أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - علي دريوسي - مجتمع التفرد














المزيد.....

مجتمع التفرد


علي دريوسي

الحوار المتمدن-العدد: 8601 - 2026 / 1 / 28 - 15:46
المحور: المجتمع المدني
    


في كتابه "مجتمع التفرد: في تحوّل بنية الحداثة" يقدّم عالم الاجتماع الألماني أندرياس ريكفيتز تشخيصًا واسعًا ودقيقًا لطبيعة المجتمع الغربي المعاصر. أطروحته الأساسية تقول إننا لم نعد نعيش في مجتمع تحكمه قيم التوحيد والمعايير العامة كما في الحداثة الصناعية، بل في مجتمع جديد تحكمه "منظومة التفرد"؛ حيث تصبح القيمة الاجتماعية مرتبطة بكون الشيء أو الشخص أو التجربة فريدة، أصيلة، ومختلفة.

خلال مرحلة الحداثة الكلاسيكية كان التركيز على ما هو عام وقابل للتكرار: الإنتاج الضخم، الوظائف المستقرة، السِيَر الحياتية المتشابهة، والمعايير الموحدة في التعليم والعمل والاستهلاك. أما اليوم، فقد انقلب هذا المنطق. لم تعد القيمة في ما يشبه غيره، بل في ما يتميّز عنه. السلعة الناجحة ليست الأكثر فائدة فقط، بل الأكثر تفردًا من حيث التصميم أو القصة أو “التجربة” المرتبطة بها. المدينة الجذابة ليست الأكبر أو الأكثر تنظيمًا، بل التي تملك طابعًا ثقافيًا خاصًا. وحتى الفرد نفسه لم يعد يُقيَّم فقط بإنجازه، بل بقدرته على تقديم ذاته كهوية متفردة ومثيرة للاهتمام.

يرى ريكفيتز أن هذا التحول أدى إلى ظهور "اقتصاد التفرد"، حيث تتداخل الثقافة بالاقتصاد بشكل غير مسبوق. قطاعات مثل الصناعات الإبداعية، السياحة الثقافية، الإعلام الرقمي، والموضة أصبحت نموذجية لهذا الاقتصاد الجديد. القيمة هنا ليست مادية فقط، بل رمزية وجمالية وعاطفية. المنتج يُشترى لأنه يعبّر عن ذوق مميز، والمكان يُزار لأنه يمنح تجربة لا تُنسى، والعمل يُختار لأنه يحقق معنى شخصيًا لا مجرد دخل مادي.

على مستوى الأفراد، تحوّلت السيرة الذاتية إلى مشروع دائم للتشكيل والعرض. يُتوقَّع من الإنسان المعاصر أن “يعمل على ذاته” باستمرار: يطوّر مهاراته، يصوغ أسلوب حياة خاصًا، ويعرض هويته عبر الصور والكلمات والاختيارات الثقافية. تلعب المنصات الرقمية دورًا محوريًا في هذا السياق، إذ توفر مسرحًا دائمًا لعرض الذات، وتحول الاعتراف الاجتماعي إلى عدد من المتابعين أو الإعجابات أو التفاعلات. وهكذا يصبح التفرد ليس مجرد رغبة شخصية، بل مطلبًا اجتماعيًا ضاغطًا.

غير أن ريكفيتز يؤكد أن مجتمع التفرد ليس فردوسًا للإبداع، بل يحمل تناقضات حادة. فهذه المنظومة تُنتج أشكالًا جديدة من اللامساواة. الفئات ذات رأس المال الثقافي العالي — التعليم، الذوق، المهارات التواصلية — قادرة على النجاح في اقتصاد التفرد، بينما تتراجع قيمة الأعمال الروتينية أو الصناعية أو التقليدية. هذا الانقسام لا يخلق فجوة اقتصادية فقط، بل أيضًا فجوة في التقدير الاجتماعي والشعور بالاعتراف.

إلى جانب ذلك، يفرض منطق التفرد ضغطًا نفسيًا متزايدًا. حين يصبح على كل فرد أن يكون مميزًا واستثنائيًا، يتحول التفرد من فرصة إلى عبء. الفشل لا يُفسَّر كظرف اجتماعي، بل كعجز شخصي عن إبراز الذات بشكل كافٍ. لذلك ترتبط هذه المرحلة بانتشار مشاعر القلق، والإرهاق، وعدم الاستقرار الهوياتي.
سياسيًا، يرى ريكفيتز أن هذا التحول الثقافي يساهم في توترات معاصرة، إذ تشعر فئات واسعة بأنها مستبعدة من ثقافة التفرد المهيمنة، ما يغذي أشكالًا من الاحتجاج الشعبوي أو الحنين إلى أنماط حياة أكثر استقرارًا وبساطة. وهكذا لا يكون الصراع في المجتمع المعاصر اقتصاديًا فقط، بل صراعًا حول القيم وأنماط الحياة والاعتراف الثقافي.

في المحصلة، يكشف "مجتمع التفرد" أن هوس عصرنا بالتميّز ليس مجرد موضة ثقافية عابرة، بل منطق عميق يعيد تشكيل المجتمع من جذوره. فحين تصبح القيمة مرتبطة بما هو فريد لا بما هو مشترك، يتغير معنى النجاح، والعمل، والهوية، وحتى معنى أن ينتمي الإنسان إلى جماعة. غير أن هذا السعي المحموم نحو التفرد يحمل مفارقة قاسية: فبينما يعد بالتحرر وتحقيق الذات، يخلق في الوقت نفسه ضغوطًا لا تنتهي للمقارنة والمنافسة وإثبات القيمة الشخصية باستمرار.

بهذا المعنى، لا يقدّم ريكفيتز وصفًا لواقع اجتماعي فحسب، بل يضعنا أمام سؤال أخلاقي وثقافي كبير: كيف يمكن لمجتمع يقوم على تمجيد الاستثنائي أن يحافظ على التضامن مع العاديين؟ وكيف يمكن للفرد أن يسعى إلى التميز دون أن يتحول إلى مشروع مرهق لا يعرف السكون؟ إنها أسئلة تتجاوز علم الاجتماع لتلامس جوهر التجربة الإنسانية في زمن أصبح فيه التفرد معيارًا للحياة نفسها.



#علي_دريوسي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حركة البديل لأجل سوريا 8 موقف
- حركة البديل لأجل سوريا 7 موقف
- حركة البديل لأجل سوريا 6 موقف
- حركة البديل لأجل سوريا 5 موقف
- حركة البديل لأجل سوريا 4 موقف
- حركة البديل لأجل سوريا 4 ـ موقف
- حركة البديل لأجل سوريا 3 موقف
- حركة البديل لأجل سوريا 2 ـ موقف
- حركة البديل لأجل سوريا 1
- البروفيسور في وقت فراغه
- الخبث خلف الرثاء
- تحت قبة الشقلقليعة
- تعليمات الشركة
- في مخبز دريهر
- ماذا لو كنت أنا السبب؟
- مزار فاطمة الألماني
- خارج المتاهة
- طقطقة أطباق
- الخراء اللذيذ
- الجمل


المزيد.....




- بعثة إيران لدى الأمم المتحدة: إذا تعرضت إيران للضغط فستدافع ...
- بعثة إيران لدى الأمم المتحدة: إيران مستعدة للحوار القائم عل ...
- طفل محرر من سجون قسد: ممنوعون من الدعاء والصلاة والتعذيب مست ...
- حقوق الإنسان في الداخلية: تداول الفضائح يهدد المجتمع ويُجرَّ ...
- السياسي الذي وقع على إعدام صدام حسين ليلة عيد الأضحى.. من هو ...
- فرنسا: ارتفاع عدد المهاجرين المعتقلين وزيادة في عمليات الترح ...
- اليمن: مجلس الأمن يؤيد إنهاء مهمة الأمم المتحدة في الحديدة
- إيران اليوم.. إعدام جاسوس وترمب يحشد الأساطيل ومصر تدخل على ...
- إيران اليوم.. إعدام جاسوس وترمب يحشد الأساطيل ومصر تدخل على ...
- حوض النيل يواجه شح المياه… والأمم المتحدة تدق ناقوس الخطر عا ...


المزيد.....

- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله
- من أجل السلام الدائم، عمونيال كانط / زهير الخويلدي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - علي دريوسي - مجتمع التفرد