أو يراه؛ بل عليه أن يرى نفسه فقط . كما لا توجد ديون أو مستحقات إلهية يمكن أن تتراكم عليه ويجب أن يُسددها؛ لأنه لا يوجد إله يحاسب الناس على أفعالهم أو خطاياهم . وأن ما يراه المرء في الحياة هو فقط كل ما فيها، وأن المظاهر الطقوسية والتعاليم الدينية ليست سوى وسيلة يمكّن بها الأقوياء والمحتالين أنفسهم من السعي وراء المتعة .
لقد رفضت الچارڤاكية المفهوم الديني لأصل الكون، انطلاقاً من مبدأ عدم وجود حاجة للتكهن بنشأة الكون. فمثل هذه المساعي هي مضيعة للوقت، إذ يستحيل معرفة كيف نشأ الكون . ويمكن استنباط الحقائق من خلال التجربة والملاحظة ، حيث أن الطبيعة تُجدد نفسها وتُنتج عناصرها وفقاً لقوانينها البيئية والمناخية وليست بفعل أحد . لذا فمن المنطقي الاستنتاج أن الكون مهما كانت طريقة نشأته، قد تطور وفقاً لهذا النمط من القوانين . فمعرفة كيفية بدء الكون لا تُثري حياة المرء بأي شكل من الأشكال، وبالتالي يمكن التخلي عن هذه المعرفة . كما اعتُبرت نظرية المعرفة عديمة الجدوى بنفس القدر، إذ يشهد المرء الحقيقة من خلال الإدراك الحسي، ولا داعي للبحث مثلاً؛ في كيفية معرفة أن شخص يحمل حقيبة كبيرة عندما يكون ذلك واضحاً وجليّاً . لذا فقد رفضت الچارڤاكية البراهين الدينية (مصادر أو أدلة المعرفة)، وخاصة الاستدلال والشهادة الشخصية. إذ لا يُمكن الاعتماد على الاستدلال لإثبات الحقيقة، لأنه على عكس الإدراك الحسي المباشر، وقد يكون الاستدلال خاطئاً في الأساس . المثال الأكثر شيوعاً في مناقشة المعاييرالچارڤاكية مع الاستدلال هو وجود الدخان كدليل على وجود حريق . فعندما يرى شخص دخاناً يتصاعد من نافذة منزل ريفي، سوف يستنتج بسرعة على أن هناك حريق في ذلك المنزل ، لكن هذا ليس بالضرورة صحيحاً ! فقد يكون شخص ما في ذلك المنزل ينظف المدفأة أو الموقد، مما يؤدي إلى تصاعد السخام من النافذة بطريقة تبدو للناظر على أنه دخان ! وبالتالي؛ فإن شهادته تُعدّ غير موثوقة بنفس القدر، إذ من المرجح أن يُبلغ شخص رأى ما ظنّه دخاناً من النافذة أن المنزل فيه حريق ، بينما في الواقع لم يكن الدخان الذي ادعى رؤيته دخاناً على الإطلاق .
رفضت الچارڤاكية الأنظمة الأخلاقية أيضاً ،لأنها كانت تُعرَّف بما يُسمى "القوانين الأخلاقية"، والتي لم تكن سوى مجموعة أخرى من الخرافات التي ابتدعها رجال الدين للسيطرة على الآخرين وإثراء أنفسهم . إذ إن الخير في الحياة هو ما يشعر به الإنسان من خير، والشر هو ما يشعر به من شر. لذلك لم تُضف الأنظمة الأخلاقية إلا تعقيداً لهذه الحقيقة البسيطة، وحرمت الناس من المتعة، وأثقلت كاهلهم بالذنب، ولم تفعل شيئاً سوى المساهمة في سيطرة الأقلية على عقول الأغلبية. وقبل مؤلفات الفيلسوفين جيريمي بنثام (عام 1748-1832 م) وجون ستيوارت ميل (عام 1806-1873م) بقرون؛ قال چارڤاكا إن "السلوك الصحيح" هو الذي ينتج أكبر قدر من الخير لأكثر عدد من الناس، و"السلوك الخاطئ" هو الذي يسبب أكبر قدر من الألم لهم . حيث يُفهم معنى "الخير" هنا على أنه " متعة ". أما الشر، باعتباره نقيض الخير، فيُعرف ببساطة على أنه غياب لتلك المتعة . وقد دفع عجز المرء عن السعي وراء مُتعهُ الشخصية إلى القيام بأفعال لإزالة العقبات التي تحول دون تحقيقها. وعندما يقوم الناس بارتكاب أفعال يدينها الآخرون باعتبارها غير قانونية ويُعاقبون عليها ؛فأن من ينفذون العقوبات لم يكونوا أكثر فضيلة من مرتكبي الفعل؛ فالحكّام بطبيعتهم يحاولون بأقصى حد الحفاظ على مستوى سعادتهم ومتعهم الشخصية على حساب أولئك الذين حُرموا منها .
التشابه مع الفلسفات اللاحقة طُوِّرت هذه المفاهيم نفسها، وعلى الأرجح بشكل مستقل في اليونان القديمة وغيرها. ورغم أن السياسي الأثيني كريتياس لم يُؤسِّس مدرسة فكرية رسمية، إلا أن أعماله الباقية تُردِّد الفلسفة نفسها التي طرحها برهسپاتي . فقد كتب كريتياس أن " الدين ليس إلا وسيلة يسيطر بها الأقوياء على الضعفاء، ويُثرون أنفسهم من خلال سنِّ شرائع تتوافق مع مصالحهم " . تتشابه هيدونية أرستيپوس القيرواني القائمة على المتعة إلى حد كبير مع فلسفة چارڤاكا؛ إذ اعتقد أن أنبل غاية يمكن للمرء أن يسعى إليها في الحياة هي طلب المتعة. وقد آمن أرستيپوس بالعيش في اللحظة والاستمتاع بها قدر الإمكان. وكثيراً ما تُقارن فلسفته بأفكار الفيلسوف الصيني يانگ چو (عام 440-360 قبل الميلاد)، الذي اعتبر الدين بناءً مصطنعاً للسيطرة على الناس، وأن الانشغال بتحديد "الفعل الصحيح" و"الفعل الخاطئ" مضيعة للوقت، في حين يمكن للمرء أن يستمتع بوقته ويفعل ما يشاء . أشهر الفلاسفة لمفهوم "المتعة"، بلا شك هو إپيكور، الذي اعتقد أيضاً أن السعي وراء المتعة يجب أن يكون أسمى غاية. إلا أن فلسفة إپيكور كانت في الواقع بعيدة كل البعد عن ما نادى به چارڤاكا أو أرستيپوس أو يانگ چو. فبالنسبة لإپيكور، كان السعي وراء المتعة يعني الاستمتاع الكامل بما يملكه المرء دون القلق بشأن ما يفقده. فالمتعة لا تُنتج السعادة إلا إذا أمكن الشعور بها دون توتر أو قلق، مما يعني ضرورة الاعتدال في كل شيء لكي يعيش المرء أطول فترة ممكنة بصحة جيدة مع قدر أكبر من الاستقرار .
لا يُعرف ما إذا كانت الچارڤاكية قد أثّرت في أيّ من هؤلاء الفلاسفة اللاحقين، ولكن من المثير للاهتمام ملاحظة المفاهيم الچارڤاكية التي عُبّرت عنها في ثقافات أخرى . فقد مهّد الكتّاب اليونانيون الطريق لكتّاب لاحقين مثل التجريبي الاسكتلندي ديفيد هيوم (عام 1711-1776م) الذي من بين آرائه ؛ "أنه لو لم يُخبَر المرء بوجود إله ، لما وُجد في العالم ما يُشير إلى وجوده". وتتشابه الفلسفة النفعية التي طوّرها جون ستيوارت مل تشابهاً ملحوظاً مع الچارڤاكية . وكذلك مؤلفات الوجوديين، لا سيما جان پول سارتر (عام 1905-1980م) مع بعض الاختلافات .
لم يلقَ هؤلاء الكتّاب والأنظمة الفلسفية اللاحقة قبولاً لدى المؤسسات الحاكمة عند ظهورها، وبالتأكيد لم تلقَ قبولاً لدى المتدينين المتعصبين ، وكانت الاستجابة الدينية في الهند القديمة للفلسفة الچارڤاكية قد اتبعت نفس الموقف . فقد قوّض رفض الچارڤاكية للدين وإصرارها على السعي وراء المتعة ؛ سلطة الكهنة والطبقة العليا؛ ولكن الأهم من ذلك، قيل إنها أخلّت بالوضع آنذاك بحرمانها الناس من الأمل في معنى أسمى للحياة والأمان بعد الموت . لم يكن ادعاء الچارڤاكية بعدم وجود حياة أخرى تعد بمكافأة أخيرة للمستحقين خبراً ساراً . فجمهور برهسپاتي كغيرهم من البشر، فقد كانوا يدركون حتمية الموت، كما ترّبوا على أن السلوك الجيد يؤدي إلى حياة أخرى سعيدة، بينما يُعاقب من أساء التصرف. غير أن الچارڤاكية لم تعد بشيء من هذا القبيل؛ فالمصير واحد للأخيار والأشرار، ولا شيء يفعله المرء في حياته يُغيّر حقيقة أن نهاية طريقه في الحياة يقوده مباشرة إلى الفناء المحتوم . على الرغم من تسميتها بـ "لوكاياتا " أي "فلسفة الشعب"؛ إلا أنه لا يوجد دليل على انتشارها بشكل واسع بين عموم الناس . ويشير البروفيسور ب. رام مانوهار إلى أنها "لم تترسخ قط كمدرسة فكرية سائدة" (پارانجاپي،ص 5). ويبدو أن هذا المصطلح قد صِيغ بمفهوم "شعبي" بمعنى افتقاره إلى الثقل الفكري كما في عبارة "الرأي العام" . مع ذلك، لم تكن الچارڤاكية "جاهلة أو متخلفة" على الإطلاق، بل ألهمت تطوير المنهج العلمي في الهند القديمة من خلال تشجيع المراقبة المباشرة للظواهر، ووضع الفرضيات لتفسيرها، واستخلاص النتائج بناءً على التأكيد التجريبي لتلك الفرضية. ويشير مانوهار أيضاً إلى أن الچارڤاكية "مارست تأثيراً قوياً وساعدت في تحقيق توازن بين النظرتين الروحية والمادية للعالم" (پارانجاپي، ص5). ورغم أنها لم تحل محل المذاهب التقليدية، إلا أنها أثرت بلا شك في المشهد الفكري والعقائدي للهند . أصبحت الأمراض كالإعتلال والعجز، وكذلك مظاهر الرخاء ومجيء الحظ السعيد الغير المتوقع، تُفهم على أنها أمور طبيعية وليست قضاءً وقدراً يُعاقب به السلوك أو يُكافئه. وقد أُوليِ الاهتمام بكتب الدهارما شاسترا ومؤلَفات الأرثاشاسترا وذلك بسبب الاعتراف بقيمة المادية الچارڤاكية بصيغتها المعدّلة . ومع ذلك، فقد تفوقت المذاهب الهندوسية والجاينية والبوذية في نهاية المطاف على مذهب الچارڤاكية التي قدّمت رؤية أكثر تفاؤلاً عن حياة الآخرة ومعنىً لحياة الدنيا. غير أن مباديء الچارڤاكية غيرّت نظرة الناس إلى العالم، حتى وإن لم يتبنوا رؤيتها للحياة التي تُحيا بالكامل وفقاً للقيم الشخصية من دون انتظار ثواب أو عقاب في هذه الدنيا أو في الآخرة ..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فورست بيرد ـ الفلسفة الآسيوية ـ روتليدج للنشر ـ 2005 . فورست بيرد ـ الفلسفة القديمة ـ روتليدج للنشر ـ 2010 . جيمس ميلر ـ سير الفلاسفة البارزين ـ طباعة جامعة أوكسفورد ـ 2018 . جون أم. كولر ـ الهند التاريخ ـ هاربر كولنك للنشر ـ 2010 . توماس ماوتنر ـ قاموس بنگوين للفلسفة ـ دار بنگوين للنشر ـ 2005 . ماكاراند پارانجاپي ـ الشفاء عبر الحواجز ـ روتليدج الهند للنشر ـ 2019 . س. رادهاكريشنان ـ الهند الرئيسية للأوپانيشاد ـ هاربر كولينز للنشر/ الهند ـ 1978 . كريستوفر سكار ـ الحضارات القديمة ـ تايلور وفرانسيس للنشر ـ 2007 .
#عضيد_جواد_الخميسي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
أقدم نص من بلاد الرافدين عن الطوفان العظيم
-
نانشي المتفانية إلهة الفقراء والمحتاجين السومرية
-
إنكي إله الحكمة السومري الماكر
-
إنليل حارس ألواح القدر في بلاد الرافدين
-
من قصص الآلهة ـ آنو أبو الآلهة في بلاد الرافدين
-
أوتو- شمش إله الشمس والعدالة عند السومريين
-
نانا إله القمر والحكمة في بلاد الرافدين
-
الشرق الأدنى مصطلح جديد لأرض قديمة
-
أدب بلاد الرافدين من أقدم أعمال الخيال
-
بابل بوابة الآلهة
-
كاليگولا الامبراطور المجنون !
-
بلاد سومر في التأريخ
-
حفلة الرجال المحترقين
-
السلالات المبكرة في بلاد الرافدين
-
أعمال السحر عند الإغريق والرومان
-
رثاء المدن في بلاد الرافدين القديمة
-
قرنان من التمرّد ضد أقوى إمبراطورية في العالم ( الصراع بين ا
...
-
مَن كان ملكاً ومَن لم يكن ملكاً في قائمة الملوك السومريين
-
عيد الحب ( ڤالنتاين )
-
ديانة المايا في أساطيرها عن الخلق والآلهة والطقوس
المزيد.....
-
بيان عسكري إيراني: ستوجه القوات المسلحة ضربات ساحقة ومُدمّرة
...
-
سموتريتش يعلن تخصيص 370 دونمًا لإقامة مستوطنة جديدة في الضفة
...
-
ترامب: نهاجم إيران الآن والهجوم الأكبر قيد الإعداد
-
مصدر عسكري إيراني: سنرد حتما على -جريمة الأمريكيين- الليلة..
...
-
فرانس24 في نيبال: جثث مجهولة الهوية تدفن في مقبرة جماعية
-
الجيش الأمريكي يشن هجمات جديدة على جنوب شرق إيران
-
-فيني أخد الباب؟-.. سورية تعثر على اسم أخيها محفوراً على با
...
-
-شبكات-.. تعطل الدراسة في القدس واعتزال ميسي اللعب دوليا
-
الكشف عن قاتل نجم الراب الأمريكي شاكور بعد 30 عاما.. كيف تفا
...
-
جبهة جديدة تقلق روسيا.. هل تدفع فنلندا ثمن نهاية الحياد؟
المزيد.....
-
الطبيعة والتقليد
/ عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
-
علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون
/ عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
-
بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده
/ علي مجيد
-
البساطة
/ عبدالجليل الكناني
-
أحمد رباص
/ كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
-
الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج
/ احسان طالب
-
تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع
/ علي حمدان
-
-الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن
/ احسان طالب
-
جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟
/ إحسان طالب
المزيد.....
|