ناظم زغير التورنجي
الحوار المتمدن-العدد: 8813 - 2026 / 8 / 30 - 15:52
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
وإذا أردنا تناول الموضوع بجدي ،من الأفضل ألا نختزله في شعار «إيران تسيطر على العراق»، بل نفكك آليات النفوذ الإيراني داخل الدولة العراقية: السياسية، والأمنية، والاقتصادية، والأيديولوجية، ثم نبحث تحديداً في علاقة طهران بالفصائل المسلحة المرتبطة عقائدياً بمبدأ ولاية الفقيه.
المعطيات الراهنة تجعل المسألة أكثر إلحاحاً؛ فالفصائل الموالية لإيران لم تعد مجرد تشكيلات مسلحة خارج النظام السياسي، بل أصبحت متشابكة مع مؤسسات الدولة والبرلمان والحكومة والاقتصاد، بينما تواجه بغداد ضغوطاً متزايدة لإخضاع السلاح لسلطة الدولة.
العراق بين الدولة والوصاية: إلى أين تقود الهيمنة الإيرانية؟
ليست الهيمنة الإيرانية على العراق حدثاً طارئاً، ولا هي مجرد نتيجة لموقف سياسي عابر أو لعلاقة بين حكومتين. إنها، في جوهرها، مشروع نفوذ متعدد المستويات استطاع خلال أكثر من عقدين أن ينتقل من التأثير في القرار العراقي إلى بناء شبكات سياسية وأمنية واقتصادية وأيديولوجية داخل الدولة نفسها.
ومن الخطأ النظر إلى هذا النفوذ باعتباره نفوذاً إيرانياً صرفاً؛ فالأخطر أن جزءاً منه أصبح عراقياً في أدواته، إيرانياً في مرجعياته ومصالحه.
فبعد عام 2003، أدركت طهران أن السيطرة المباشرة على العراق مستحيلة ومكلفة، وأن الطريق الأكثر فاعلية هو بناء شبكة من الحلفاء المحليين: أحزاب، قوى سياسية، مؤسسات اقتصادية، وسائل إعلام، وشبكات مسلحة. وتشير دراسات عديدة إلى أن إيران طورت منذ ذلك الوقت نفوذاً في المجالات السياسية والأمنية والاقتصادية والدينية والإعلامية، مع اعتمادها على حلفاء محليين متعددين.
أولاً: من النفوذ السياسي إلى التأثير في صناعة القرار
المشكلة ليست في أن تكون للعراق علاقات جيدة مع إيران. فالدول تتبادل المصالح، وتختلف أو تتفق، وتبني علاقات اقتصادية وأمنية مع جيرانها.
المشكلة تبدأ عندما يصبح القرار العراقي محكوماً بميزان رضا الخارج.
وهنا تكمن خطورة ظاهرة المحاصصة السياسية وشبكات التحالفات التي جعلت تشكيل الحكومات، وتوزيع المناصب، وتحديد بعض السياسات الأمنية والخارجية، جزءاً من عملية تفاوض تتجاوز المؤسسات الدستورية.
وفي السنوات الأخيرة أصبح النفوذ الإيراني أكثر تعقيداً؛ إذ لم يعد مقتصراً على الأحزاب التقليدية، بل بات متشابكاً مع قوى سياسية تمتلك أجنحة مسلحة ونفوذاً اقتصادياً ومواقع داخل مؤسسات الدولة.
وهكذا نشأ وضع شديد الخطورة:
الدولة لا تواجه قوة خارجها فحسب، وإنما تواجه قوة لها مواقع داخلها.
ثانياً: الفصائل المسلحة هي الحلقة الأكثر حساسية
هنا تحديداً تظهر جوهر المشكلة.
فالفصائل المرتبطة بإيران ليست جميعها متطابقة في درجة ارتباطها بطهران، ولا يصح وضعها كلها في سلة واحدة. لكن بعض الفصائل الرئيسية تحمل ارتباطاً عقائدياً وسياسياً واضحاً بالمشروع الإيراني، وبعضها تبنى بصورة مباشرة أو غير مباشرة مرجعية ولاية الفقيه.
وهذا يجعل السؤال أكبر من سؤال السلاح:
لمن يكون الولاء السياسي والعقائدي عندما تتعارض مصلحة الدولة العراقية مع حسابات المحور الإقليمي؟
هذه ليست مسألة نظرية.
فالتقارير الحديثة تصف بعض الفصائل العراقية المدعومة إيرانياً بأنها أصبحت قوى عسكرية واقتصادية وسياسية كبيرة، وأنها تمتلك شبكات داخل البرلمان والحكومة والاقتصاد، بل إن بعضها يستطيع امتلاك قوة نارية تنافس مؤسسات الدولة العسكرية.
وهنا تظهر المفارقة العراقية الكبرى:
فصيل مسلح يحصل على تمويل من الدولة، ويتمتع بمكانة قانونية أو شبه قانونية، لكنه يحتفظ في الوقت نفسه بعلاقات ومرجعيات خارج حدود الدولة.
وهذه الازدواجية هي أخطر ما يمكن أن يصيب مفهوم السيادة.
ثالثاً: ولاية الفقيه والسؤال العراقي
لا ينبغي الخلط بين التشيع العراقي وبين ولاية الفقيه.
فالعراق يمتلك تقليداً دينياً واجتماعياً وسياسياً شيعياً عراقياً له خصوصيته التاريخية، كما أن مواقف المرجعية الدينية في النجف ليست نسخة مطابقة للنموذج السياسي الإيراني.
ولهذا فإن المشكلة ليست في المذهب ولا في التشيع، وإنما في تحويل عقيدة سياسية إيرانية إلى قاعدة للولاء السياسي والأمني داخل دولة عراقية مستقلة.
إن ولاية الفقيه، عندما تتحول من نظرية في نظام الحكم الإيراني إلى معيار للولاء السياسي لفصيل عراقي، تطرح سؤالاً جوهرياً:
هل المرجعية النهائية هي الدستور العراقي أم القيادة العقائدية خارج الحدود؟
وإذا كان الفصيل يرى نفسه جزءاً من مشروع إقليمي عابر للحدود، فإن المسألة تتحول من علاقة دينية أو سياسية إلى إشكالية سيادة وطنية.
رابعاً: الاقتصاد أيضاً ساحة نفوذ
الهيمنة لا تحتاج دائماً إلى دبابة أو بندقية.
قد تكون فاتورة كهرباء، أو منفذاً تجارياً، أو شركة، أو مصرفاً، أو شبكة استيراد.
العراق وإيران مرتبطان اقتصادياً بصورة عميقة؛ وتشير بيانات حديثة إلى أن حجم التجارة بين البلدين تجاوز 10 مليارات دولار في 2025، فيما يبقى العراق مرتبطاً بإيران في مجالات الطاقة والتجارة.
وهذه العلاقة الاقتصادية ليست مشكلة بذاتها؛ المشكلة عندما تتحول الحاجة الاقتصادية إلى قابلية سياسية للابتزاز أو التأثير.
فالدولة التي لا تمتلك استقلالاً اقتصادياً كافياً تكون أقل قدرة على اتخاذ قرار خارجي مستقل.
خامساً: الأخطر هو اندماج السلاح بالسياسة
حين يكون الفصيل السياسي بلا سلاح، تستطيع الدولة التعامل معه وفق قواعد الانتخابات والقانون.
وحين يكون الفصيل العسكري تابعاً للدولة حصراً، تستطيع المؤسسات الدستورية تحديد مهمته ومحاسبته.
لكن عندما يجتمع:
السلاح + الحزب + المال + البرلمان + الحكومة + الإعلام + العلاقة الخارجية
فإننا لا نعود أمام جماعة سياسية عادية، بل أمام مركز قوة موازٍ للدولة.
وهنا تتراجع الديمقراطية من كونها وسيلة لاختيار السلطة إلى وسيلة لتوزيع النفوذ بين مراكز القوة.
وهذه هي النقطة التي ينبغي أن تقلق العراقيين جميعاً، بغض النظر عن الطائفة أو الاتجاه السياسي.
إلى أين يتجه هذا المسار؟
المؤشرات الحالية تشير إلى أن المعركة القادمة لن تكون بالضرورة معركة حلّ الفصائل بالقوة، وإنما معركة إعادة تعريف موقعها داخل الدولة.
هناك اتجاهان متصارعان:
الأول: دمج الفصائل بصورة حقيقية في مؤسسات الدولة، بحيث يصبح قرار الحرب والسلم والسلاح والتمويل والانتشار خاضعاً للقائد العام للقوات المسلحة والدستور.
والثاني: إبقاء الفصائل كقوة سياسية وعسكرية شبه مستقلة، مع إدخالها تدريجياً في مؤسسات الدولة والاستفادة من الشرعية والتمويل الحكومي من دون التخلي عن استقلال قرارها.
وهذا هو السيناريو الأخطر.
لأنه لا يلغي الميليشيا، وإنما يُميليش الدولة.
وقد ظهرت بالفعل إشارات متناقضة: بعض الفصائل أعلنت استعدادها لتسليم السلاح أو الاندماج في مؤسسات الدولة، بينما لا تزال فصائل أخرى، مثل كتائب حزب الله وحركة النجباء، تقاوم مسار نزع السلاح أو إخضاعه الكامل للدولة.
والتطور الأخطر: العراق يتحول إلى ساحة متقدمة للصراع الإيراني
التغير الإقليمي الأخير يجعل القضية أكثر خطورة.
فمع تراجع بعض أذرع إيران الإقليمية أو تعرضها لضربات وخسائر، ازدادت أهمية الساحة العراقية بالنسبة إلى الشبكة الإيرانية الإقليمية. وتذهب تحليلات حديثة إلى أن الفصائل العراقية أصبحت أحد المكونات الأساسية التي يعاد تنظيم شبكة حلفاء إيران حولها.
وهنا ينبغي أن يطرح العراق السؤال الذي لا يجوز تأجيله:
هل يستطيع العراق أن يكون دولة ذات سياسة خارجية مستقلة، أم أنه سيصبح ساحة متقدمة في حرب الآخرين؟
فالعراق لا يستطيع أن يكون جسراً لإيران ضد الولايات المتحدة، ولا قاعدة أمريكية ضد إيران، ولا ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية.
العراق يجب أن يكون العراق.
الخلاصة
المشكلة الحقيقية ليست في إيران وحدها، وإنما في قابلية النظام السياسي العراقي للاختراق.
إيران تستفيد من ضعف الدولة، ومن الانقسام السياسي، ومن اقتصاد الريع، ومن المحاصصة، ومن تعدد مراكز القوة، ومن وجود قوى عراقية ترى أمنها ومصالحها جزءاً من مشروع إقليمي أوسع.
ولهذا فإن مواجهة الهيمنة لا تكون بالشعارات المعادية لإيران، ولا باستبدال تبعية بتبعية أخرى.
إنها تبدأ من قاعدة بسيطة:
لا دولة مع سلاح خارج القرار الوطني، ولا سيادة مع قرار أمني متعدد المراجع، ولا استقلال سياسي إذا كان لبعض القوى العراقية مرجع سياسي أو عسكري خارج الحدود.
العراق بحاجة إلى علاقة متوازنة مع إيران، لا إلى قطيعة معها؛ وإلى علاقة متوازنة مع الولايات المتحدة وسائر دول المنطقة، لا إلى الارتهان لأي منها.
أما الفصائل المسلحة، فإن السؤال الذي ينبغي أن يحسمه العراق ليس:
«هل هي مع إيران أم ضدها؟»
بل:
«هل قرارها النهائي عراقي أم غير عراقي؟»
فإذا كان السلاح عراقياً، وتمويله عراقياً، وقراره عراقياً، ومرجعيته الدستورية عراقية، فهو جزء من منظومة الدولة ويمكن تنظيمه.
أما إذا كان السلاح عراقياً والقرار خارج العراق، فهنا تبدأ مشكلة السيادة الحقيقية.
والمستقبل لن يُحسم بمن يملك أكبر عدد من البنادق، بل بمن يستطيع أن يجعل الدستور هو المرجعية العليا، والدولة هي صاحبة القرار الوحيد، والعراقي هو صاحب الولاء السياسي الأول والأخير
#ناظم_زغير_التورنجي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟