ناظم زغير التورنجي
الحوار المتمدن-العدد: 8597 - 2026 / 1 / 24 - 02:08
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
إشكالية الدولة العصرية في الفكر السياسي الشيعي 2
قراءة نقدية في البنية الأيديولوجية ومآلاتها المعاصرة
أبوحازم التورنجي
تسعى هذه الورقة إلى تفكيك الأسس النظرية للفكر السياسي الشيعي، وبيان عجزه البنيوي عن إنتاج نموذج دولة عصرية تقوم على المواطنة، وسيادة القانون، وصيانة حرية وكرامة الإنسان. وتنطلق الدراسة من فرضية مفادها أن الإخفاق ليس عرضيًا أو ناتجًا عن سوء التطبيق، بل متجذر في البنية العقائدية–الفقهية ذاتها، وفي تصورها للسلطة، والشرعية، والإنسان، والدولة. كما تربط الورقة هذا العجز بتجارب معاصرة متشابهة في السمات والمآلات، دون تسميتها، بوصفها تجليات عملية للأزمة النظرية.
أولًا: الإشكالية النظرية
تقوم الدولة العصرية على قطيعة معرفية مع أنماط الحكم ما قبل الحديثة، إذ تُعرَّف بوصفها كيانًا مؤسسيًا محايدًا، يستمد شرعيته من الإرادة العامة، ويُخضع السلطة للمساءلة، ويجعل الإنسان – لا العقيدة – محور التنظيم السياسي.
غير أن الفكر السياسي الشيعي، كما تبلور تاريخيًا وكما يُعاد إنتاجه أيديولوجيًا في الحاضر، لم يُنجز هذه القطيعة، بل ظل أسير:
- منطق الغيب
- هاجس الشرعية المؤجَّلة
- تقديس السلطة باسم النيابة
- وتهميش الإنسان لصالح العقيدة
وعليه، تطرح الورقة السؤال المركزي الآتي:
هل يمتلك الفكر الشيعي السياسي، في بنيته الحالية، قابلية ذاتية لتأسيس دولة حديثة، أم أنه نقيضها البنيوي؟
ثانيًا: الدولة كمعضلة مؤجلة في الوعي الشيعي
تشكلت المخيلة السياسية الشيعية في سياق تاريخي اتسم بالاضطهاد والغياب، ما أدى إلى إنتاج تصور سلبي للدولة:
1. -الدولة كاغتصاب دائم للشرعية
- كل سلطة قائمة تُعد ناقصة، جائرة، أو مغتصبة
- الشرعية الحقيقية مؤجلة إلى لحظة ميتافيزيقية
- السياسة تتحول إلى انتظار لا إلى فعل تاريخي
2. -تحويل الغياب إلى أيديولوجيا
- الغياب لم يُنتج نقدًا عقلانيًا للسلطة
- بل أنتج ثقافة تبريرية للعجز والانكفاء
الدولة تُرفض نظريًا، لكن تُستثمر عمليًا
هذا التناقض البنيوي خلق عقلًا سياسيًا مزدوجًا:
يرفض الدولة بوصفها فكرة، ويستولي عليها بوصفها غنيمة.
ثالثًا: ولاية الفقيه بوصفها ذروة الأزمة لا حلّها
تمثل نظرية ولاية الفقيه المحاولة الأكثر جذرية لملء فراغ الشرعية، لكنها في الواقع أعادت إنتاج المأزق بصيغة أكثر سلطوية.
1. مصادرة السيادة الشعبية
- الشعب لا يُنتج السلطة بل يُستدعى لتزكيتها
- الإرادة العامة تُختزل في تأويل فقهي
- الديمقراطية تتحول إلى طقس شكلي
2. تقديس السلطة وتحصينها
- الفقيه فوق الدستور
- قراره محصّن دينيًا
- معارضته تُجرَّم أخلاقيًا وعقائديًا
3. تحويل الدولة إلى جهاز عقائدي
- القانون يُؤدلج
- المؤسسات تُفرغ من استقلالها
- المجال العام يُقمع باسم القيم
وهنا تفقد الدولة جوهرها الحديث، وتتحول إلى ثيوقراطية مقنّعة بآليات إجرائية.
رابعًا: الإنسان بين التكليف والمحو السياسي
أحد أخطر مظاهر العجز يتمثل في تصور الإنسان داخل الفكر الشيعي السياسي.
- الإنسان ليس مواطنًا بل مكلَّفًا
- ليس مصدرًا للسلطة بل موضوعًا لها
- ليس غاية بل وسيلة لتحقيق المثال العقائدي
1. الحقوق كمنح لا كحقوق طبيعية
- حرية التعبير مقيدة
- حرية الجسد مؤدلجة
- حرية الاعتقاد مُفرَّغة من مضمونها
2. المرأة كنقض لمبدأ المساواة
-تشريعات تمييزية
-تمثيل سياسي منقوص
- استحالة المساواة القانونية
وهكذا تُقوَّض كرامة الإنسان من الأساس، لأن الدولة لا تعترف به كذات مستقلة.
خامسًا: غياب المواطنة وتفكك الدولة
في الفكر الشيعي السياسي، لا تُبنى الدولة على مفهوم المواطنة، بل على:
- الانتماء المذهبي
- الولاء العقائدي
- الطاعة التنظيمية
النتيجة:
-دولة غير محايدة
- مجتمع منقسم
- قانون انتقائي
وتتحول الدولة إلى أداة فرز وإقصاء بدل أن تكون إطارًا جامعًا.
سادسًا: التجربة المعاصرة كبرهان عملي (دون تسمية)
في أكثر من سياق معاصر متشابه، نلاحظ أن الأنظمة المتأثرة بالفكر الشيعي السياسي تشترك في سمات واضحة:
• هيمنة رجال الدين على القرار
• عسكرة المجتمع باسم العقيدة
• تفشي الفساد تحت غطاء أخلاقي
• تفكك المؤسسات
• قمع الاحتجاجات
• تديين الفشل الاقتصادي
هذه السمات ليست انحرافًا عن النظرية، بل تجسيدًا أمينًا لها.
سابعًا: الخلاصة الأيديولوجية
إن عجز الفكر السياسي الشيعي عن بناء دولة عصرية ليس نتاج ظروف خارجية أو مؤامرات، بل نتيجة مباشرة لـ:
1. تقديس الغيب في المجال السياسي
2. نفي السيادة الشعبية
3. خلط الدين بالسلطة
4. إلغاء المواطنة
5. تهميش الإنسان
6- تحويل الدولة إلى أداة أيديولوجية
وبالتالي، فإن أي حديث عن "إصلاح من داخل المنظومة" هو وهم نظري، لأن الخلل بنيوي لا إجرائي.
إن بناء دولة عصرية في مجتمعات تتأثر بالفكر الشيعي السياسي يقتضي قطيعة فكرية شجاعة مع:
- لاهوت السلطة
- قداسة الفقيه
-أيديولوجيا الانتظار
- تديين الدولة
فالدولة الحديثة لا تُبنى بالمقدس، بل بالعقل، والقانون، والإنسان.
اضع المراجع النظرية (هيغل، فيبر، هابرماس، ألتوسير، غرامشي)
كتعزيز نظري منهجي للورقة، عبر إدماج مرجعيات هيغل، فيبر، هابرماس، ألتوسير، وغرامشي داخل البنية التحليلية نفسها، لا كحواشٍمضافة ، بل كـ أدوات تفكيك أيديولوجي .
الإطار النظري: مقاربات نقدية للدولة والسلطة والشرعية
أولًا: هيغل – الدولة بوصفها عقلًا أخلاقيًا في مقابل الدولة العقائدية
يرى هيغل أن الدولة الحديثة هي تجسيد العقل في التاريخ، وأنها أعلى أشكال التنظيم الأخلاقي للمجتمع، لا لأنها مقدسة، بل لأنها نتاج تطور الوعي بالحرية.
الدولة عند هيغل:
- كيان عقلاني
- مؤسسي
- محايد نسبيًا تجاه الانتماءات الخاصة
بمقارنة ذلك مع الفكر السياسي الشيعي:
- الدولة ليست تعبيرًا عن العقل العام
- بل عن تأويل خاص للمقدس
- لا تمثل الكلية، بل جماعة مؤمنة بعينها
وفق المنظور الهيغلي، لا يمكن اعتبار الدولة الشيعية السياسية دولة حديثة، لأنها:
لم تُنجز الانتقال من “الخصوصي العقائدي” إلى “الكوني العقلاني”.
ثانيًا: ماكس فيبر – نزع السحر عن السلطة في مقابل تديينها
يُعرّف فيبر الدولة الحديثة بأنها الكيان الذي يحتكر العنف المشروع داخل إقليم محدد، على أساس شرعية عقلانية–قانونية.
ويميز بين ثلاث أنماط للشرعية:
1. التقليدية
2. الكاريزمية
3. العقلانية–القانونية
الفكر الشيعي السياسي يستند إلى:
- شرعية كاريزمية–دينية
- مستمدة من النيابة عن الغائب
- محصّنة ضد المساءلة
النتيجة:
- فشل في بناء بيروقراطية محايدة
- تديين الإدارة
- تحويل القانون إلى أداة أيديولوجية
من منظور فيبري، نحن أمام ارتداد ما قبل حداثي يعيد سحرنة السلطة بدل نزعها.
ثالثًا: هابرماس – المجال العام المختطف
يربط هابرماس الدولة الديمقراطية الحديثة بوجود مجال عام عقلاني، تُدار فيه الخلافات عبر النقاش الحر، لا عبر الإكراه أو القداسة.
في السياق الشيعي السياسي:
- المجال العام مُؤدلج
- النقاش مشروط عقائديًا
- المعارضة تُجرَّم أخلاقيًا
يحل:
- الخطاب التعبوي محل النقاش
- الفتوى محل الحجة
- الطاعة محل التداول
وفق هابرماس، لا يمكن نشوء ديمقراطية حيث يُصادَر التواصل العقلاني باسم المقدس.
رابعًا: ألتوسير – الدولة كجهاز أيديولوجي
يفهم ألتوسير الدولة بوصفها شبكة من:
- أجهزة قمعية (الجيش، الأمن)
-وأجهزة أيديولوجية (الدين، التعليم، الإعلام)
في التجربة المتأثرة بالفكر الشيعي السياسي:
• الدين يتحول إلى الجهاز الأيديولوجي المركزي
- المدرسة، المنبر، الإعلام، الطقس… أدوات إعادة إنتاج الطاعة
- العقيدة تُستخدم لضبط الوعي لا لتحريره
الدولة هنا لا تمثل المجتمع، بل:
تعيد إنتاج الهيمنة تحت غطاء ديني.
هذا يفسر كيف يصبح الفشل والفساد مقبولين أخلاقيًا طالما أنهما “في خدمة العقيدة”.
خامسًا: غرامشي – الهيمنة لا الدولة فقط
يرى غرامشي أن السيطرة لا تُمارَس بالقوة وحدها، بل عبر الهيمنة الثقافية، حين تنجح الطبقة/السلطة في جعل رؤيتها للعالم تبدو طبيعية وبديهية.
في الفكر الشيعي السياسي:
-تُعاد صياغة الوعي الشعبي عبر:
-المظلومية
-الطقوس
- خطاب التضحية
- يقدَّم الخضوع بوصفه فضيلة
- ويُصوَّر النقد كخيانة
الدولة هنا:
- لا تُدار فقط بالقمع
- بل بإنتاج رضا زائف
الهيمنة الغرامشية تفسر لماذا تستمر أنظمة فاشلة اجتماعيًا واقتصاديًا دون انهيار فوري.
تركيب نظري جامع
باستخدام هذه المرجعيات مجتمعة، يمكن استخلاص الآتي:
- هيغل يبيّن غياب العقلانية الكلية
- فيبر يكشف أزمة الشرعية والقانون
- هابرماس يفضح اختطاف المجال العام
- ألتوسير يشرح آليات إعادة إنتاج الطاعة
- غرامشي يفسر استدامة الهيمنة رغم الفشل
النتيجة:
الفكر السياسي الشيعي، بصيغته السائدة، يقف على الضد من شروط الدولة الحديثة نظريًا وعمليًا.
يمكن إنهاء الورقة بعبارة تركيبية من هذا النوع:
“إن مأزق الدولة في السياقات المتأثرة بالفكر الشيعي السياسي لا يكمن في غياب النوايا الإصلاحية، بل في هيمنة تصور أيديولوجي للسلطة يعادي العقلانية، ويصادر المجال العام، ويُخضع الإنسان للمقدس، ما يجعل أي مشروع لدولة حديثة محكومًا بالفشل البنيوي.”
#ناظم_زغير_التورنجي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟