أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي دريوسي - ماذا لو؟















المزيد.....

ماذا لو؟


علي دريوسي

الحوار المتمدن-العدد: 8813 - 2026 / 8 / 30 - 15:52
المحور: الادب والفن
    


لم تكن الرحلة، في بدايتها، تحمل أي شيء يستحق أن يُروى. وهذا، ربما، هو أكثر ما يخيفني الآن.
كان القطار قد غادر كارلسروه، وانسابت العربات بهدوء عبر المشهد الصيفي الأخضر. حقول ممتدة تحت شمس خفيفة، أشجار تتراجع خلف الزجاج، قرى صغيرة تظهر للحظات ثم تختفي، وأبراج كنائس ترتفع فوق البيوت قبل أن تبتلعها المناظر من جديد. كان أطفالي يتنقلون بين الملل واللعب؛ أحدهم ملتصق بالنافذة، والثاني غارق في هاتفه، أما جميلة، أصغرهم، فكانت تجلس إلى جواري ممسكة بدميتها الصغيرة، وتسألني كل بضع دقائق: «كم بقي؟». وكنت أجيبها بالجواب نفسه في كل مرة: «ليس كثيراً»، ثم أعود إلى النافذة.
كانت زوجتي تجلس قبالتي، تقرأ كتاباً، وترفع عينيها من حين إلى آخر لتتأكد من أن كل شيء على ما يرام. لم يكن في الرحلة ما يوحي بأن شيئاً سيحدث. لم تكن هناك إشارة، ولا مصادفة غريبة، ولا شعور واضح بالخطر. كان كل شيء عادياً إلى درجة أنني أظن الآن أن الخطر الحقيقي، في بعض الأحيان، يبدأ تحديداً من هذه العادية التي لا ننتبه إليها.
في تلك الرحلات العائلية الطويلة يحدث للإنسان شيء غريب. يخرج قليلاً من حياته اليومية، فيصبح قادراً على مراقبة نفسه كما لو كان شخصاً آخر. لا الجامعة، ولا الطلاب، ولا المواعيد، ولا الرسائل التي لا تنتهي، ولا المشكلات التي تنتظر حلاً. فقط مقعد ونافذة وعائلة وطريق لا تستطيع أن تتحكم في اتجاهه.
ربما لهذا السبب لاحظتهما.
كانا يجلسان في الجهة المقابلة. رجلان في منتصف العمر تقريباً، يرتديان ملابس بسيطة، ولهما لحيتان كثيفتان. لم يكن في مظهرهما ما يستدعي الانتباه بصورة خاصة، ومع ذلك لفتا نظري منذ اللحظة الأولى. لا أعرف لماذا. وهذه هي المشكلة.
حين نحاول بعد وقوع الأشياء أن نفهم بدايتها، نبحث دائماً عن سبب واضح. نقول: كان هناك شيء في تصرفه، أو في نظراته، أو في طريقة كلامه. لكن البداية الحقيقية غالباً لا تكون أكثر من إحساس صغير لا اسم له. شيء في داخلك يقول لك إن عليك أن تنتبه، دون أن يمنحك سبباً تستطيع الدفاع عنه.
نظرت إليهما مرة، ثم أشحت بوجهي. وبعد دقائق نظرت مرة أخرى. كان أحدهما يتحدث إلى الآخر بصوت منخفض، ولم أسمع كلمة واحدة. ثم توقفا عن الكلام فجأة، ونظر أحدهما باتجاه باب العربة.
قلت في نفسي: ربما ينتظران شخصاً.
ثم شعرت بشيء من السخرية من نفسي. ماذا أفعل؟ أراقب رجلين لأنهما لا يتحدثان؟ أبحث عن معنى في حركة عادية؟ كنت أعرف أن العقل حين يريد إثبات شيء يبدأ بجمع الأدلة من كل مكان.
وضعت يدي على كتف ابني الجالس أمامي. سألني شيئاً لم أسمعه، فأجبته بلا تفكير. ثم التفت إلى النافذة، لكن الأشجار لم تعد تعنيني. كنت أراهما.
ربما بدأت قصتي الحقيقية في مكان آخر، قبل هذه الرحلة بسنوات طويلة.
في الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 كنت أتابع الأخبار مثل ملايين الناس. لا أتذكر الكلمات التي قيلت في ذلك اليوم بقدر ما أتذكر الصور: الطائرتان، البرجان، الدخان، الناس الذين يركضون، والوجوه التي كانت تبحث عن تفسير لما لا يمكن تفسيره. ومنذ ذلك اليوم تغيّر شيء في علاقتي بالأماكن العامة وبالأخبار وبالأشياء التي تبدو عادية.
لم أصبح خائفاً بالمعنى الذي كنت أفهمه للخوف. كنت فقط أكثر انتباهاً. كنت أقول لنفسي إن الانتباه ليس خوفاً، وإن الحذر ليس وسواساً، وإن الأب الذي يبحث عن مخارج الطوارئ في مكان مزدحم لا يختلف كثيراً عن المهندس الذي يتأكد من سلامة جسر قبل أن يسمح للناس بالمرور عليه.
لكنني اكتشفت بعد سنوات أن هناك فرقاً بين أن ترى الخطر وأن تبحث عنه، وأن الإنسان يستطيع، إذا أراد بما يكفي، أن يجد علامة في كل شيء.
في ذلك اليوم، في القطار، لم أكن أعرف بعد أنني بدأت أبحث.
نهض أحد الرجلين ومشى ببطء نحو نهاية العربة. وقف قرب الباب، نظر إلى ساعته، ثم عاد إلى مقعده. لم يحدث شيء. ومع ذلك شعرت بأن شيئاً حدث.
وهذه واحدة من أكثر حيل الخوف خبثاً: أن يجعل الأشياء العادية تبدو وكأنها إشارات.
نظرت إلى زوجتي. كانت لا تزال تقرأ.
قلت لها: «هل لاحظتِ الرجلين هناك؟»
رفعت عينيها باستفسار. «أي رجلين؟»
أشرت بعيني. نظرت إليهما للحظات، ثم قالت ببساطة: «لا».
وعادت إلى كتابها.
انتهى الأمر بالنسبة إليها. أما بالنسبة إليّ فلم يبدأ إلا حين قالت: لا.
بعد نحو عشر دقائق رأيت الحقيبة. كانت سوداء وصغيرة، موضوعة تحت المقعد المقابل للرجلين. لم أكن قد لاحظتها من قبل. ربما كانت موجودة منذ البداية، وربما لم تكن. لم يعد ذلك مهماً. المهم أنني رأيتها الآن.
نظرت إلى الرجلين ثم إلى الحقيبة، وشعرت بوخزة صغيرة في معدتي.
قلت لنفسي: حقيبة. مجرد حقيبة. كم حقيبة توجد في قطار؟
لكن سؤالاً آخر جاء بعدها: ولماذا تحت المقعد؟
ثم سؤال ثالث: ولماذا أفكر في هذا أصلاً؟
في تلك اللحظة أدركت أنني بدأت أراقب الأشياء لا كما هي، بل كما يمكن أن تكون. وهناك فرق هائل بين الاثنين. في العالم الأول توجد حقائب، وفي العالم الثاني توجد حقائب مشبوهة. في العالم الأول رجل ينظر إلى ساعته، وفي العالم الثاني رجل ينتظر لحظة معينة. في العالم الأول رجلان صامتان، وفي العالم الثاني رجلان يتآمران.
كنت أعرف هذا كله. أمضيت حياتي في الجامعة أعلّم الطلاب أن الفرضية ليست حقيقة، وأن الملاحظة ليست تفسيراً، وأن العقل السليم يجب أن يميز بين ما يعرفه وما يستنتجه. كنت أقول لهم إن أكبر الأخطاء العلمية تبدأ حين يقع الإنسان في حب تفسيره الأول، ثم يبدأ في البحث عن الوقائع التي تؤيده ويتجاهل كل ما يناقضه.
لكنني لم أكن في قاعة محاضرات. كنت في قطار. وكانت جميلة تجلس إلى جواري، وكانت زوجتي وطفلاي أمامي، وفجأة لم يعد الأمر تمريناً في المنطق.
عند محطة صغيرة توقف القطار. نهض أحد الرجلين مرة أخرى. هذه المرة خرج من العربة. تابعته بعيني من خلال الزجاج. وقف على الرصيف، نظر إلى ساعته، ثم عاد. لم يبتعد أكثر من عشرين متراً، لكنه ترك في داخلي أثراً لا يتناسب أبداً مع ما فعله.
وهنا بدأت الفكرة. لم تكن فكرة واضحة. كانت مجرد احتمال. ثم ظهرت في رأسي الكلمتان اللتان ستبقيان معي طويلاً:
ماذا لو؟
ماذا لو كان هناك شيء في الحقيبة؟ ماذا لو كان الرجلان يعرفان بعضهما من مكان آخر؟ ماذا لو كان هذا القطار هو الهدف؟ ماذا لو حدث شيء وأنا جالس هنا عاجزاً، ثم عشت بقية حياتي وأنا أعرف أنني رأيت شيئاً ولم أفعل شيئاً؟
نظرت إلى أطفالي. كانوا بخير، وهذا بالذات جعل الأمر أسوأ. الأطفال لا يعرفون الخطر إلا بعد أن يقع، أما الأب فيستطيع أحياناً أن يعيش الخطر قبل وقوعه، وأن يعاقب نفسه على احتمال لم يحدث بعد.
رن هاتفي. رقم مجهول. فتحت الرسالة. كانت جملة واحدة: «لا تنظر إلى الرجلين.»
شعرت ببرودة في يدي. رفعت عيني. كان الرجلان في مكانهما، ينظران أمامهما. لم ينظر إليّ أحدهما. قلت لنفسي إن الرسالة ربما وصلت إلى الرقم الخطأ، لكنني لم أصدق ذلك.
جاءت رسالة ثانية بعد لحظات: «في المحطة القادمة، انزل مع أطفالك.»
هذه المرة لم أحتج إلى أن أشرح شيئاً لزوجتي. أريتها الهاتف. قرأت الرسالة، ثم رفعت عينيها ونظرت إلى الرجلين. هذه المرة رأتهما.
أغلقت كتابها ثم مدت يدها إلى جميلة وقالت: «عندما نتوقف، ننزل كلنا.»
هززت رأسي. لم أشعر بالانتصار. كنت فقط أريد أن ينتهي الأمر.
>>>


عندما وصل القطار إلى المحطة التالية تحركنا بسرعة. أمسكت زوجتي بيد الطفلين ونزلت. كانت جميلة خلفي. وصلت إلى الباب ثم توقفت فجأة.
قالت: «دميتي.»
كانت الدمية على المقعد.
قلت لها: «اتركيها يا جميلة.»
لكنها عادت.
كانت لحظة قصيرة جداً، ربما ثانيتين أو ثلاثاً. دخلت إلى العربة، أخذت الدمية، ثم عادت نحوي. مددت يدي إليها.
«هيا.»
أمسكت يدها.
وفي اللحظة نفسها صدر صوت إغلاق الأبواب.
صرخت زوجتي من الرصيف باسمي.
وضعت يدي على الزجاج. كانت تقف أمامي، وخلفها الطفلان. أما أنا فكنت داخل القطار، ومعي جميلة.
تحرك القطار. في تلك اللحظة لم أشعر بالخوف. شعرت بالغباء وحسب.
كنت قد قضيت نصف الرحلة أبحث عن خطر خفي كي أحمي عائلتي منه، والآن، بسبب خوفي نفسه، انفصلت عنها.
ثم نظرت إلى جميلة. كانت تمسك دميتها بكلتا يديها وتنظر إلى أمها من خلف الزجاج.
قالت: «ماما؟»
قلت: «سنعود إليها.»
لكن صوتي لم يكن مقنعاً حتى لي.
لم يسألني الرجلان شيئاً عندما عدت إلى مقعدي. كانا ينظران أمامهما. مرت دقيقة، ثم دقيقتان، ثم قال أحدهما بهدوء:
«هل تلقيت رسالة؟»
لم أجب.
نظر إليّ وقال: «الرسالة.»
أخرج هاتفه وفتح الشاشة. لم أر الكلمات كلها، لكنني رأيت رقماً مجهولاً.
قال: «نحن أيضاً.»
نظرت إلى أخيه. لم يكن يبدو خائفاً. كان يبدو حائراً.
ولأول مرة منذ بداية الرحلة لم أعرف من أخاف: من الرجلين؟ من الشخص الذي يرسل الرسائل؟ من الحقيبة؟ أم من نفسي؟
وضعت يدي على كتف جميلة. كانت لا تزال تمسك دميتها.
قلت لها: «لا تخافي.»
نظرت إليّ وقالت: «أنا مو خايفة.»
ابتسمت.
ثم حدث الانفجار.
لا أتذكر الصوت. أتذكر الضوء.
ومضة بيضاء، ثم ارتطاماً، ثم شيئاً يشبه الصمت، رغم أن كل شيء حولي كان يصرخ.
سقطت. لا أعرف كم بقيت فاقداً للوعي. عندما فتحت عيني كانت رائحة الدخان في كل مكان، والزجاج متناثراً على الأرض، ورجل يصرخ، وامرأة تبكي. التفت إلى جميلة.
كانت بجانبي تبكي. أما دميتها فكانت تحت المقعد.
مددت يدي إليها.
«جميلة؟»
قالت: «بابا.»
احتضنتها.
كان هذا كل ما استطعت فعله.
بعد ذلك لا أتذكر الكثير. أتذكر أنني بحثت عن هاتفي واتصلت بزوجتي. لم تجب. اتصلت مرة ثانية، ثم ثالثة، وأخيراً جاء صوتها. كان بعيداً ومضطرباً، لكنها كانت بخير. كان الطفلان بخير.
في تلك اللحظة لم أفكر في الرجلين، ولا في الحقيبة، ولا في الإرهاب، ولا في الرسائل. فقط أغمضت عيني وشكرت الله.
>>>


في الأيام التالية امتلأت الأخبار بالصور والتكهنات. قيل إن الانفجار لم يكن حادثاً، وإن العبوة وُضعت في عربة أخرى، وإن الشرطة تبحث عن شخص شوهد قرب المحطة. قيل أشياء كثيرة، وكثير منها لم يثبت.
أما الرجلان فقد استُجوبا ثم أُطلق سراحهما. لم تكن لهما علاقة بالانفجار. عرفت لاحقاً أن أحدهما طبيب، وأن الآخر أخوه، وأن الحقيبة التي قضيت دقائق طويلة أبني حولها قصة كاملة كانت تحتوي على أدوية ومستلزمات طبية.
وقفت طويلاً أمام هذه الحقيقة البسيطة: رجلان. حقيبة. ساعة. نظرات. مجرد أشياء عادية وأنا صنعت منها قصة.
شعرت بالخجل، ليس منهما وحدهما، بل مني أيضاً. كنت أستاذاً جامعياً أعلّم طلابي أن الملاحظة شيء والتفسير شيء آخر، وأن الإنسان يجب أن يعرف أين تنتهي معرفته وأين يبدأ تخمينه. ومع ذلك، في ذلك القطار، رأيت تفسيراً ثم بدأت أبحث عن الأشياء التي تثبته.
لم أر الرجلين كما هما. رأيت صورة صنعتها مخاوفي. لكن الرسائل بقيت.
أعطيت هاتفي للمحقق. بحث فيه طويلاً، ثم قال: «
لا توجد رسائل.»
قلت: «كانت هنا.»
«لا يوجد سجل لها.»
«أنا رأيتها.»
نظر إليّ للحظات، ثم قال:
«ربما حُذفت.»
قلت: «لا أعرف.»
أعاد الهاتف إليّ وقال:
«ربما.»
كانت تلك الـ«ربما» أسوأ من أي جواب آخر.
لأنها لم تثبت شيئاً ولم تنفه.
>>>


مرت أسابيع. عدت إلى عملي، وعدت إلى البيت، وعاد الأطفال إلى حياتهم. عادت جميلة إلى دميتها، كأن شيئاً لم يحدث.
ذات مساء رأيتها تضعها على سريرها بعناية.
سألتها: «هل ما زلت تتذكرين القطار؟»
فكرت قليلاً، ثم قالت:
«لما أخذت الدمية؟»
قلت: «نعم.»
ابتسمت وقالت:
«كانت معي.»
ثم عادت إلى اللعب.
أما أنا فلم أستطع أن أعود.
أصبحت أركب القطار وأراقب الناس، ثم ألوم نفسي لأنني أراقبهم. أرى رجلاً ملتحياً فأقول لنفسي: ربما يكون طبيباً. أرى امرأة تنظر حولها فأقول: ربما تنتظر شخصاً. أرى حقيبة تحت مقعد فأقول: إنها حقيبة.
كنت أحاول أن أعلّم نفسي من جديد كيف أرى الأشياء دون أن أحملها ما ليس فيها. كنت أحاول أن أستعيد العالم كما كان قبل أن أضع عليه تأويلاتي.
لكن شيئاً ما كان قد تغير. لم أعد أثق تماماً بعيني. ولم أعد أثق تماماً بخوفي أيضاً.
>>>


بعد أشهر من الحادث، في إحدى الليالي، كنت جالساً وحدي في غرفة المعيشة. كان الأطفال في الغرفة المجاورة، وأصواتهم تتداخل مع صوت التلفاز البعيد. رن الهاتف.
رقم مجهول. لم أجب. توقف الرنين. ثم وصلت رسالة.
فتحتها. كانت كلمتين:
«ماذا لو؟»
بقيت أحدق في الشاشة. هذه المرة لم أشعر بالخوف. شعرت بشيء أشد غموضاً، كأن أحداً وضع إصبعه على جرح قديم.
كتبت: «من أنت؟»
ظهرت ثلاث نقاط. اختفت. ثم ظهرت من جديد.
جاءت الإجابة: «كنت قريباً جداً من الحقيقة.»
كتبت: «أي حقيقة؟»
لم تأتِ إجابة. بدلاً منها وصلت صورة. فتحتها. كان القطار. العربة نفسها، المقاعد نفسها، والمسافرون أنفسهم.
لكن الصورة لم تكن ملتقطة من داخل القطار. كانت ملتقطة من الخارج، من الرصيف، في المحطة التي نزلت فيها زوجتي والطفلان.
كبّرت الصورة. كانت زوجتي هناك. والطفلان. وخلفهم رجل. رجل لم أره في ذلك اليوم. أو ربما رأيته. كان يقف بعيداً، يراقبهم. رفعت الصورة إلى عيني.
وصلت رسالة أخرى: «كنت تراقب الرجلين.»
ثم: «لكنهما لم يكونا يراقبانك.»
ثم: «كان شخص آخر يراقب عائلتك.»
وضعت الهاتف على الطاولة. لم أستطع الحركة.
في الغرفة المجاورة كان أطفالي يضحكون. سمعت صوت جميلة بينهم. كان صوتاً طبيعياً، دافئاً، حياً.
نظرت نحو الباب، ثم عدت إلى الهاتف.
الصورة لا تزال هناك. أو هكذا كنت أعتقد. فتحتها مرة أخرى، وكبّرت الرجل. لم يظهر وجهه بوضوح. حاولت تكبير الصورة أكثر. ثم توقفت.
لأنني لم أعد أعرف ماذا أريد أن أجد. كنت أريد أن يكون الرجل موجوداً. وفي الوقت نفسه كنت أريد ألا يكون موجوداً. كنت أريد أن تكون الرسائل حقيقية. وأريد أن تكون وهماً. كنت أريد أن أعرف. وأخاف من أن أعرف.
وفجأة تذكرت يد جميلة الصغيرة وهي تمسك دميتها، وتذكرت يد زوجتي على زجاج القطار، وتذكرت نفسي وأنا أحاول حماية عائلتي من شيء لم أكن أعرف إن كان موجوداً.
عندها فهمت أن الخوف لا يحتاج دائماً إلى أن يكذب عليك. يكفيه أن يقول لك جزءاً من الحقيقة، ثم يتركك أنت تكمل الباقي.
ومنذ ذلك اليوم، كلما صعدت إلى قطار، لم أعد أسأل نفسي: من يبدو خطراً؟
صرت أسأل سؤالاً آخر: من الذي يريدني أن أعتقد أنه الخطر؟
لكنني، في كل مرة أطرح فيها هذا السؤال، كنت أشعر أن سؤالاً ثالثاً ينتظر خلفه.
سؤالاً لم أجرؤ حتى الآن على طرحه:
ماذا لو كان الخطأ كله في السؤال؟



#علي_دريوسي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- صفر بالمئة
- لماذا فشل التعليم الجامعي السوري في إنتاج مهندسين مبدعين ومف ...
- فيض المعلومات... عندما تصبح المعرفة عبئاً
- حركة البديل لأجل سوريا 13 موقف حول التطورات السياسية الأخيرة ...
- انكسر الشر
- السجن الذي عاد معنا
- الذين عادوا إلى القبيلة
- المدرسة قبل 100 عام
- بلا عنوان
- كيف يحتفل الألمان بيوم الأول من أيار؟
- حركة البديل لأجل سوريا 12 موقف حول السيناريوهات الممكنة
- حركة البديل لأجل سوريا 11 موقف
- حركة البديل لأجل سوريا 10 موقف
- بين الثقافة والسياسة
- حركة البديل لأجل سوريا 9 موقف
- مجتمع التفرد
- حركة البديل لأجل سوريا 8 موقف
- حركة البديل لأجل سوريا 7 موقف
- حركة البديل لأجل سوريا 6 موقف
- حركة البديل لأجل سوريا 5 موقف


المزيد.....




- سوريا ضيف شرف معرض عمّان الدولي للكتاب في دورته الـ25
- بورنهام يتراجع عن دعمه إعادة منحوتات البارثينون إلى اليونان ...
- -على غفلة-.. الكهرباء تطفئ حفل مروان خوري وتضع حدا للسهرة (ف ...
- 200 فنان عالمي يطالبون مهرجان فينيسيا بوقفات جادة دعما لفلسط ...
- نجم أمريكي يتعرض لموقف محرج على المسرح (فيديو)
- فرنسا تستقبل 44 عالما وفنانا فلسطينيا من قطاع غزة
- مركز دراسة الرأي العام يؤكد النزعة نحو ارتفاع عدد الراغبين ...
- مصر.. اكتشاف مقبرة فرعونية في البوباسطيون
- تشاركها المخرجة اللبنانية مونيا عقل.. بطلة -تايتانيك- تعود ل ...
- أساتذة مؤهلون وطلاب مجتهدون.. كيف تزدهر العربية في شوارع كاب ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي دريوسي - ماذا لو؟