ناظم زغير التورنجي
الحوار المتمدن-العدد: 8810 - 2026 / 8 / 27 - 13:29
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
معاداة الشيوعية تعتمد الاراجيف وتلفيق الاتهامات ضد الحزب الشيوعي العراقي
ابوحازم التورنجي
هناك فرق كبير بين القول إن معاهدة بورتسمونث بين المملكة العراقية وبريطانيا عام 1948 , كانت سيئة ومقيدة بل وتنتهك السيادة العراقية، وهذا صحيح في جوهره، ولكن لم يرد اي بند فيها أطلاقاً عن تسليم مدن فلسطينية للعراق.
كانت تسع صفحات، وأنها لم تُصدَّق أصلاً من الملك العراقي.
أولاً: أين بند تسليم مدن فلسطين إلى العراق؟
هنا تبدأ الحكاية وينتهي التاريخ.
من يزعم أن معاهدة بورتسموث نصّت على أن بريطانيا ستسلّم المدن الفلسطينية التي تنسحب منها إلى الجيش العراقي، عليه أن يقدّم رقم المادة والفقرة والصفحة.
لن يجدها.
فالنص المنشور للمعاهدة يتناول العلاقة العسكرية والسياسية بين العراق وبريطانيا، وقواعد ومرافق عسكرية، والتعاون الدفاعي، والتدريب والتسليح، وهيئة دفاع مشتركة، وترتيبات تتعلق بالقواعد البريطانية. أما عبارة: «تسلّم بريطانيا المدن الفلسطينية للجيش العراقي بدلاً من الإسرائيليين» فلا وجود لها في نص المعاهدة المنشور.
وهذا لا يعني أن فلسطين لم تكن حاضرة في الحسابات البريطانية والعربية آنذاك. كانت فلسطين في قلب الأزمة الإقليمية، وكانت بريطانيا ملتزمة بتسليح بعض الجيوش العربية وفق اتفاقيات قائمة. لكن تحويل تلك السياسة إلى بند سري في معاهدة بورتسموث شيء آخر تماماً.
بل إن وثائق بريطانية وأمريكية معاصرة تبيّن أن بريطانيا كانت تتعامل مع موضوع تسليح العراق ومصر وشرق الأردن باعتباره التزاماً بمعاهدات سابقة وقائمة، وكانت تخشى أيضاً من انتقال السلاح إلى فلسطين. وفي شباط 1948، أعلن وزير الدفاع البريطاني أمام البرلمان تفاصيل عامة عن الأسلحة التي كانت بريطانيا تزود بها العراق، ومنها الطائرات والأسلحة الشخصية والمدافع والسيارات المدرعة والذخائر.
إذن: التسليح شيء، وتسليم مدن فلسطينية للعراق شيء آخر.
ثانياً: قصة «الخمسين ألف قطعة سلاح»
تظهر هنا أيضاً حبة من الحقيقة داخل كومة من المبالغة.
هناك رواية منسوبة إلى وزير الخارجية العراقي آنذاك محمد فاضل الجمالي تتحدث عن شراء العراق 50 ألف بندقية من نوع تومي غن لقوة الشرطة العراقية، مع نية استخدام هذه الأسلحة لدعم المتطوعين الفلسطينيين، كما تتحدث الرواية عن ترتيبات أوسع تتصل بالانسحاب البريطاني من فلسطين ودخول القوات العربية إلى المناطق التي تخليها بريطانيا.
لكن هذه الرواية، حتى لو أخذناها بوصفها شهادة سياسية على ما دار في المفاوضات، لا تجعل الـ50 ألف قطعة سلاح بنداً في معاهدة بورتسموث، ولا تثبت وجود تعهد مكتوب بتسليم المدن الفلسطينية إلى الجيش العراقي.
والفرق بين «دار نقاش أو تفاوض حول فلسطين والتسليح» وبين «هذا بند في المعاهدة» فرق جوهري لا يجوز للقارئ أن يتجاهله.
ثالثاً: هل كانت المعاهدة سرية؟
كان هناك بالفعل قدر كبير من الغموض والسرية في طريقة التفاوض والإعلان عن الاتفاق، ولم تكن تفاصيله كلها معروضة على الجمهور العراقي منذ اللحظة الأولى. وتشير المصادر التاريخية إلى أن المفاوضات أثارت غضباً واسعاً، وأن الاحتجاجات اندلعت فوراً بعد التوقيع.
لكن القول إن الجماهير خرجت «من دون أن تقرأ حرفاً واحداً» تبسيط مضلل.
فالمعاهدة كانت معروفة بوصفها اتفاقاً جديداً يعيد تنظيم العلاقة البريطانية العراقية ويُبقي للعلاقة العسكرية البريطانية نفوذاً كبيراً. وكان الاعتراض السياسي عليها قائماً على مضمونها العام وعلى استمرار الامتيازات البريطانية، لا على ضرورة أن يكون كل متظاهر قد قرأ النسخة الإنجليزية من الملاحق التسع!
وحتى الوثائق الدبلوماسية الأمريكية المعاصرة تسجل بوضوح أن الطلاب أضربوا في 18 كانون الثاني، وأن الاضطرابات انفجرت في بغداد في 20 كانون الثاني، وأن الوصي أعلن في 21 كانون الثاني أن المعاهدة لا تحقق تطلعات العراق، ثم استقالت حكومة صالح جبر في 27 كانون الثاني، وجاءت حكومة محمد الصدر بعدها.
هذه وقائع تاريخية، وليست أسطورة.
رابعاً: لماذا رفض العراقيون المعاهدة؟
لأن جوهر المشكلة كان في شكل العلاقة مع بريطانيا.
لم تكن بريطانيا تريد بالضرورة أن تعود إلى احتلال العراق بالطريقة القديمة، ولا كانت تحتاج إلى نشر عشرات الآلاف من جنودها بصورة دائمة كي تضمن مصالحها.
كانت الصيغة الأكثر ملاءمة لها هي أن يصبح العراق مرتبطاً بها عسكرياً واستراتيجياً، مع الاحتفاظ بإمكانية استخدام القواعد والمرافق العسكرية في ظروف معينة، والاستمرار في التأثير في تدريب الجيش وتسليحه وتخطيطه.
وهنا تكمن أهمية بورتسموث.
لقد حاولت بريطانيا الانتقال من الوجود العسكري المكلف والمباشر إلى النفوذ العسكري والسياسي غير المباشر.
وهذه ليست مؤامرة اخترعها الشيوعيون؛ إنها طبيعة السياسة الإمبراطورية البريطانية في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية.
فالنص نفسه يتضمن ترتيبات بشأن التعاون الدفاعي، والتدريب، والمرافق والقواعد الجوية، كما أن الوثائق البريطانية المتعلقة بالمعاهدة تبرز استمرار التعاون العسكري بين البلدين.
ولهذا رفضتها قطاعات واسعة من الحركة الوطنية العراقية.
خامساً: «الشيوعيون أضاعوا فلسطين»!
هذه هي أكثر حلقات الرواية ابتذالاً.
فلسطين لم تضِع لأن العراقيين تظاهروا ضد معاهدة بورتسموث.
والدولة الإسرائيلية لم تنشأ نتيجة إلغاء المعاهدة العراقية.
القضية الفلسطينية كانت قد دخلت مساراً دولياً معقداً قبل توقيع بورتسموث، وفي 29 تشرين الثاني/نوفمبر 1947 كانت الجمعية العامة للأمم المتحدة قد اتخذت قرار التقسيم، ثم انتهى الانتداب البريطاني في أيار 1948، وأُعلن قيام إسرائيل، واندلعت الحرب العربية الإسرائيلية.
وكانت بريطانيا نفسها تدير ملف الانسحاب من فلسطين، وكانت قضية السلاح والجيوش العربية جزءاً من الحسابات الدولية والإقليمية المتشابكة. وتوضح الوثائق البريطانية والأمريكية أن مسألة التسليح العربي والفلسطيني كانت شديدة الحساسية قبل انتهاء الانتداب.
أما أن نقول: «ألغى العراقيون المعاهدة، ولذلك سيطر اليهود على فلسطين»، فهذا ليس تفسيراً تاريخياً، بل قفزة سببية لا تصمد أمام الوثائق.
سادساً: هل كان إلغاء المعاهدة نتيجة ضغط الشارع؟
هنا توجد حقيقة لا تحتاج إلى تزوير.
نعم، كان الضغط الشعبي واسعاً، وكانت انتفاضة الوثبة من أهم العوامل السياسية التي هزت الحكومة وأجبرت السلطة على التراجع.
والوثائق الدبلوماسية الأمريكية المعاصرة تؤكد تسلسل الأحداث: إضرابات طلابية، اضطرابات جماهيرية، إعلان الوصي عدم قبول معاهدة لا تضمن مصالح العراق، ثم استقالة حكومة صالح جبر.
إذن لماذا نحتاج إلى اختراع قصة «الشيوعيين لم يقرأوا المعاهدة»؟
كان يكفي أن نقول الحقيقة:
الشيوعيون والقوى الوطنية رفضوا معاهدة رأوا فيها استمراراً للتبعية البريطانية، وساهموا في تعبئة الشارع ضدها.
أما تقييم موقفهم سياسياً، فهذا حق كل مؤرخ وكل قارئ.
لكن لا يجوز تحويل الخلاف السياسي إلى تزوير للوثائق.
سابعاً: المفارقة الكبرى
الأكثر إثارة للسخرية في هذه الرواية أن أصحابها يريدون أن يجعلوا معاهدة بورتسموث شيئاً يشبه «الفرصة التاريخية الضائعة لتحرير فلسطين».
لكن الوثيقة نفسها لا تقول ذلك.
بل إن الوثائق البريطانية في تلك الفترة تظهر أن لندن كانت تحاول إدارة انسحابها من فلسطين وحماية مصالحها الاستراتيجية في الشرق الأوسط، مع استمرار علاقاتها العسكرية مع العراق وشرق الأردن ومصر. وكانت بريطانيا تنظر إلى التزاماتها العسكرية تجاه الحكومات العربية من زاوية مصالحها الاستراتيجية، بل كانت تربط استمرارها أحياناً بمخاوفها من الاضطرابات الداخلية والنفوذ الشيوعي.
وهنا تظهر المفارقة:
الرواية التي تريد تبرئة بريطانيا من مشروع الهيمنة على العراق، تنتهي عملياً إلى تقديم بريطانيا بوصفها القوة التي كانت ستسلّم فلسطين للعراقيين لو لم يعترض الشيوعيون!
وهذا قلب للتاريخ على رأسه.
وأما «المظاهرات خارج الحدود»...
فهي أيضاً مغالطة أخرى.
الوثبة لم تكن مظاهرات من أجل فلسطين فقط.
كانت هناك مطالب وطنية تتصل بالسيادة والعلاقة مع بريطانيا ومستقبل العراق السياسي، وكانت الاحتجاجات الطلابية والعمالية والجماهيرية جزءاً من صراع داخلي عراقي حول طبيعة الدولة وعلاقتها بالقوة البريطانية.
ومن السهل جداً، بعد ثمانية عقود، أن ينظر المرء إلى صورة قديمة لمتظاهرين ويرى فيها «شعارات خارج الحدود».
لكن العراق عام 1948 لم يكن جزيرة معزولة عن العالم. كانت بريطانيا موجودة عسكرياً وسياسياً في العراق، وكانت فلسطين جزءاً من الأمن الإقليمي العراقي، وكانت المنطقة كلها تعيش مخاض إنهاء الاستعمار.
وأما أناقة العراقيين...
فهي أجمل ما في الصورة، لكنها ليست دليلاً على صحة الرواية!
كان العراقيون في الأربعينيات يلبسون البدلات والقبعات والملابس التقليدية الأنيقة، وكانت بغداد مدينة ذات حياة مدنية وسياسية وثقافية نابضة.
لكن أناقة الناس لا تمنح الصورة تفسيراً سياسياً جاهزاً.
الصورة تحتاج إلى وثيقة، والوثيقة تحتاج إلى قراءة، والتاريخ لا يُكتب بالتعليق الذي يوضع أسفل الصورة.
وأخيراً: فلنترك الشيوعيين جانباً للحظة
يمكن نقد الحزب الشيوعي العراقي، ومراجعة مواقفه، ومناقشة أخطائه، وحتى تحميله مسؤولية أخطاء تاريخية حقيقية.
لكن تحميله مسؤولية ضياع فلسطين لأنه أسقط معاهدة بورتسموث هو اتهام لا تثبته المعاهدة نفسها.
بل إن المعاهدة لم تُصدّق، والنص منشور، وبنودها معروفة، والاحتجاجات موثقة، وسقوط حكومة صالح جبر موثق.
فإذا كان هناك من يصر على وجود «البند السري» الذي سلّمت بريطانيا بموجبه المدن الفلسطينية إلى العراق، فليأتِ بالوثيقة:
رقم المادة، رقم الصفحة، والنص الأصلي.
أما أن يُقال: «كانت هناك معاهدة سرية، وكان فيها كذا وكذا»، ثم تُبنى على ذلك مسؤولية تاريخية ضخمة، فهذا ليس بحثاً في التاريخ.
إنه دسّ سياسي بأثر رجعي.
لقد كانت معاهدة بورتسموث محاولة بريطانية لإعادة إنتاج نفوذها في العراق بأدوات أقل كلفة من الاحتلال العسكري المباشر، وكانت الوثبة رفضاً شعبياً وسياسياً لهذا النهج.
أما فلسطين، فكانت لها قصة أخرى أكثر تعقيداً بكثير: الانتداب البريطاني، الحركة الصهيونية، قرار التقسيم، الحرب، موازين القوى العربية والدولية، وانسحاب بريطانيا.
ومن يريد أن ينتقد الشيوعيين فليأخذهم إلى المحاكمة السياسية والفكرية بالوثائق، لا إلى محكمة التاريخ المزيفة.
فالتاريخ لا يحتاج إلى أكاذيب حتى ندينه، ولا يحتاج إلى أساطير حتى نبرئ أحداً.
وبورتسموث، قبل أن تكون قصة عن الشيوعيين، كانت قصة عن بريطانيا وهي تحاول أن تبقى في العراق بعد أن أصبح الاحتلال المباشر أكثر كلفة وأقل قبولاً.
وهذه هي الحقيقة التي ينبغي أن تُقرأ في الوثيقة، لا في الحكاية المتداولة على مواقع التواصل. :::
#ناظم_زغير_التورنجي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟