|
|
لماذا فشل التعليم الجامعي السوري في إنتاج مهندسين مبدعين ومفكرين؟
علي دريوسي
الحوار المتمدن-العدد: 8793 - 2026 / 8 / 10 - 18:11
المحور:
المجتمع المدني
ليس السؤال الحقيقي لماذا لم تنتج الجامعات السورية مهندسين متفوقين. لقد أنتجت آلاف المهندسين، وكان بينهم ولا يزال عدد كبير من الكفاءات المتميزة. والسؤال ليس أيضاً ما إذا كان السوري يملك القدرة على الإبداع؛ فالتجربة السورية في الخارج تقدم دليلاً معاكساً تماماً، إذ استطاع بعض المهندسين والباحثين السوريين أن يحققوا نجاحاً علمياً ومهنياً لافتاً عندما وجدوا أنفسهم في بيئات جامعية وصناعية مختلفة.
السؤال الأكثر إزعاجاً إذن هو: لماذا لم تستطع الجامعة السورية أن تحول هذه القدرة الفردية إلى قوة علمية وإبداعية مؤسسية متراكمة؟
خلال ستة عقود، نجحت الدولة السورية في بناء منظومة واسعة للتعليم العالي، وكان لهذا التوسع مبرره التاريخي. فقد كانت الدولة الناشئة بحاجة إلى الأطباء والمهندسين والمدرسين وسائر الكوادر المتخصصة لبناء مؤسساتها واقتصادها. ولهذا أدت الجامعة وظيفة أساسية تمثلت في إنتاج الكادر. لكن المشكلة أن هذه الوظيفة ظلت، بدرجات مختلفة، هي الوظيفة المركزية للجامعة، بينما بقيت وظيفة أخرى أكثر أهمية على المدى البعيد ــ إنتاج المعرفة ــ في مرتبة ثانوية.
وهنا بدأ الخلل البنيوي. فالجامعة تستطيع أن تنتج مهندساً يعرف القوانين والمعادلات وطرق التصميم، ويحل المسائل النمطية، وينجح في الامتحانات ويحصل على الشهادة، دون أن تكون قد علمته بالضرورة كيف يتعامل مع مشكلة لا توجد لها إجابة في الكتاب. وهذا هو الفارق بين مهندس يعرف ما هو معروف ومهندس يستطيع اكتشاف ما هو غير معروف.
الهندسة في الواقع ليست امتحاناً له إجابة نموذجية. عندما يتوقف محرك في مصنع، أو يفشل جزء ميكانيكي، أو ترتفع تكلفة الإنتاج، أو تتشقق مادة، لا يأتي المهندس ومعه سؤال مرتب ومعلومات كاملة وخيارات متعددة. عليه أولاً أن يكتشف ما المشكلة، وأن يميز بين الأعراض والأسباب، وأن يضع فرضيات، ويختبرها، ويفشل، ويعيد المحاولة. هنا تبدأ الهندسة الحقيقية، وهنا أيضاً يبدأ التفكير العلمي.
لكن الطالب الجامعي السوري عاش في كثير من الأحيان داخل منظومة تعليمية تكافئ شيئاً آخر: القدرة على الوصول إلى الإجابة التي يعرفها الأستاذ مسبقاً. فالامتحان لم يكن مجرد أداة لقياس المعرفة؛ بل أصبح، بصورة غير مباشرة، أداة لتشكيل عقل الطالب. وإذا كان النجاح يعتمد على الحفظ والاسترجاع والوصول إلى الحل النموذجي، فإن الطالب سيتعلم أن يتجنب الخطأ بدل أن يتعلم منه، وأن يبحث عن السؤال المتوقع بدل أن يصنع السؤال، وأن يطلب الإجابة بدل أن يبحث عنها.
وهنا تكمن مفارقة عميقة: نريد من الطالب أن يصبح مبدعاًَ، لكننا ندربه سنوات طويلة على ألا يخطئ.
الإبداع، في المقابل، لا يولد من معرفة الإجابات، بل من القدرة على الشك في الإجابات. المهندس المبدع هو الذي يستطيع أن يسأل: هل الافتراض صحيح؟ هل هناك حل أفضل؟ ماذا يحدث إذا غيرنا هذا المتغير؟ هل المشكلة أصلاً في الجزء الذي نعتقد أنه سببها؟ ولذلك فإن تكوين العقل الهندسي يحتاج إلى بيئة تسمح بالسؤال والاختلاف والتجربة والفشل، لا إلى بيئة يكون فيها الأستاذ مصدر الحقيقة النهائي، والطالب متلقياً لها.
ومن هنا تصبح المسألة أكبر من المناهج. يمكن تحديث الكتب، وإدخال برامج الحاسوب، وشراء أجهزة مختبرية حديثة، وإنشاء تخصصات جديدة، لكن ذلك لا يغير جوهر التعليم إذا بقيت العلاقة بين الأستاذ والطالب كما هي، وبقي الامتحان يقيس الحفظ أكثر مما يقيس التفكير، وبقي المختبر مكاناً لإثبات نتيجة معروفة مسبقاً، وبقي مشروع التخرج تمريناً طويلاً على تنفيذ تعليمات الأستاذ.
المختبر الحقيقي ليس المكان الذي يعرف فيه الطالب النتيجة مسبقاً؛ بل المكان الذي يمكن أن يفشل فيه. ومشروع التخرج الحقيقي ليس الذي يثبت أن الطالب أتقن ما تعلمه فقط، بل الذي يضعه أمام مشكلة لا يعرف حلها مسبقاً. هنا يتحول الطالب من مستهلك للمعرفة إلى منتج محتمل لها.
وهذا يقودنا إلى مشكلة البحث العلمي. فالجامعة التي لا يكون البحث العلمي في قلبها تتحول تدريجياً إلى مؤسسة لإعادة إنتاج المعرفة القديمة. الأستاذ الذي لا يبحث لا يكتفي بالتوقف عن إنتاج معرفة جديدة، بل يصبح، مع مرور الزمن، ناقلاً لمعرفة تبتعد شيئاً فشيئاً عن حدود العلم. والطالب الذي يتعلم على يد أستاذ لا يمارس البحث يرى العلم بوصفه معرفة مكتملة، بينما الحقيقة أن العلم هو بالضبط ما لم نعرفه بعد.
ومن أخطر ما يمكن أن يحدث في الجامعة أن تتحول هذه العملية إلى حلقة مغلقة: طالب يتعلم بالطريقة التقليدية، ثم يصبح معيداً، ثم مدرساً، ثم أستاذاً، فيعيد إلى الجيل التالي الطريقة نفسها التي تعلم بها. وهكذا لا تعيد الجامعة إنتاج المعلومات فقط، وإنما تعيد إنتاج ثقافة التعامل مع المعرفة.
ولا يمكن فصل ذلك عن طبيعة المؤسسة الجامعية نفسها. فالتفكير العلمي يحتاج إلى قدر من الحرية يسمح للطالب والأستاذ بأن يقولا: «ربما تكون الفكرة السائدة خاطئة». هذه ليست رفاهية أكاديمية، وإنما شرط من شروط إنتاج المعرفة. فالعلوم والهندسة لا تتقدم لأن الجميع يتفقون، بل لأن أحدهم يشكك في افتراض قائم ويقدم دليلاً على بديل أفضل.
كما أن الهندسة لا يمكن أن تزدهر داخل الجامعة إذا بقيت منفصلة عن الصناعة. فالمشكلة الهندسية الحقيقية غالباً لا تأتي من الكتاب، وإنما من المصنع والشارع والمستشفى وشبكة الكهرباء وورشة الإنتاج. عطل في آلة يمكن أن يصبح موضوع بحث، ومشكلة في استهلاك الطاقة يمكن أن تصبح مشروع تخرج، وفشل مادة يمكن أن يقود إلى رسالة ماجستير، وتصميم غير اقتصادي يمكن أن يصبح بداية ابتكار. عندما تصبح الصناعة مصدراً للأسئلة، تتحول الجامعة إلى مؤسسة حية لإنتاج المعرفة. أما عندما تنفصل الجامعة عن الواقع، فإنها تنتج حلولاً لمسائل أكاديمية أكثر مما تنتج حلولاً لمشكلات المجتمع.
ومن هنا يمكن فهم المفارقة السورية مرة أخرى: لماذا ينجح بعض المهندسين السوريين عندما يغادرون البلاد؟ لأن الموهبة لم تكن غائبة؛ الذي كان غائباً في كثير من الأحيان هو البيئة التي تحول الموهبة إلى ابتكار. في الجامعة أو المؤسسة البحثية الجديدة يجد الباحث مختبراً، وتمويلاً، ونظاماً يكافئ المبادرة، وعلاقة مع الصناعة، وثقافة تسمح بالنقد، وأستاذاً لا يخشى من أن يكون الطالب أكثر معرفة منه في موضوع معين. عندها تظهر طاقات كانت موجودة أصلاً ولكنها لم تجد البيئة المناسبة.
وهذا يعني أن المشكلة السورية ليست نقصاً في الذكاء أو المواهب، بل انخفاضاً في معامل تحويل الموهبة إلى معرفة وابتكار. ليس المهم كم طالباً متفوقاً دخل الجامعة، بل كم واحداً منهم أصبح باحثاً؛ وكم باحثاً أصبح مبتكراً؛ وكم ابتكاراً تحول إلى منتج؛ وكم منتجاً تحول إلى صناعة؛ وكم صناعة عادت إلى الجامعة بمشكلات جديدة تحتاج إلى البحث. هذه هي الحلقة التي تجعل الجامعة محركًا للتنمية. وإذا انقطعت الحلقة عند الشهادة، تصبح الجامعة محطة لتخريج الأفراد بدل أن تكون منظومة لإنتاج المعرفة.
لقد جاءت الثورة الشعبية والحرب السورية بعد عام 2011 لتعمق هذه الأزمة بصورة هائلة. فقد تعرضت البنية الجامعية والبحثية لضغوط غير مسبوقة، وخسرت البلاد أعداداً كبيرة من الطلاب والأكاديميين والباحثين، وتراجعت الموارد والاتصالات العلمية. لكن الحرب لم تخلق المشكلة من الصفر؛ لقد كشفت هشاشة كانت موجودة أصلاً، ثم ضاعفت آثارها. والأخطر أن هجرة الأكاديميين لم تعنِ فقدان أفراد فقط، بل فقدان خبرة وشبكات علمية ومشروعات وطلاب كان يمكن أن يشكلوا أجيالاً جديدة من الباحثين.
اليوم، وبعد ستة عقود من تجربة التعليم العالي، وربما في ظل التحولات الهائلة التي أحدثها الذكاء الاصطناعي، أصبح من الضروري إعادة صياغة السؤال كله. لم يعد العالم يحتاج إلى جامعة وظيفتها الأساسية أن تخبر الطالب بما هو موجود؛ فالوصول إلى المعلومات أصبح متاحاً بصورة غير مسبوقة، والآلة أصبحت قادرة على استرجاع المعرفة وتحليلها واقتراح الحلول. ما سيصبح أكثر قيمة هو الإنسان القادر على تحديد المشكلة، وصياغة السؤال، ونقد الإجابة، واختيار البديل، وتحمل مسؤولية القرار.
وهنا تحديداً ينبغي أن يعاد تعريف المهندس. المهندس الذي تحتاجه سوريا في المستقبل ليس من يحفظ أكبر عدد من المعادلات، ولا من يحصل على أعلى علامة في الامتحان، وإنما من يستطيع، عندما يواجه مشكلة جديدة، أن يقول: "لا أعرف الحل بعد، لكنني أعرف كيف أبحث عنه." هذه الجملة البسيطة تختصر الفرق بين التعليم التقليدي والتعليم الذي ينتج العقل.
لقد نجحت الجامعة السورية، بدرجات متفاوتة عبر مراحلها التاريخية، في تعليم المهندس كيف يحل المشكلة المعروفة، لكنها لم تنجح بالقدر نفسه في تعليمه كيف يكتشف المشكلة ويصنع المعرفة الجديدة. علمته الإجابة أكثر مما علمته السؤال، ودرّبته على تجنب الخطأ أكثر مما درّبته على استثماره، وقاست قدرته على استرجاع المعرفة أكثر مما قاست قدرته على إنتاجها.
ولذلك فإن القضية ليست إعادة بناء الجامعات السورية كما كانت، بل بناء جامعة مختلفة في فلسفتها ووظيفتها. جامعة يكون السؤال فيها أهم من الإجابة الجاهزة، والتجربة أهم من التلقين، والبحث جزءاً من التعليم لا نشاطاً هامشياً، والصناعة شريكاً في إنتاج المعرفة لا مجرد سوق للعمل، والطالب باحثاً منذ سنواته الأولى لا مجرد متلقٍ، والأستاذ قائداً لعملية البحث لا مجرد ناقل للمعلومات.
فالجامعة لا تنتج ما تقوله عن نفسها، وإنما تنتج ما تكافئه وتقيسه وتموله وتسمح به وتكرره كل يوم. إذا كافأت الحفظ، أنتجت حافظين. وإذا كافأت الامتثال، أنتجت منفذين. وإذا جعلت الشهادة غاية التعليم، أنتجت حملة شهادات.
أما إذا كافأت السؤال، والنقد، والتجريب، والفشل، والبحث، والتصميم والابتكار، فإنها تبدأ بإنتاج شيء مختلف تماماً: حينئذ تبدأ بإنتاج العقل. وهذا، في النهاية، هو الاختبار الحقيقي لأي جامعة: "ليس كم مهندساً خرّجت، وإنما كم عقلاً علمياً مستقلاً استطاعت أن تطلقه إلى العالم."
والله الجميل ولي التوفيق
#علي_دريوسي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
فيض المعلومات... عندما تصبح المعرفة عبئاً
-
حركة البديل لأجل سوريا 13 موقف حول التطورات السياسية الأخيرة
...
-
انكسر الشر
-
السجن الذي عاد معنا
-
الذين عادوا إلى القبيلة
-
المدرسة قبل 100 عام
-
بلا عنوان
-
كيف يحتفل الألمان بيوم الأول من أيار؟
-
حركة البديل لأجل سوريا 12 موقف حول السيناريوهات الممكنة
-
حركة البديل لأجل سوريا 11 موقف
-
حركة البديل لأجل سوريا 10 موقف
-
بين الثقافة والسياسة
-
حركة البديل لأجل سوريا 9 موقف
-
مجتمع التفرد
-
حركة البديل لأجل سوريا 8 موقف
-
حركة البديل لأجل سوريا 7 موقف
-
حركة البديل لأجل سوريا 6 موقف
-
حركة البديل لأجل سوريا 5 موقف
-
حركة البديل لأجل سوريا 4 موقف
-
حركة البديل لأجل سوريا 4 ـ موقف
المزيد.....
-
سياسي أوروبي يدعو إلى الإسراع بإنشاء مراكز في إفريقيا لترحيل
...
-
إحباط محاولة اختطاف في خان يونس واعتقال أحد المتورطين
-
أوكرانيا.. مدير مكتب مكافحة الفساد يكشف عن محاولات مراقبة عل
...
-
إنفوجراف | أحكام الإعدام في مصر لشهر يوليو 2026
-
سوريا.. تفكيك خلية لتنظيم الدولة واعتقال زعيمها في خان أرنبة
...
-
فيديو.. متحدث اللجنة الدولية للصليب الأحمر: الوضع الإنساني ف
...
-
بريطانيا تسجل أكبر عدد من المهاجرين في رحلة واحدة عبر القناة
...
-
سوريا: مطار دير الزور الدولي يستقبل أولى رحلات برنامج الأغذي
...
-
لحظات انتشال قارب بعد انقلابه قرب تمثال الحرية.. واعتقال الق
...
-
المندوب الأمريكي لدى الأمم المتحدة: عهد جديد من الأمن والازد
...
المزيد.....
-
مدرسة غامضة
/ فؤاد أحمد عايش
-
أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية
/ محمد عبد الكريم يوسف
-
أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال
...
/ موافق محمد
-
بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ
/ علي أسعد وطفة
-
مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية
/ علي أسعد وطفة
-
العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد
/ علي أسعد وطفة
-
الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي
...
/ محمد عبد الكريم يوسف
-
التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن
...
/ حمه الهمامي
-
تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار
/ زهير الخويلدي
-
منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس
...
/ رامي نصرالله
المزيد.....
|