ناظم زغير التورنجي
الحوار المتمدن-العدد: 8812 - 2026 / 8 / 29 - 17:32
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
المرأة ليست نصف مواطن… فلماذا تُعامل في قانون الأسرة كأنها نصف حق؟
ليس أخطر ما في القوانين أن تكون قديمة، ولا أن تستند إلى مرجعية دينية أو فلسفية مختلفة؛ الأخطر أن تتحول المرجعية إلى ذريعة لوضع المرأة في مرتبة قانونية أدنى من الرجل، وأن يصبح ما يفترض أن يكون تنظيماً لشؤون الأسرة وسيلة لإعادة إنتاج التمييز داخل أكثر مؤسسات المجتمع حساسية: الزواج والطلاق والحضانة والميراث.
ومن هنا تأتي خطورة مدونة الأحكام الشرعية للأحوال الشخصية وفق المذهب الجعفري، التي دخلت حيز النفاذ في العراق سنة 2025. فالاعتراض الأساسي عليها لا ينبغي أن يكون اعتراضاً على الدين أو على حق المواطنين في ممارسة معتقداتهم، وإنما على إنتاج نظام قانوني يضع حقوق المرأة تحت سقف مختلف عن حقوق الرجل، ويجعل الحماية القانونية التي تتمتع بها الأسرة مرتبطة بالمذهب الذي اختاره الزوجان.
لقد أصبح في العراق نظامان للأحوال الشخصية: قانون عام، ومدونة مذهبية يمكن اختيار تطبيقها. وقد حذرت منظمات حقوقية من أن هذا التعدد يضعف مبدأ المساواة أمام القانون ويجعل الحقوق الأسرية مختلفة باختلاف المرجعية المذهبية.
أول المآخذ هو اختلال ميزان القوة داخل الزواج.
فالمدونة تنظر إلى الزواج بوصفه علاقة ذات تراتبية واضحة في عدد من الحقوق والواجبات، بدلاً من أن تؤسس العلاقة الزوجية على شراكة متكافئة بين شخصين كاملَي الأهلية.
والأخطر أن هذه التراتبية لا تبقى في إطار التصور الديني أو الأخلاقي، وإنما تتحول إلى قواعد قانونية ملزمة أمام القضاء.
وثانيها الطلاق.
تنص المدونة على أن الطلاق من الإيقاعات التي يكفي فيها إنشاء الزوج، ولا يحتاج إلى قبول الزوجة.
وهنا تظهر المسافة الشاسعة بين الرجل والمرأة: يستطيع الرجل إنهاء العلاقة الزوجية بإرادته وفق الشروط المقررة، بينما لا تتمتع المرأة بالقدرة القانونية ذاتها على إنهاء زواجها.
فكيف يمكن الحديث عن مساواة داخل مؤسسة الزواج إذا كان أحد طرفيها يمتلك سلطة إنهاء العلاقة بصورة لا يمتلكها الطرف الآخر؟
إن الزواج الحديث ينبغي أن يقوم على الإرادة المتبادلة، وكذلك ينبغي أن يكون الانفصال، في جوهره، حقاً متوازناً للطرفين عندما تصبح الحياة الزوجية مستحيلة.
وثالثها الحضانة.
تعطي المدونة الأم حق الحضانة إلى سن السابعة، ثم تنتقل الحضانة إلى الأب، مع استثناءات وشروط محددة. كما تسقط حضانة الأم إذا تزوجت برجل آخر، ولا تعود إليها حتى لو انتهت علاقتها بالزوج الثاني.
وهنا يبرز سؤال جوهري:
هل زواج المرأة من رجل آخر يجعلها فجأة أقل قدرة على أن تكون أماً؟
إن الأمومة ليست امتيازاً مؤقتاً تمنحه الدولة للمرأة ثم تسحبه منها عند زواجها. ومصلحة الطفل لا يمكن اختزالها في الحالة الزوجية للأم.
المعيار الأكثر عدلاً هو أن يكون مصلحة الطفل وسلامته واستقراره النفسي والتربوي هو الأساس، لا جنس الحاضن ولا الحالة الزوجية للأم بصورة آلية.
رابعاً: المرأة في الميراث.
لا تزال المدونة تعتمد نظاماً للميراث يختلف فيه نصيب الذكر والأنثى بحسب درجة القرابة وتركيبة الورثة، وفي حالات كثيرة تكون قاعدة «للذكر مثل حظ الأنثيين» حاضرة في توزيع بعض التركات. كما تقرر أن نصيب الزوجة من تركة زوجها يكون الربع عند عدم وجود ولد والثمن عند وجوده، في مقابل النصف أو الربع للزوج بحسب وجود الولد من عدمه.
وقد يقول المدافعون عن ذلك إن هذه الأحكام جزء من منظومة فقهية متكاملة لها فلسفتها الخاصة.
لكن السؤال المدني مختلف:
هل يجوز أن تكون قيمة المواطنة القانونية للمرأة أقل من الرجل لمجرد كونها امرأة؟
هذا هو جوهر المسألة.
فالمساواة الحديثة لا تنظر إلى المرأة باعتبارها تابعاً اقتصادياً للرجل، بل باعتبارها مواطنة مستقلة قد تعمل وتنفق وتملك وتتحمل مسؤوليات الأسرة مثل الرجل تماماً.
خامساً: تعدد المرجعيات القانونية.
ربما يكون هذا من أخطر جوانب المدونة على المستوى الدستوري والاجتماعي.
فالأسرة العراقية لم تعد محكومة بالضرورة بمجموعة واحدة من القواعد، وإنما يمكن أن تخضع لأحكام مختلفة بحسب الاختيار المذهبي. وقد رأت هيومن رايتس ووتش أن هذا النظام يخلق أنظمة قانونية متوازية ويضعف مبدأ المساواة أمام القانون.
وهنا لا تعود المشكلة مشكلة امرأة ورجل فقط.
إنها مشكلة مواطن ومواطن.
امرأتان عراقيتان متساويتان في الجنسية، لكن حقوقهما في الزواج والطلاق والحضانة والميراث قد تختلف تبعاً للنظام الذي تخضع له أسرتاهما.
وهذا يفتح الباب أمام سؤال خطير:
إذا كانت المواطنة واحدة، فلماذا تكون الحماية القانونية متعددة؟
سادساً: زواج القاصرات والثغرات المحيطة بالزواج غير المسجل.
صحيح أن التعديل الذي أصبح نافذاً لم يلغِ السن القانونية الأساسية للزواج، وأبقى القيود الواردة في المادة الثامنة من قانون الأحوال الشخصية، خلافاً لما كان موجوداً في بعض الصيغ السابقة لمشروع القانون.
لكن المشكلة لا تنتهي هنا.
فإضفاء الشرعية على الزيجات الدينية غير المسجلة يثير مخاوف جدية بشأن حماية الفتيات، ولا سيما أن الزيجات غير المسجلة كانت تمثل منفذاً لزواج الأطفال بحسب تقارير حقوقية. وقد وثقت هيومن رايتس ووتش مخاطر هذا المسار على الفتيات والنساء.
إن الطفلة لا تستطيع أن تفاوض على شروط زواجها مثل امرأة راشدة، ولا تستطيع أن تواجه القوة الاجتماعية والاقتصادية لعائلة أو رجل أكبر منها.
ولهذا فإن حماية الطفولة ينبغي أن تكون فوق كل اعتبار آخر.
سابعاً: النفقة لا تعوض المساواة.
قد يقول البعض إن المدونة تمنح المرأة حقوقاً مالية، منها النفقة والطعام واللباس والمسكن والعلاج، وهذا صحيح؛ فالمدونة تقرر التزام الزوج بالنفقة ومعاشرة الزوجة بالمعروف وعدم إيذائها.
لكن منح المرأة النفقة لا يعني بالضرورة مساواتها بالرجل.
فالحق في النفقة شيء، والحق في الاستقلال والقرار والمساواة القانونية شيء آخر.
لا يمكن أن نقول للمرأة: «أنتِ محمية لأن الرجل ينفق عليك»، ثم نستخدم هذا الالتزام نفسه لتبرير عدم مساواتها به في القرار والطلاق والولاية والحقوق الأسرية.
المرأة ليست مشروعاً للإنفاق عليها.
إنها إنسان كامل الأهلية والكرامة.
ثامناً: المشكلة الأكبر ليست في مادة واحدة، وإنما في الفلسفة التي تجمع المواد.
قد تبدو كل مادة منفردة قابلة للتبرير ضمن منظومة فقهية معينة، لكن عندما توضع المواد جنباً إلى جنب تظهر صورة أكبر:
الرجل يمتلك سلطة أوسع في الطلاق.
الأم قد تفقد حضانة طفلها بسبب زواجها.
نصيب الزوج في بعض صور الميراث أكبر من نصيب الزوجة.
والحقوق الأسرية يمكن أن تتغير تبعاً للمرجعية القانونية المختارة.
هنا لا يعود الأمر مجرد «تفصيل فقهي».
إنه سؤال عن موقع المرأة في الدولة الحديثة.
هل هي مواطنة كاملة الحقوق، أم امرأة لها حقوق بقدر ما تسمح به البنية الأبوية للأسرة؟
والأخطر من ذلك كله أن يتحول الدين إلى سلطة تشريعية فوق النقاش الديمقراطي.
القانون نفسه جعل المجلس العلمي في ديوان الوقف الشيعي طرفاً أساسياً في وضع المدونة، بالاستناد إلى الآراء المشهورة لدى فقهاء المذهب، ثم إلى آراء أغلب مراجع التقليد المعروفين في النجف عند عدم تحقق الشهرة.
وهذا يثير سؤالاً ديمقراطياً لا يمكن تجاهله:
هل صياغة حقوق النساء يجب أن تكون حصراً شأناً فقهياً، أم ينبغي أن تكون ثمرة نقاش تشريعي مفتوح يشارك فيه القانونيون والنساء ومنظمات المجتمع المدني وخبراء علم الاجتماع والنفس والطفولة؟
إن الأسرة ليست مجرد مسألة فقهية.
إنها أيضاً مسألة حقوق إنسان، وطفولة، وصحة نفسية، واستقرار اجتماعي، ومساواة أمام القانون.
إن الدفاع عن المرأة لا يعني معاداة الدين.
وهذه نقطة يجب أن تكون واضحة.
من حق المؤمن أن يمارس دينه.
ومن حق المذهب أن يملك اجتهاده.
لكن عندما تتحول أحكام اجتهادية إلى قواعد قانونية ملزمة، يصبح من المشروع تماماً أن يسأل المجتمع: هل تحقق هذه القواعد العدالة والمساواة وحماية الإنسان؟
الدولة الحديثة لا ينبغي أن تسأل المرأة أولاً: إلى أي مذهب تنتمين؟
بل ينبغي أن تسأل:
هل أنتِ مواطنة؟
وهل لكِ كرامة وحقوق؟
وهل يحميكِ القانون من التعسف؟
وهل أنتِ متساوية أمام القضاء؟
وهل يستطيع الرجل أن يحصل على حق لا تستطيعين الحصول عليه لمجرد أنه رجل؟
الخلاصة
ليست المشكلة أن للناس مذاهب مختلفة، ولا أن لهم حقاً في تنظيم أحوالهم الشخصية وفق معتقداتهم.
المشكلة تبدأ عندما تصبح المرأة هي الثمن الذي يُدفع مقابل التوفيق بين السياسة والمذهب.
فالزواج شراكة، لا ولاية دائمة لطرف على طرف.
والطلاق حق ينبغي أن تحكمه العدالة، لا امتياز جنس على جنس.
والطفل إنسان له مصلحة مستقلة، وليس ملكاً للأب أو الأم.
والميراث حق مالي لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لإعادة إنتاج تبعية المرأة.
والقانون يجب أن يحمي المرأة عندما تكون ضعيفة، لا أن يضيف إلى ضعفها ضعفاً قانونياً.
إن العراق الذي يريد بناء دولة مواطنة لا يستطيع أن يقبل بأن تكون المرأة مواطنة كاملة في الدستور، ثم تصبح في بعض أكثر مراحل حياتها حساسية مواطنة منقوصة أمام قانون الأسرة.
فالعدالة لا تُقاس بعدد النصوص التي تمنح المرأة شيئاً، وإنما بمقدار ما تمنحه لها من كرامة، ومساواة، واستقلال، وأمان، وحق في الاختيار.
وحين يفشل القانون في هذه المهمة، يصبح من حق المجتمع أن يعيد النظر فيه.
ليس لأن الدين يجب أن يُقصى من حياة الناس، بل لأن كرامة الإنسان يجب ألا تُقصى من القانون.
#ناظم_زغير_التورنجي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟