أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عقيل الخضري - قصتي مع عفيفة إسكندر














المزيد.....

قصتي مع عفيفة إسكندر


عقيل الخضري
باحث، روائي، كاتب، ناشط في مجال حقوق الإنسان

(Aqeel Alkhudhari)


الحوار المتمدن-العدد: 8814 - 2026 / 8 / 31 - 20:35
المحور: الادب والفن
    


حَيَاة مَرَّتْ
في الثمانينيات من القرن الماضي كنت رجل أعمال ناجح ومعروف في أوساط صناعة الألمنيوم في العراق كله، أمتلك شركتين وأربع مكاتب للبيع والتعاقد.. وكان لي مكتب صغير في شارع كرادة داخل بالزويّة قبل الجسر المعلق والمعروفة بمنطقة السيد ادريس.
على يسار المكتب مكتبة قرطاسية لسيدة محترمة ووقورة من عائلة الكيلاني العريقة تعاونها ابنتها الشابة المبتسمة دوما، ثم محل أزياء تديره سيدة من بيت الخضيري.. لم يكن بيننا علاقة جيرة متينة سوى رفع اليد بالتحية وغالبًا ما تكون مني.
لم أكن ألتقي في المكتب سوى أوقات ما بعد العصر حتى الليل، بينما كانت تتولى شؤون التعامل سيدة كلدانية من منطقة الدورة، من الساعة العاشرة صباحا حتى العصر.
وفي يوم دخلت جارتي صاحبة المكتبة إلى مكتبي ومعها سيدة ستينية ذات طلعة بهية دون غرزة ابرة من مساحيق التجميل، فقمت احتراما لهما، قالت السيدة صاحبة المكتبة بصوت هادئ وهي تقدم السيدة:
الست عفيفة منا.. عندها شغلة
ثم خرجت، أشرت للسيدة بالجلوس فجلست، وبقيت أنا واقفًا مستندًا إلى المكتب.
كان وجه السيدة مألوفًا وبيهًا، لم يخطر ببالي أنها المطربة المعروفة عفيفة اسكندر، رغم ذكر جارتي للاسم، فاسم السيدة عفيفة اسكندر علمًا رغم أنني لم أتابع أغانيها ولا عشت عصر تألقها.
قلت: أهلا وسهلا ست، أأمري
قالت: أريد أعمل قاطع يفصل البلكونة عن الشارع.
أجبت: بسيطة، العامل مدحت يذهب معك ليأخذ القياسات وتدللين. ردت: تعال أنت، بيتي قريب في أبو نواس ومعي سيارة.
طيب تفضلي، العامل مدحت يذهب معك وأنا سأتبعكم..
قامت وهي تقول:
هذي ليست سيارتي، سيارة بسيطة لرجل طيب يقضي لي حاجاتي..

كان سكنها قريبا من المكتب، شقة في الطابق السادس من عمارة حبو في شارع أبو نواس مطلة على نهر دجلة..
الشرفة بحجم غرفة صغيرة فرشتها بسجادة ووسائد بدت بصناعة خاصة وفي الوسط منقلة نحاسية رصّت فيها أحجار ملونة غطت بزجاج سميك لتكون شبه منضدة في وسط المجلس الصغير.
أخذ العامل مدحت القياسات حسب رغبة السيدة، بقاطع زجاجي باطار من الألمنيوم يفصل الشرفة عن الشارع، بعد الانتهاء طلبت منا الجلوس في الصالة الأنيقة بمفروشاتها والصور المعلقة على الجدران بذوق رفيع، ومكتبة صغيرة ضمت مجموعة من الكتب وتحف صغيرة وصور بإطارات فضيّة وخشبية . كانت الصور لعفيفة اسكندر بدت وكأنها توثق حياتها من طفولتها حتى أوج تألقها.
قدمت لنا سيدة كانت تساعدها، قهوة تركية و ماعون من الكليجة.. سألت عفيفة عن تكلفة العمل فالتفت إلى مدحت الذي كان قد حسبها سريعًا، فقال: ستمائة دينار مع الزجاج والتركيب.
قرأت الصدمة في وجه السيدة المطمئن فأخذت ورقة القياسات والحساب من مدحت لمراجعة ما كتب..
قالت أن بعض الناس يعتقدون إننا الفنانين أغنياء، أنا أعيش على راتبي التقاعدي والذكريات!
قلت، الذكريات ليست جميلة دائما.. لا أعرف؟ ثم قلت: التكلفة ثلاثمائة دينار ويمكنك تسديدها على ثلاث دفعات.
ردت وقد انفتح وجهها، أشكرك، سأدفع كما يدفع الآخرين.
ثم انتقلت بلباقة للسؤال عن حياتي وعائلتي فرحت أجيب عما تسأل بوضوح وصراحة وقد طالت الجلسة.

وجه السيدة عفيفة إسكندر المطمئن، وطبيعة تعاملها المتواضع، يجبر على احترامها والتقرّب منها، بقيت أزور السيدة عفيفة كأصدقاء وبناء على رغبتها، أشرب القهوة ونتكلّم عن أحوال الدنيا والشغل.. أشعر براحة السيدة وهي تستذكّر أيام الماضي، تتناول ما راح.. أقرأ فرحها بزيارتي بعينيها المتعبتين، وفرحها بزيارات شحيحة ممن تبقى من أصدقائها.. في كل يوم خميس وفي الساعة الخامسة عصرًا كانت تتَّصِل بيّ هاتفيا، تسألني عن أحوالي وعن العمل وعن صحة أمي وأخبار أخي المفقود في الحرب؟ كأنها أعدت قائمة بمعارفها و مواقيت الاتصالات. كلّما أنوي بمبادرة الاتصال بها أنشغل وأنسى.. لم أستطع أن أكون عظيمًا وراقيًا مثل السيدة عفيفة إسكندر.
حوّلت مكتب الزوية إلى معرض للعطور المستوردة وانتقلت إلى مكتب آخر فانقطعت اتصالاتي بها حتى تركت العراق وهاجرت في 1991..
عفيفة إسكندر فاتنة العراق التي كان يتمنّى الجلوس معها، لا، بل مقابلتها آلاف الناس وهي في أوج تألقها.. بعد مغادرة التألق كانت تنتظر من يدق بابها ويسأل عنها. كانت تقضي مشاويرها مع سائق كهل بسيارة خاصة وقديمة.. عرضت عليها بأني سأكون سعيدًا لتوصيلها إلى أي مكان وفي أيّ وقت.. ابتسمت وشكرتني، ولم تطلب مني يومًا مساعدتها في مشاويرها، ولا أيّ مساعدة أخرى.
أتذكّر عفيفة إسكندر فألوذ في صمت موجع ..



#عقيل_الخضري (هاشتاغ)       Aqeel_Alkhudhari#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حكاية مع الراحل الكبير محمد القبانجي
- عَاشُورَاء، بَيْنَ حُزْنِ اَلشِّيعَةِ وَبَهْجَةِ اَلسَّنَةِ. ...
- اَلْجُبّ * ..عُبُودِيَّةٌ وَوَحْشِيَّةٌ
- عندما طلب العراق من إيران رفات هارون الرشيد..
- اَللَّهُمَّ اِضْرِبْ اَلظَّالِمِينَ بِالظَّالِمِينَ وَأَخْرَ ...
- أمير المؤمنين المتوكِّل العبّاسيّ..
- قريش.. صفحات دموية
- خَال اَلمُؤمِنِينَ مُعَاوِيَة..
- أهل الشِّقاق والنِّفاق..
- نص مفقود من ملحمة كلكامش رحمه الله
- التوابيت لا تكفي
- الرِسالة والإمارة.. -3-
- الرِسالة والإمارة.. -2-
- الرِسالة والإمارة.. -1-
- إعدام أوَّل امرأة في الاسلام* .. حرية الرأي وجدلية العلاقات ...
- المُنتَحِر حبيب الله..
- الجعد بن درهم
- ابن أبي العوجاء والزندقة
- حَيثِيَّات خلق الخنزير
- إله الجبل و الكلب شياوباي


المزيد.....




- الرواية الأمريكية تحت المجهر.. كواليس الضربة الأولى لصاروخ - ...
- -حكم العدالة- يعود إلى الواجهة من بوابة معرض دمشق الدولي
- وزير التعليم العالي والقائم بعمل وزير الثقافة يترأس اجتماع ا ...
- -أرض اللبان- في مهرجان قازان.. رحلة سينمائية تكشف أسرار الشج ...
- إدانة زعيم عصابة سابق بقضية مقتل مغني الراب توباك شاكور عام ...
- جيجي لامارا يظهر في فيديو كليب أغنية نانسي عجرم الجديدة -اشه ...
- الولايات المتحدة: هيئة محلفين تدين زعيم عصابة بتهمة قتل مغني ...
- بعد 30 عاما من الغموض.. إدانة العقل المدبر وراء مقتل أسطورة ...
- ميل غيبسون يعتذر عن سخريته من مترجم لغة الإشارة في مهرجان سي ...
- أدباء وفنانون عراقيون يستعيدون التفاصيل الأولى التي قادتهم إ ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عقيل الخضري - قصتي مع عفيفة إسكندر